التوك توك جراد ميكانيكي يتكاثر عشوائيا في شوارع مصر

الحكومة المصرية تتهم الشباب بالبحث عن الوظائف السهلة لكسب المال، ووقف تراخيص التوك توك يتسبب في انتشار الجريمة ويزيد معدلات البطالة برعاية المسؤولين.
الثلاثاء 2018/12/11
عجلات الاكتظاظ وفوضى السياقة

الحلول غير المدروسة تأتي بنتائج سلبية مع طول الوقت، هذا ينطبق  على الحكومة المصرية التي سمحت منذ تسعينات القرن الماضي بانتشار التوك توك، وهي مركبة بثلاث عجلات، كحل للازدحام المروري، وقلة وسائل النقل العام، كما أنها تساهم في حل أزمة البطالة في صفوف الشباب المصري. هذا الحل الذي بدأ سحريا في ذلك الوقت وضع الحكومة في سلسلة من الأزمات بعد أن فكرت في البحث عن حلول لهذا الانتشار العشوائي لهذا الجراد الميكانيكي.

القاهرة- اختار ناصر حسان الرجل الخمسيني، الطريق المهني السهل لنجله، بعد تخرجه من إحدى المدارس الفنية الصناعية، ورغم أن الأب يحترف النقاشة (طلاء المنازل)، منذ نحو ربع قرن، فإنه رفض أن يسير نجله على نفس الدرب، لأن حرفته باتت غير مربحة، وهو اعتقاد خاطئ أراد به البعد عن الحقيقة، وفضّل لنجله الطريق الأسهل للكسب والعمل على التوك توك الذي اشتراه له، أسوة بغالبية أقرانه في الحي، ليكون حاجزا أمام توارثه حرفة حقيقية.

قبل بضع سنوات أغفلت الحكومة المصرية عينها عن انتشار شبح التوك توك في شوارع القاهرة، وجاء متسللا من المناطق العشوائية، حتى بات يجول في أرقى الشوارع الرئيسية، وإلى الآن لم تمتلك الحكومة تعويذة طرد هذا الشبح. وعندما أرادت وضع الحلول، افتقدت قراراتها الحكمة وهربت من مسؤوليتها تجاه ضمان حماية اجتماعية لأكثر من مليوني شاب، وستار أمني للمواطنين المتضررين من سلوك بعض سائقي التوك توك.

الحقيقة أن خطورة تلك المركبة الصغيرة ذات العجلات الثلاث، ليست فقط في سلوك السائقين وانتشار تعاطي المخدرات بينهم، ولا حتى أن معظمهم من البلطجية الذين يرتكبون جرائم السرقة نهارا، لكن الخطورة تكمن في أن ذلك التوك توك بدأ في دهس حرف ومهن يدوية، قد تصبح نادرة أو تتعرض للانقراض، بسبب ابتعاد الصبية، ممن لا يلقون حظهم في التعليم، عن تعلم وامتهان الحرف اليدوية، هربا من المجهود البدني والالتزام.

كانت أغلب الأسر المصرية البسيطة تلجأ في السابق إلى الدفع بأبنائها لتعلم الحرف اليدوية، تحت شعار “لو لم يفلح في الدراسة، يتعلم صنعة”، يقينا بأن تلك “الصنعة” الوسيلة الأنجح لتأمين مستقبله، وقتها كان بعض الحرفيين مثل السباك والنقاش والنجار والميكانيكي وغيرهم، يضاهي مستواهم المادي مستوى كبار الموظفين.

تغيّر الحال تماما لأن التوك توك لم يقتحم الشوارع فقط، بل اقتحم عقول بعض الأسر وأغراها بالمكسب المادي الذي يحققه، وتلاقت رغباتها مع كسل الأبناء، وبدأ الأب في القيام بدوره المتمثل في تدبير ثمنه، حتى لو تطلب الأمر الاقتراض من المقربين، بينما ينتظر الابن وقت انطلاق مشروعه الخاص، الذي يتيح له العمل دون التزام بمواعيد أو مسؤوليات أخرى.

