التونسية سناء براهم.. فنانة الجسد في إلهامه

سناء براهم التي تقدّم اليوم عروضا افتراضية لأعمالها تخترق بجرأتها عصرنا لتمهّد لولادة فن من نوع جديد.
السبت 2020/05/16
ترسم بجسدها في غياب الجمهور

كان الفرنسي إيف كلاين (1928ــ1962) قد سبق الجميع إلى ما صار يُسمّى في ما بعد بـ”فن الجسد”. كان يرسم أعماله أمام الجمهور مستعينا بنساء يقمن بصبغ أجسادهنّ بأزرقه الشهير الذي ارتبط باسمه، ويبدأن بتنفيذ أوامره بالاستلقاء على لوحات بيضاء ملقاة على الأرض أو التماس بلوحات بيضاء أخرى معلقة على الجدران.

حرص كلاين على أن ترافق عروضه معزوفات موسيقية حية تقدّمها فرقة ترتجل إيقاعات، تكون مناسبة لحركات النساء فتبدو الموسيقى كما لو أنها مستلهمة من الرسم الذي يُنفّذ بأسلوب مبتكر.

كانت حفلات إيف كلاين لحظة تحوّل في طريقة النظر إلى “الموديل” في تاريخ الرسم. كان كلاين يمارس الرسم الحي من خلال أجساد نسائه اللواتي يتركن أثر فكرته الجمالية على القماش.

كل الأعمال التي نفّذها كلاين بتلك الطريقة هي اليوم جزء من مقتنيات المتاحف ولا تقدّر بثمن. غير أن التجربة في حد ذاتها كانت مصدر إلهام لفنانين وفنانات حول العالم. البعض نفّذها مباشرة أمام الجمهور فكانت ممارسته نوعا من الأداء الجسدي والبعض الآخر اكتفى بعرض ما توصّل إليه من نتائج جمالية على هيئة لوحات جاهزة.

التونسية سناء براهم تنتمي إلى البعض الثاني. لقد التقيتها في أحد الملتقيات الفنية بمدينة الحمامات التونسية ورأيت رسومها المدهشة، غير أنني لم أرها ترسم. كنت أظن أنها أحضرت لوحاتها جاهزة معها غير أنها أكّدت أنها رسمتها في غرفتها بالفندق. ومن أجل أن توضّح ما خفي عليّ، قالت “أنا أرسم بجسدي”. كان ذلك الاعتراف بالنسبة لي مناسبة عظيمة لإعادة النظر إلى رسومها بطريقة مختلفة.

إنها تقوم بكل ما يتطلبه الأداء الجسدي من انفعال وحميمية واستغراق ورغبة في التسامي، لكن في غياب الجمهور لأسباب معروفة. فهي تصبغ جسدها بألوان تختارها تبعا لحالتها النفسية، وهي تصنع تكويناتها في سياق مخطّط جمالي تسعى إلى أن تنفّذه. لكن ليس بطريقة آلية. هناك العفوية التي لا بد منها. فالجسد لا يتحرّك إلّا من أجل أن يسعف الروح التي تكتفي بالإيحاء الرمزي. وهو ما يمكن أن يلاحظه المرء حين يرى أن الأصباغ تتدفّق في مكان فيما تخفت في مكان آخر. ذلك ما يشير إلى تنوّع الأصوات التي يتلقاها جسد الفنانة وهو يقوم بمهمته السرية.

سناء براهم هي رسامة حياتها. جسدها الذي يطاوعها ليس مسرحا جاهزا في كل لحظة. لذلك يمكن النظر إلى رسومها باعتبارها يوميات لذلك الجسد الذي تظهر انفعالاته بشكل مباشر على سطوح اللوحات. كما أن الفنانة تختار أصباغها بما يناسب تلك الانفعالات. فليست الأوقات السعيدة كالأوقات التعيسة. لا الأصباغ ولا حركة الجسد ولا نوع الانفعال سيكون متشابها. الفنانة تقيم في انفعالها الجسدي الذي هو صدى لوضعها النفسي.

ربما يفكّر البعض بما يشبه الرسم. ذلك لأن الفنانة لا تستعمل الفرشاة في الرسم إلّا اضطرارا. وهو ما وجدته شخصيا أمرا فائضا. وكما أتوقّع فإنها تخلّت عنه.

ما يحتاج ذلك البعض إلى التعرّف عليه يكمن في أن تجربة سناء براهم لا تنتمي إلى الرسم التقليدي الذي نعرفه. إنها جزء من خيال الرسم كما اختبرته الفنون المعاصرة. الفنانة تنتمي بسلوكها إلى عصر ما بعد الحداثة. لذلك لا يمكن النظر إلى تجربتها من خلال الأحكام النقدية التقليدية.

سناء براهم التي تقدّم اليوم عروضا افتراضية لأعمالها تخترق بجرأتها عصرنا لتمهّد لولادة فن من نوع جديد.

15