التونسيون أمام اختبار جديد لتفادي الفرص الضائعة

التحدي الأكبر أمام المجالس البلدية الجديدة هو تحقيق توقعات الناخبين في ما يتعلق بزيادة ميزانيات البلديات في دولة تصدر فيها الحكومة المركزية القرارات الرئيسية بشأن كيفية وأوجه إنفاق الأموال.
الأحد 2018/05/06
التشدد الديني وارتفاع نسبة الفقر من إرهاصات مرحلة ما بعد ثورة 2011

يتوجّه التونسيون الأحد السادس من مايو 2018 للإدلاء بأصواتهم في انتخابات محلية (البلدية) ستمثل حتما منعطفا هامّا في الساحة السياسية التونسية لكونها، وعلى خلاف سابقاتها قبل ثورة 2011، ستكون انتخابات ديمقراطية وتشاركية وحرة تفتح ورقة جديدة أمام تحديات البلاد بمنح الحكم المحلي صلاحيات واسعة ستُوزاي مهام أجهزة السلطة التنفيذية.

تتزامن الانتخابات في تونس مع استحقاقات انتخابية أخرى في بلدان عربية كلبنان والعراق اللذين يدشّنان بدورهما محطة جديدة في تاريخ الانتخابات البرلمانية، لكن للتجربة التونسية الجديدة خصوصيات مغايرة تماما لشكل الانتخابات الكلاسيكية التي تفرز نائبا في البرلمان أو رئيسا للجمهورية لأنها ستُنتج في سابقة ميلاد رؤساء للحكم البلدي والمحلي.

وعلى الرغم من ضبابية قوانين ومهام المجالس البلدية -التي ستكون منتخبة بعد موعد 6 مايو في تونس- لدى الرأي العام فإنها ستكون تجربة فريدة من نوعها بعد أن مكّن قانون الجماعات المحلية المصادق عليه مؤخرا في البرلمان صلاحيات واسعة لرئيس البلدية المنتخب تجعل نفوذه متقاربا إلى حد بعيد مع منصب المحافظ أو المعتمد اللذين يعيّنان من السلطة التنفيذية (الحكومة).

مخاوف من عزوف الناخبين عن المشاركة

لاقت تونس إشادة لكونها قصة النجاح الوحيدة في الربيع العربي، لكن منذ فترة أفسح الحماس للتغيير الديمقراطي الطريق للغضب من مستويات المعيشة المنخفضة والتي دفعت بعض التونسيين لعبور البحر المتوسط في رحلات الهجرة غير الشرعية المحفوفة بالأخطار إلى أوروبا كما دفعت قلة من السكان للتحول إلى التشدّد الإسلامي.

ويتوقع مراقبون أن تسجل نسبة عزوف كبيرة عن التصويت بالرغم من الآمال العريضة التي جاءت بها الثورة، بالتحديد بسبب فشل من تسلموا السلطة بعد الثورة في تحقيق الإنجازات المطلوبة. ويقر العديد من التونسيين بعدم تحمسهم للانتخابات البلدية بسبب مؤشرات التضخم والبطالة المرتفعة، إضافة إلى التسوية بين الأحزاب السياسية التي عرقلت النقاش الديمقراطي على المستوى الوطني. لكن رغم المتاعب الاقتصادية يرى بعض التونسيين أن الانتخابات البلدية، التي تأجل تاريخ إجرائها أربع مرات، فرصة لتحسين الخدمات العامة المتردية وحل المشكلات المحلية. وحث الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي التونسيين على الإقبال بكثافة على مراكز الاقتراع.

وقال السبسي في رسالة فيديو وجهها إلى الناخبين عشية الانتخابات البلدية "يوم الأحد ليس يوما عاديا. التونسيون مدعوون للذهاب إلى صناديق الاقتراع من أجل الانتخابات البلدية". وأوضح السبسي “تبدو القضية بسيطة، لكنها في نفس الوقت هامة جدا؛ لأنها تعني ان تونس مستمرة في تكريس المسار الديمقراطي”. وتقدم المنظمات غير الحكومية الأجنبية دعما نشطا للانتخابات البلدية في محاولة لمساعدة التونسيين على بناء الديمقراطية على مستوى القاعدة الشعبية. ويريد المانحون الغربيون تقديم تمويل للمجالس البلدية لبدء مشروعات من أول يوم عمل لها.