لجأ بعض الشباب من خريجي الجامعات إلى التوك توك لمجابهة شبح البطالة، بدلا من انتظار وظيفة قد لا تأتي في القريب العاجل، لكن بعيدا عن هؤلاء، ثمة فئة كبيرة من الصبية تركوا المدارس بعد أن عرفت جيوبهم طعم النقود الوفيرة، دون القيام بجهد حقيقي، وبعضهم يحقق ربحا يوميا يصل إلى 300 جنيه مصري، ما يتخطى 15 دولارا، وهو مبلغ ليس قليلا بالنسبة لسوق العمل في مصر.

مطالب ملحة

نقل بين المدينة والأرياف المجاورة
نقل بين المدينة والأرياف المجاورة

يروي ناصر حسان لـ”العرب” أنه اختار أن يعمل ابنه سائقا على التوك توك كي يساهم في نفقات المنزل، لأن ظروفه الصحية لم تعد تتحمل قيامه بنفس الجهد، ورفض أن يتعلم ابنه نفس مهنته “النقاشة”، التي تحتاج إلى وقت كبير لإتقانها، في حين أن نفقات المنزل لا تحتمل الانتظار، ويرد ناصر على الاتهام بأن سائق التوك توك لا مهنة له، ويتسبب في ندرة “الصنايعية” قائلا “البلد مليانة صنايعية”.

يشكو حرفيون حاليا، في الأعمال المعمارية أو أصحاب الورش، من عدم وجود عمالة من الصبية الصغار، كما كان يحدث في الماضي، والسبب ليس في أن بعض الأسر تفضّل التعليم عن الحرف، بل لأنهم يفضّلون التوك توك على الحرف والتعليم.

ودرجت أغلب الأسر في المناطق الشعبية، بمجرد أن تبدأ إجازة نهاية العام، على إرسال أبنائها إلى إحدى الورش القريبة من المنزل، سواء كانت لإصلاح السيارات أو إصلاج أجهزة منزلية وغيرهما، ومنها من تفضّل إلحاق الابن بإحدى المدارس الصناعية، على أن يتعلم نفس مهنة والده.

سوف تعاني مصر بعد عدة سنوات من ندرة كبيرة في الحرفيين، لأن المدارس الصناعية وحدها لا تؤهل خريجيها لسوق العمل، والأمر يحتاج إلى “أسطوات” لنقل خبرتهم إلى الأجيال الجديدة.

تلك أزمة التوك توك الحقيقية في مصر، لأن الظاهرة تفشت بصورة مقلقة، وكشفت عن عجز الحكومة المصرية عن التعامل مع هذه الفئة التي تقتات بعيدا عن عباءتها، وتحاول البحث عن لقمة عيشها بغض النظر عن النظرة الاجتماعية إلى هذه المهنة.

ووجه مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، محافظي الأقاليم مؤخرا في اجتماع بمقر وزارة التنمية المحلية، بوقف إصدار تراخيص جديدة لسائقي التوك توك، كي يتسنى الحد من الظواهر السلبية التي نتجت عن انتشاره غير المنضبط، مع التوجيه بالتعامل الحاسم مع تجاوزات السائقين، بما في ذلك مصادرة المركبات المخالفة.

وقال مدبولي إن العديد من الدراسات الحديثة بدأت تحذر من خطورة استسهال الشباب العمل على التوك توك وانصرافهم عن فرص العمل الجادة التي تحقق التنمية وتبني الوطن، بعد استقطاب الأطفال للعمل في هذه الوسيلة والحصول على أموال ينفقونها بشكل غير منضبط، نظرا لحداثة سنهم.

