التوفيق بين مكافحة الإرهاب وصون الحريات معادلة تونسية صعبة

تعيش تونس، عقب تنامي الخطر الإرهابي المتربص بأمنها، حالة استنفار تُرجمت في سنّ مشاريع تشريعات، تنتظر المصادقة عليها، بهدف خلق إطار قانوني للتصدي لهذه الآفة. مشاريع أثارت بدورها جدلا واسعا لما تحتوي عليه من نصوص يرى خبراء أنها يمكن أن تهدد العملية الديمقراطية الناشئة في تونس وتعيدها إلى مربع الاستبداد تحت يافطة مكافحة الإرهاب، وفق دراسة صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
الخميس 2015/05/07
التونسيون بالمرصاد لكل محاولة للالتفاف على مكاسب ثورتهم وعلى رأسها الحرية

تونس - إبّان الهجوم الذي طال متحف باردو في العاصمة التونسية في 18 مارس الماضي، والذي أسفر عن مقتل 22 شخصا، تجدّد السجال في تونس حول السبيل الأنجع لمواجهة الإرهاب الذي أضحى يهدد العملية الديمقراطية الناشئة في البلاد.

وعلى الرغم من أنّ الجهود الهادفة إلى إقرار قانون جديد لمكافحة الإرهاب تحظى بدعم واسع، تستمر المخاوف من أن يؤدّي التّشدّد في فرض الضوابط والقيود إلى تعزيز العودة إلى الحكم السّلطوي، كما كان الحال في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

تحدّ يواجهه التونسيون اليوم، يطرح معه جملة من الأسئلة المحورية مفادها؛ هل تستطيع تونس مكافحة الإرهاب من دون اللجوء إلى ممارسات استبدادية؟ وكيف لصنّاع القرار أن يضعوا خلافاتهم السياسية جانباً لإعداد استراتيجيات فعالة من أجل ضمان الأمن في تونس في المدى الطويل؟

أسئلة يحاول خبراء ومحللون الإجابة عنها من خلال عرضهم لجملة التحدّيات الأمنية الملحّة ومدى استعداد التونسيين لمعالجتها، وبالإضافة إلى إمكانية خلق إطار قانوني يكفل ذلك، دون الانزلاق نحو مستنقع تهديد الحريات العامة والفردية والعملية الديمقراطية الناشئة عموما.

تنامي الخطر الإرهابي

يرى روري مكارثي، وهو طالب دكتوراه في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد، ومراسل سابق لصحيفة “الغارديان” في الشرق الأوسط، أنّه لطالما بدا أنّ تونس بمنأى عن خطر الجهادية المتشددة، لكن بعد أربعة أعوام على انطلاقة ما سمي “الربيع العربي”، أصبح التهديد من العنف السلفي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وقد سعى نظام بن علي، طيلة 23 عاماً، إلى إحكام قبضته على الأنشطة الدينية كافة وتعريف ما يجب أن يعنيه الإسلام بالضبط للتونسيين بالتوازي مع الحلول الأمنية. وبدأت مجموعات سلفية صغيرة تظهر في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين رداً على ذاك الحل الأمني الزجري.

وبعد سقوط بن علي، تقدّمت هذه المجموعات الصغيرة لملء الفراغ السياسي، مستغلّةً الشعور بالإحباط والاستياء المنتشرَين على نطاق واسع في صفوف شباب المدن المحرومين. وفي البداية، ركّزت مجموعات على غرار أنصار الشريعة، وهو أول تنظيم سلفي كبير رأى النور في تونس، على التبشير بالعقيدة وفرض تطبيق قوانينها الأخلاقية، وعلى الحراك الاجتماعي.

مركز كارتر يحث التونسيين على دعم الديمقراطية
واشنطن – يسلّط تقرير أخير صادر عن مركز كارتر الضوء على نجاح المجلس الوطني التأسيسي التونسي في إرساء أساس دستوري قوي لضمان حقوق الإنسان وسيادة القانون في تونس، بعد أن أضحت التجربة التونسية تمثّل نموذجا هاما بالنسبة للبلدان التي تشهد انتقالا سياسيا.

ويشمل التقرير المسار التشاوري الذي اُتّخذ للمصادقة على الدستور في يناير سنة 2014، بالإضافة إلى تقديمه لجملة من التوصيات تتعلق بالخطوات التالية في تفعيل الدستور من بينها:

* إدماج أحكام أقوى بخصوص استقلالية القضاء ضمن الإطار القانوني للمجلس الأعلى للقضاء، بما يتفّق مع المعايير الدولية والفصلين 102 و107 من الدستور، بما فيها تأطير ضمان الحصانة فيما يتعلّق بالتعيين والترقية وتسليط عقوبة تأديبية.

* مراجعة الإطار القانوني الحالي وإصلاحه بما يضمن احترام وتطابق قوانين البلاد مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

*وضع معايير وإجراءات رسمية وعادلة لمنح حق الحضور في جلسات اللجان والجلسات العامة وصفة الملاحظ لمنظمات المجتمع المدني والمواطنين الذين يهمهم الأمر. وأظهرت تجربة المركز حتى الآن أنّ إجراءات الدخول إلى مجلس نواب الشعب لم تكن متناسقة.

