التونسية كوثر رجباني تربي الأسماك في قلب الصحراء

الشابة التونسية تطمح بعد مناقشة رسالة الماجستير إلى التفرغ التام لمشروعها والعمل على تطويره.
الجمعة 2020/12/04
التحدي طريق إلى النجاح

أطلقت الطالبة الجامعية كوثر رجباني مشروعا لتربية الأسماك في قلب الصحراء التونسية، متحدّية بذلك طبيعة المناخ القاحل وبعده عن البحر وأيضا عدم قبول سكان منطقتها لفكرتها.

مدنين (تونس) – قرّرت كوثر رجباني في قلب الصحراء التونسية وتحديدا بمدينة بني خداش التابعة لمحافظة مدنين (جنوب شرقي البلاد)، أن تجعل من الكثبان الرملية والجبال المترامية بيئة جديدة لتربية الأسماك.

وقالت رجباني، وهي مؤهلة مختصة في الصيد البحري وتربية الأحياء المائية، إن “شغفها بكل ما يتعلق بالبحر جعلها لا تنتظر حتى تنهي دراستها الجامعية فهي لم تنه بعد مرحلة الماجستير في الهندسة والإدارة المستدامة للثروات البحرية، وأطلقت مشروعها”.

وأثارت هذه الفكرة التي تبدو غريبة إلى حدّ كبير في مدينتها، كمّا هائلا من التساؤلات حول هذا النوع من السمك الذي سيعيش خارج البحر في منطقة تعد بوابة صحراء الجنوب الشرقي التونسي.

ومع تحول الأنظار إلى مشروعها وحالة الترقب التي كست أغلب سكان المنطقة أصرت رجباني على تحدي طبيعة المناخ القاحل والأحكام المسبقة، ونجحت في تحويل الصحراء إلى أحواض صغيرة تنمو فيها الأسماك والأشجار المثمرة.

وأضافت رجباني (26 عاما) لـ”العرب” “لم يكن من السهل على سكان المدينة استيعاب فكرة تربية الأسماك وسط الصحراء، حتى أن الكثيرين منهم يسألونني كيف يمكن تربية الأسماك في مدينة صحراوية، إذ أنهم انقسموا بين مشجع ورافض ومترقب لمعرفة المذاق”.

وأشارت إلى أن هذا التعجب عائد إلى الصورة النمطية المعششة في الأذهان والتي تعتبر أن الأسماك لا يمكنها العيش خارج الماء المالح، مؤكدة أن “هذه الأفكار خاطئة، إذ يوجد العديد من الأنواع من الأسماك يمكنها التأقلم والعيش في مياه عذبة وتحمل درجات حرارة مرتفعة ومن بينها ما يعرف بالسمك البلطي”. وتابعت “انطلاقا من هذه الفكرة بدأت مشروعي وأسعى جاهدة لتطويره”.

وشجع امتلاك عائلة رجباني لمزرعة بمدينة بني خداش على بعد 12 كم من محافظة مدنين، إلى جانب توفر المياه العذبة والمساحة المطلوبة، على بعث مشروع يعد الأول من نوعه في منطقة لا تطل على البحر وتفتقد كذلك لأطباق السمك بقوائم طعامها مقارنة بالمدن المتاخمة لها مثل جرجيس وجربة.

شغف بعالم البحر وثرواته
شغف بعالم البحر وثرواته

وكشفت الشابة العشرينية أن “اختصاصها الجامعي بالإضافة إلى الدورات التدريبية التي تلقتها أثناء سنوات دراستها مكّناها من الحصول على مكتسبات وخبرات في مجال تربية الأسماك”، لافتة إلى أنها وجدت دعما كبيرا من قبل العديد من الأشخاص المتكونين في هذا المجال ومن بينهم محمد التُنكتي وهو صاحب مشروع تربية أسماك بدأ مشروعه منذ 2016 بمحافظة تطاوين أقصى جنوبي البلاد.

وقاد الشغف الكبير بعالم البحر وثرواته بالإضافة إلى المساندة الكبيرة التي وجدتها رجباني من عائلتها إلى جعلها لا تتوانى عن تربية الأسماك على الرغم من بعد المسافة بين مكان دراستها بمحافظة بنزرت وعيشها ببني خداش، قائلة إن عائلتها تتابع كل مراحل المشروع وعلى تواصل دائم معها.

وأوضحت “قمت بداية بشراء سمك صغير وبكميات قليلة للغاية، نظرا لإمكانياتي المادية المتواضعة، إذ لم أحصل على قروض أو أي دعم من أي جهة، كما أنني فكرت جيدا في عدم المجازفة في ظل تردد الناس في شراء هذا النوع من الأسماك.. فأي مشروع لا بد أن يواجه في بدايته بعض العقبات وكانت أكثر صعوباتي عدم تصديق الناس للمشروع”.

ولم تعول الشابة العشرينية كثيرا على إقبال العائلات على أسماكها، إذ وجهت مشروعها للتعامل مع المؤسسات كالمستشفيات وغيرها للبيع بالجملة.

وقالت إن النوع الذي تربيه يسمى “تلابيا” أو ما يعرف بـ”سمك البلطي” أو “سمك المشط” وهو الاسم الشائع لجنس من الأسماك يضم ما يقرب من مئة نوع.

وتمتاز هذه الأسماك بمجموعة من الصفات تجعلها مناسبة للتربية في المزارع، وأهم هذه الصفات قدرتها على مقاومة زيادة الكثافة وعلى البقاء في تراكيز منخفضة للأكسجين الذائب في الماء.

وتابعت رجباني “أن هذا النوع من الأسماك يباع بأسعار تناسب الدخل العائلي، فالعائلات بهذه المنطقة تكون في الغالب موسعة وإمكانيات رب العائلة لا تسمح له بشراء العديد من الأنواع أو شراء كميات لا تكفي الجميع، كما أن أسعار اللحوم مرتفعة كذلك”.

مشروع رجباني بلغ مرحلة إنتاج السمك الصالح للاستهلاك
مشروع رجباني بلغ مرحلة إنتاج السمك الصالح للاستهلاك

وبلغ المشروع مرحلة إنتاج السمك الصالح للاستهلاك، إضافة إلى توفير صغار الأسماك المعدّة للنمو بدل شرائها والتي ساعدت رجباني في الاستمرار في ظل تفشي فايروس كورونا الذي أثر على تواصلها مع المزودين.

وأصبح هناك طلب على أسماك رجباني، إذ شددت على أن “الكثير من الناس أعجبهم مذاق هذه الأسماك وأبدوا رغبة في تكرار التجربة، لاسيما وأن نكهتها شبيهة باللحوم البيضاء”.

وتحرص رجباني على صنع الطعام الخاص بأسماكها بنفسها وبمكونات ضبطت معدلاتها بشكل دقيق وهي لا تشكل أي خطورة على الأسماك أو على المستهلك في آن، بالإضافة إلى أنها تستفيد من المياه التي تربي داخلها الأسماك في ري عدد من الأشجار المثمرة التي قامت بزراعتها ومن بينها العنب والخوخ والزيتون، وفق قولها.

وأفادت أن “هذه المياه تعد مفيدة كثيرا للأشجار وتساهم في الحصول على ثمار بيولوجية”.

وتطمح رجباني بعد مناقشة رسالة الماجستير إلى التفرغ التام لمشروعها والعمل على تطويره، مشيرة إلى أنها “لم تشأ أن تنضم إلى طوابير الانتظار الطويلة حتى تحظى بفرصة للعمل وأنها ستعمل مستقبلا على الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لمشروعها”.

24