وتكمن خصوصية هذه الانتخابات في أنها تأتي رغم احتدام التنافس والصراع بين مختلف الأحزاب متنوعة المشارب الفكرية كنتاج لخيارات كبرى توافقت عليها القوى السياسية التونسية في دستور الجمهورية الثانية المصادق عليه في عام 2014 والذي اختار خيار اللامركزية كتوجه هام يحفظ ويمتّن الديمقراطية.

وجاء توجّه الطبقة السياسية في تونس للحد من القرارات المركزية المسقطة عقب تراكمات تاريخية كانت فيها كل السلطات بيد شخص واحد أو حزب واحد، ولذلك تم الاتفاق بإجماع شبه كلي على وجوب المضي قدما نحو الحكم اللامركزي أي الأفقي الذي يمنح المجالس المحلية والجهات حق التسيير الذاتي.

ومنذ إعلان ساسة البلاد حكما ومعارضة على وجوب التوجه لإجراء الانتخابات البلدية كثر الجدل حول ظروفها وحول نتائجها وخاصة حول مهامها، حيث شكك المدافعون عن دعوات لضرورة مقاطعتها في صلاحيات المجالس البلدية التي ستكون منتخبة بتعلّة أن اللامركزية ستقسّم البلاد إلى أقاليم قد تتمرّد على السلطة المركزية أو على الدولة.

لكن هذه النظرية الأخيرة، فنّدها دستور الجمهورية الثانية الذي فصّل في أبوابه الخاصة بالحكم المحلي كل الأهداف والرهانات والخيارات المنبثقة عنه، حيث رهن اللامركزية بضمان وحدة الدولة وتماسكها بما يعني أن اللامركزية هي تشبيك العلاقة وتمتينها بين السلطة المركزية والسلطات المحلية بقوانين دستورية تحصر مهام الأخيرة في مجال تقديم الخدمات والتنمية والجباية، فيما تبقى الملفات الأخرى الهامة كالأمن والدبلوماسية والخيارات السياسية والمالية بيد السلطة المركزية.

ورغم تزامن الانتخابات المحلية في البلاد مع تصدّع الأزمة السياسية متعدّدة الأبعاد بين أحزاب الحكم والمعارضة من جهة وبين أحزاب الحكم نفسها مرفوقة بأهم المنظمات الوطنية والحكومة من جهة أخرى، فإن الجميع متفق في خطاباته المعلنة على وجوب مشاركة التونسيين في الانتخابات المحلية للمحافظة أولا على بناء ديمقراطي هش أرهق البلاد على جميع المستويات وخاصة اقتصاديا واجتماعيا  وللتوجه ثانيا لإلحاق تونس بركب الدول والعواصم العملاقة.

ويقول الناشط السياسي أحمد نجيب الشابي لـ”العرب” إن محطة الانتخابات المحلية ستكون أكبر محدّد لمستقبل المسار الديمقراطي، مشيرا إلى أن أي عثرة أو عزوف عنها سيكون بمثابة ضربة قاصمة قد ترجع البلاد إلى ما قبل 14 يناير 2011.

ورغم إقرار الشابي بأن الانتخابات المحلية تأتي في توقيت غير مناسب إلا أنه دعا كل المواطنين إلى تحمّل مسؤولياتهم والذهاب إلى الاقتراع للمحافظة على أحد أهم مكتسبات الثورة، وهو الانتخاب الذي يعني في النهاية حرية الاختيار.

ويؤكّد بسام معطر، الخبير في شؤون الانتخابات ورئيس منظمة “عتيد” المختصة في مراقبة الانتخابات لـ”العرب”، أن التونسيين أمام مسؤولية كبرى لتحقيق أحد أهم مكتسبات الثورة وهو الحكم المحلي.

ودعا معطر كل التونسيين إلى المشاركة والإدلاء بأصواتهم لأن المجالس البلدية المنتخبة ستساهم، وفق ما يضبطه الدستور ومجلة الجماعات المحلية في حل كل الإشكالات المتعلقة بالبنى التحتية والخدمات ومشكلات البيئة التي لم تقدر كل الحكومات والسلطات المتعاقبة على حلها لأسباب سياسية يطول شرحها، وفق تعبيره.