وزاد القرار من الفجوة الاجتماعية التي يعاني منها أصحاب هذه المهنة، بعد أن صب مجلس الوزراء جام غضبة عليهم واتهمهم بأنهم يبحثون عن المهن السهلة، في حين أن تلك المهنة تستقطب أصحاب مؤهلات جامعية فشلوا في الحصول على وظيفة.

صاحب العمل

عربة الحل الظرفي للبطالة عبء يرهق الحكومة
عربة الحل الظرفي للبطالة عبء يرهق الحكومة

أكد مصطفى محمد، وهو حاصل على بكالوريوس تجارة، أنه بحث عن وظيفة لسنوات تتناسب مع مؤهله العلمي دون تحقيق ذلك، لأن الوظائف إلى جانب الاجتهاد العلمي تحتاج إلى محسوبية لا يمتلكها.

وأضاف لـ”العرب”، “فكرت في مشروع بعيدا عن اختصاصي الجامعي، واشتركت مع إخوتي واشترينا التوك توك، وأنا الآن صاحب عمل وهذا ما أنظر إليه، وفي النهاية هو عمل شريف، وقرار منع التراخيص، لا يشعر أصحابه بمعاناة المواطنين”.

انتشار التوك توك يساهم في زيادة معدلات الجريمة في البلاد، وهي ظاهرة لم تنتبه إليها الحكومات المتعاقبة، وسمحت بدخول مركبة مستوردة إلى البلاد ثم عزفت عن ترخيصها.

ويعكس التوك توك منظومة الفساد والمصالح الخفية وراء عدم ترخيصها، فضلا عن التخاذل لسنوات، قبل أن يتم إصدار تشريع للمرور قبل عدة أشهر، سمح بتراخيصها.

وتعمل مركبة التوك توك في المناطق العشوائية بالمدن الكبرى والصعيد والريف، لعدم توافر وسائل نقل رسمية بهذه المناطق، فضلا عن غياب الرقابة، ما أدى إلى انتشار الجريمة بسبب تجاهل الحكومة وعدم فرض تشريعات تضمن عمل هذه المركبات تحت سمعها وبصرها.

يقول مسعد أحمد، وهو حاصل على دبلوم تجارة، “تقدمت للعمل في عدد من المصانع وكان مرتبي لا يتجاوز 800 جنيه في الشهر وتعادل 45 دولارا تقريبا، ولا تكفي الانتقال بالمواصلات من البيت إلى المصنع″.

ويشير لـ”العرب” إلى أنه فكر في العمل على التوك توك لزيادة دخله، وحاليا يحصل على 100 جنيه في اليوم، وتعادل 5.5 دولارات صافية، بعد خصم كافة المصروفات، ويتحصل على نحو 170 دولارا في الشهر، بدلا من 45 دولارا. وتساءل هل تريد الحكومة معاقبتي على أني فكرت في زيادة دخلي؟

ويشكو عدد من أصحاب الأعمال بمدينة العاشر من رمضان الصناعية، وتبعد عن القاهرة حوالي 46 كيلومترا في اتجاه مدن قناة السويس، من عدم وجود عمال فنيين، وخدمات بالمصانع.

ولفت وليد هلال رئيس جمعية الصناعيين إلى أن البعض لجأ إلى استقدام عمالة من الخارج، مثل الهند والصين وبعض المقيمين من دول أفريقية في مصر، بعد عزوف فئات كبيرة عن العمل داخل المصانع والاتجاه لقيادة التوك توك.

فكل فرد يبحث عن مصلحته، ولا توجد قوانين صارمة تلزم أصحاب المصانع بوضع حد أدنى لأجور العمال، حيث يريد صاحب العمل دفع أقل أجر ممكن مقابل الحصول على جهد العامل، وفي المقابل يبحث العامل عن مصلحته وزيادة دخله لمواجهة غلاء المعيشة التي يشكو منها جميع أفراد المجتمع.