* وضع وتفعيل آليات لتشريك العموم في عملية سن القوانين وأعمال المجلس إجمالا بما في ذلك توفير الدعم اللوجستي والإداري للنواب لتمكينهم من توعية العموم والتواصل معهم.

* نشر وتوزيع جميع الوثائق الرسمية المتعلقة بمجلس نواب الشعب في الوقت المناسب من محاضر الجلسات وتقارير اللجان.

وسعت إلى استقطاب الشباب التونسيين العاطلين عن العمل الذين كانوا يشعرون بالغبن الشديد من المنظومة السياسية والاقتصادية. وبحث الشباب ذوو الاتجاهات الدينية عن منابر جديدة للتعبير، إذ سرعان ما تملّكهم الغضب من التنازلات الإستراتيجية التي أجبرت حركة النهضة الإسلامية على تقديمها تحت ضغط المجتمع المدني. وفيما كانت النهضة تتخبط من أجل تجنيد أعضاء شباب جدد، كانت أعداد السلفيين في ازدياد.

وكذلك تورّطت المجموعات المتشدّدة في الإجرام، وغالباً ما انخرطت في تهريب المخدرات والسلاح، لاسيما عبر الحدود الليبية غير المضبوطة. وفيما انزلقت ليبيا نحو حالة من عدم الاستقرار، بدأت الفرق الانتهازية الجديدة تنشط أكثر فأكثر في تجارة التهريب. وبات من الأسهل على المسلّحين التدرّب في ليبيا قبل العودة إلى تونس لشنّ هجمات.

وفي البداية، لم تدرك حكومة النهضة سريعاً فداحة المشكلة، وكانت لا تزال تعول على الجهاديين كزخم انتخابي يخدم مشروعها لأخونة البلاد. وبعد اغتيال السياسيَّين اليساريين شكري بلعيد ومحمد براهمي في العام 2013، حظرت الحكومة تنظيم أنصار الشريعة واعتقلت مئات الشبّان.

وقد غادر نحو 3000 شاب تونسي للقتال في سوريا والعراق، لاسيما مع “الدولة الإسلامية”، ويبدو أن المئات الآخرين توجّهوا إلى ليبيا. وداخل تونس، ازدهرت مجموعات صغيرة عدة، بما في ذلك كتيبة عقبة بن نافع في جبل الشعانبي على مقربة من الحدود مع الجزائر، والتي تسبّبت في مقتل العشرات من عناصر قوى الأمن في العديد من العمليات الصغيرة. وكانت للكتيبة في البداية روابط مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ويبدو أنّها مقرّبة أيضاً من تنظيم “الدولة الإسلامية” في الوقت الحالي.

وفي مواجهة هذا التحدي، شنّت الحكومات المتعاقبة حملات توقيف بالجملة. ففي العام 2014، تم اعتقال ما لايقل عن ألف مشتبه به، ومعظمهم ينتمون إلى خلايا صغيرة. وفي الأشهر الأولى من العام الجاري، جرى توقيف 400 شخص، حسب رئيس الوزراء الحبيب الصيد. وأعلنت وزارة الداخلية عن تنفيذ عدد من المداهمات قُتِل فيها مشتبه بهم، على الرغم من أنّ هذه المداهمات أثارت أحياناً أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة. والشهر الماضي، أعلنت وزارة الداخلية أن القوى الأمنية قتلت رئيس كتيبة عقبة بن نافع، التي ذكرت أنها مسؤولة عن هجوم باردو. لكن في اليوم التالي، تبنّت مجموعة مختلفة تطلق على نفسها اسم جند الخلافة، المسؤولية عن هجوم باردو، وأعلنت الولاء لتنظيم “الدولة الإسلامية”، متوعِّدةً بتنفيذ مزيد من الهجمات.

ويشير روري مكارثي، إلى جملة تلك التهديدات دفعت الحكومات منذ العام 2011، إلى تفضيل الاستقرار في القطاع الأمني وتقديمه على الإصلاح، حيث أنّ البلاد لا تزال تفتقر إلى الإصلاحات الراسخة والجذرية، لاسيما في وزارة الداخلية التي تعاني من نقص الشفافية، وهو ما يعني أنّ الحكومات فضّلت التركيز على الاستقرار الأمني في خطابها بدلاً من الإقرار بالحاجة إلى حل سياسي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة خلف الأزمة الراهنة، إلى جانب الحاجة إلى وضع استراتيجية متأنّية ومحدّدة الأهداف ومستندة إلى الاستخبارات لمكافحة الإرهاب.