وبيّن رئيس منظمة عتيد أن على التونسيين الوعي بأن المجالس البلدية المنتخبة ستتمتع بصلاحيات أوسع من أجهزة السلطة التنفيذية الموزعة في مختلف مناطق الجمهورية، مشيرا إلى أن القانون يتيح للمواطنين التصرّف في مهام المجالس البلدية كما يريدون، ولذلك لا بد من المشاركة بكثافة كي تكون لهم الشرعية في محاسبة كل الأعضاء المنتخبين.

وحذّر معطر من مغبة التعامل مع الانتخابات المحلية بسلبية، أي عدم إعطائها الأهمية التي تستحق لأنها وفق قوله ستكون إحدى العلامات المؤشرة على نجاح تونس في السنوات الأولى من الديمقراطية من عدمه، مؤكدا أن أنظار العالم والجهات المالية المانحة توجه بوصلتها نحو الانتخابات البلدية في تونس.

وتكتسب الانتخابات البلدية في تونس أهميتها من إرهاصات كبرى غزت مختلف جهات البلاد عقب ثورة 2011 خصوصا بعد تسمية “نيابات خصوصية” على رأس البلديات كانت خاضعة بشكل مباشر للسلطة المركزية ولأجهزة الحكومة. ولم تحقق النيابات الخصوصية في مستوى العمل البلدي أي تقدّم أو تطور في مختلف أنحاء البلاد على جميع المستويات خاصة من الناحية  البيئية أو البنى التحتية أو الخدمات.

ولئن ينظر التونسيون للانتخابات المحلية على أنها حلقة جديدة قد تزيد في التقليل من ثقتهم بالطبقة السياسية بحكامها ومعارضيها، إلا أن فحوى الاستحقاق المحلي مغاير تماما لما يخامر الأغلبية الصامتة من الرأي العام، إذ أن المجالس البلدية قد تكون قادرة على حلّ المئات من الملفات الخلافية والتي ظلّت طيلة سنوات حبيسة أدراج الإدارات والوزارات.

وتعاني مختلف محافظات البلاد ومناطقها من إخلالات وعقبات بالجملة في مستوى البنى التحتية والخدمات، فيما يظل أهم ملف يحتم بالضرورة على أي مواطن أن يجعل من مسألة الاقتراع مصيرية، متعلّقا بالمشكلات البيئية التي تتسبّب سنويا وفق إحصاءات رسمية في الكثير من الأمراض والأوبئة للآلاف من المواطنين.

ومجرّد عملية جرد بسيطة للإشكالات البيئية التي ستكون المجالس البلدية المنتخبة قادرة ولوحدها على حلّها في ظل عجز الحكومات المتعاقبة يبرز أن مختلف مناطق البلاد غارقة في مستنقع الإفرازات الكيميائية الصناعية المهددة لحياة الآلاف.

التونسيون أمام فرصة تاريخية
التونسيون أمام فرصة تاريخية

وتتوزع بمختلف مناطق البلاد تقريبا مصانع أطلقت عليها تسميات “مصانع الموت” كمصنع “السياب” في محافظة صفاقس أو مصانع تكرير الفوسفات في مناطق محافظة قفصة أو المصنع الكيميائي في محافظة قابس.

ورغم تنفيذ المئات من الوقفات الاحتجاجية الداعية إلى غلق “مصانع الموت”، فإن كل الحكومات المتعاقبة رحّلت كل ملفاتها الجدالية إلى المجالس البلدية التي ستكون منتخبة لا لشيء وإنما لكونها تعي أنّها ستكون حصرا من صلاحياتها.

أما أهم الملفات التي تؤرق المواطن التونسي وقد تجعله يضعها نصب عينيه وهو يفكّر بالمشاركة من عدمها في الاقتراع، فيكمن في كون المجالس المحلية والجهوية ستكون لها الكلمة الفصل أيضا في ملف التنمية الذي بقي عالقا خاصة في ما يخص المناطق الداخلية النائية رغم قيام ثورة 2011 على شعارات حياتية بحتة كالكرامة والخبز.

في المحصلة، فإن التونسيين أمام فرصة تاريخية ربما تكون قادرة على إعادة تصحيح المسار وتصويبه عبر ترسيخ فكرة حكم محلي يأتي عقب مرور ثماني سنوات تآكلت خلالها الزعامات والنُخَب القديمة ولَم تقدر فيها الطبقة السياسية أو الشارع على خلق زعامات جديدة قادرة على تعويض “الحكم التشاركي” الذي قد يكون مسعفا لشعب منهك وخائف من مصير مجهول على جميع المستويات.

5