مسؤولية الحكومة

تغيب وسائل النقل العمومي فيحضر التوك توك
تغيب وسائل النقل العمومي فيحضر التوك توك

يصل متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر وفق آخر إحصاء لوزارة التضامن الاجتماعي إلى نحو 5.6 أفراد، وهناك أكثر من 11 مليون فرد يعيشون من العمل على نحو مليوني توك توك، وهى نسبة كبيرة تتجاوز 11 بالمئة من عدد سكان البلاد التي يصل عدد المقيمين فيها إلى نحو 95 مليون مواطن.

يقول قدري أبوإسماعيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإسكندرية، “إن التوك توك أصبح ظاهرة تخص المجتمع المصري بأسره، والحكومة لها دور، والمجتمع يقع على عاتقه دور أيضا، وليس منطقيا أن تلقي الحكومة المشكلات الناتجة عن التوك توك في وجه المجتمع″.

وذكر في تصريحات لـ”العرب” أن بعض أفراد المجتمع لجأوا إلى التوك توك كأداة للتغلب على مشكلات عجزت الحكومة عن حلها، سواء كوسيلة نقل للأفراد، أو مواجهة البطالة.

وأكد أنه من المستحيل إلغاء التوك توك في مصر، لأنه جزء من حياة الكثير من الأسر، والجرائم منتشرة في المجتمع ككل، ولا تقتصر كلها على وجود التوك توك، وعلى الحكومة مواجهة الجريمة بقوانين رادعة، وليس البحث عن تضييق الرزق في مجتمع يعاني من الغلاء والبطالة معا.

ويتابع قائلا “التوك توك وسيلة مواصلات في عدد كبير من بلدان العالم، ولكن مصر ينقصها تقنين أوضاع من يعمل عليها، لأن الكثير من هؤلاء اتجهوا إلى تجارة المخدرات، وسرقة حقائب السيدات وغيرهما، ومن ثم يجب وضع ضوابط، منها لا يقل الحد الأدنى لعمر من يقوده عن 18 عاما، وحسن السير والسلوك، وامتلاك رخصة”.

وتتهم بسنت فهمي، وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، قرار مجلس الوزراء بأنه غير مدروس لأنه يؤدي إلى مشكلات اجتماعية وأمنية خطيرة، بل سيعرض الكثير ممن يملكون مثل هذه المركبات لمشكلات قد تصل إلى تدمير أسرهم.

وتقول لـ”العرب” إنه من الضروري تقنين أوضاع عمل التوك توك، ويجب أن يكون من خلال قوانين عادلة، تتضمن مجموعة من الشروط لقيادته، بدلا من القرارات المفاجئة التي تهدد حياة أفراد أصبحوا يعتمدون عليه كمصدر دخل أساسي ووحيد لديهم.

ووصفت وكيل اللجنة الاقتصادية إيقاف تراخيص التوك توك بأنه أمر مرفوض تماما، لأنه بمثابة توجيه رسالة للشباب مفادها “اجلسوا في بيوتكم”. ولا تتسق هذه الخطوة من رؤية مصر 2030 والتي تستهدف ضم الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية، لأنها دعوة صريحة إلى أن يعمل الجميع في القطاع غير الرسمي.

ويعكس ذلك حجم التضارب في السياسات الحكومية وعدم القدرة على وضع حلول للمشكلات، فالقرار يصطدم بنقطة أخرى، وهي أن مركبات التوك توك يتم تصنيعها في مصر حاليا، ما يطرح السؤال هل ستمنع الحكومة الشركة المنتجة لهذه العربات من الإنتاج؟

وهذا ما يضع الحكومة في مأزق آخر، إذا كانت الإجابة بـ”نعم”، فتعد تلك الخطوة ردة فعل طاردة للاستثمار وتسيء للاقتصاد المصري، وإذا كانت الإجابة بـ”لا” فإن التوك توك يواصل انتشاره وتفقد القرارات الحكومية هيبتها، والأسوأ أن تفقد مصر فئة كبيرة من الحرفيين المهرة.

20