البلاد لا تزال تفتقر إلى الإصلاحات الراسخة والجذرية لاسيما في وزارة الداخلية التي تعاني من نقص الشفافية

ضرورة إرساء التوازن

تمثّل المعركة التي تخوضها تونس مع الجماعات الجهادية العنيفة، وفق دنكان بيكارد، الباحث في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، التهديد الأكبر للعملية الانتقالية التي تشهدها البلاد في مسارها نحو الديمقراطية، خاصّة أنّ الهجوم الإرهابي على متحف باردو لم يحدث من العدم، إذ تحاول القوى الأمنية التونسية اجتثاث الخلايا الإرهابية في مختلف أنحاء البلاد منذ سنوات عدة، آخرها الحملة التي تشنّها في جبل الشعانبي.

ومن شأن تهديد العنف، وفق دنكان، أن يُقنع المسؤولين في الحكومة والرأي العام بتفضيل الأمن على الديمقراطية، وليس أكيداً أن الحكومة الجديدة ستتمكّن من إرساء توازن بين الاثنَين. حيث أنّ الإدارة الحالية بدأت في تقويض بعض الضمانات التي تؤمّن توازن القوى الذي نص عليه الدستور.

ويشير الباحث إلى أنّ الباجي قائد السبسي كان قد اُنتخب رئيساً للبلاد بعدما تبنّت حملته الانتخابية النموذج التنفيذي القوي الّذي طبّقه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في مواجهة تصاعد التهديدات الأمنية الداخلية والإقليمية، لافتا إلى أنه في حين يُحاول الدستور إرساء توازن في السلطة التنفيذية من خلال ثنائية الحكم، حيث تُوزَّع المسؤوليات بين الرئيس المنتخب ورئيس الوزراء الذي يختاره البرلمان، إلاّ أنّ البرلمان الذي يسيطر عليه حزب السبسي أيضا، أرجأ اختيار رئيس الوزراء إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، ما أتاح للسبسي أن يختار بنفسه رئيس الوزراء.

يهود تونس والعالم يقبلون على موسم حجهم في كنيس الغريبة بجزيرة جربة مطمئنين في ظل احتياطات أمنية مشددة

ويُفترَض أيضاًّ، وفق دنكان أن تتولّى محكمة دستورية جديدة ومجلس لحقوق الإنسان الرقابة على السلطة التنفيذية، لكنهما لن يباشرا العمل قبل نهاية العام الجاري على أبعد تقدير، مما يؤجّل ذاك الدور الرقابي.

ولكن على الرغم من ذلك يظل الدستور الذي يمنح دوراً قوياً لمجلس النواب وللأحزاب المعارضة فعالاً في ضبط السلطة التنفيذية، ومن شأنه أن يحمي الحقوق السياسية، ولا يُجيز سوى للحكومة الحد من تلك الحقوق في ظل بعض الظروف.

وعلى سبيل المثال، فقد أسقطت لجنة مؤقتة مؤلفة من حقوقيين وقانونيين تنظر في مطابقة مشاريع القوانين لأحكام الدستور، مشروع قانون حكومي اعتبرت أنه ينتهك حقوق الملكية. وقد أثار رأي اللجنة حواراً حينها بين السلطتَين التنفيذية والتشريعية حول كيفية إقرار قانون جديد ضمن المعايير الدستورية.

بيد أنّ صلاحيات تلك اللجنة المؤقتة تقتصر فقط على مشاريع القوانين، ولا تشمل القرارات الإدارية. ويكمن الخطر هنا في السوابق التي يتم إرساؤها في مجال تطبيق الدستور، نظراً إلى أنّ تونس تتعرض حالياً لتهديد جهادي حقيقي ربما يدفع إلى الانزلاق في مطبات تهدد المسار الديمقراطي.

لكن وعلى الرغم من جملة هذه التحديات، يرى مراقبون أنّ النظام السياسي الجديد في تونس اعتبر من أخطاء الأنظمة السابقة في ما يتعلق بضرورة الحفاظ على المسار الديمقراطي الذي أضحى محلّ إشادة دولية، لكنّه في الآن نفسه يُجابه (النظام) ضغوطا يومية من عموم التونسيين الذين يطالبونه بكفّ الخطر الإرهابي وبإعادة الأمن والاستقرار الذي يعدّ مفتاح جلب الاستثمارات والكفيل بإعادة الانتعاشة إلى القطاع الاقتصادي الذي تضرر كثيرا، خاصّة في ظلّ حكم حركة النهضة الإسلامية للبلاد، والتي لم يوح آداؤها بأنها كانت تفكر بمعالجة الأوضاع المتردّية بقدر ما كانت تركز على الهيمنة على مفاصل الدولة خدمة لمشروعها القاضي بأخونة البلاد.

ضغوط لا يستبعد المراقبون أن تقحم النظام في مطبات من شأنها أن تحدّ قليلا من بعض الحريات، في سياق الحرب على الإرهاب، لكنّهم يشددون على أنها لن تكون بذاك الحجم الذي من شأنه أن يهدم صرحا ديمقراطيا بصدد التشكّل وإن على مهل، ضمانته الأساسية مجتمع مدني واع بضرورات اللحظة ومتربص بدوره لأية محاولة من شأنها إعادة تونس إلى مربّع الاستبداد.

6