التونسيون صنعوا ثورة وقيدوها بالدستور

أول إشكال نجم عن دستور عام 2014، هو اختيار نظام حكم هجين، لا هو رئاسي، ولا هو برلماني، تكمن خطورته في أنه شجع على نوع من النفاق السياسي، تحت مسمى الوفاق أو بالمعنى السياسي "ائتلاف حكومي".
الأربعاء 2020/01/29
الصياغة الدستورية لم تقرأ حسابا لصدام قد يحصل بين رئيس الجمهورية وبين رئيس الحكومة

أي محاولة لقراءة المشهد السياسي التونسي، وما قد يطفو على السطح خلال الأيام القليلة القادمة، ستكون أشبه بقراءة الفنجان، أو الضرب بالرمل؛ السبب في كل ذلك أن التونسيين الذين صنعوا ثورة ساهمت في تشكيل التاريخ المعاصر، سواء كان ذلك بالإيجاب أم بالسلب، قَيّدوا ثورتهم بالدستور.

رغم دخول الثورة التونسية عامها العاشر، لا أحد يستطيع أن يقول من يحكم تونس اليوم، اليمين أم اليسار أم الوسط؛ تونس محكومة بكل هؤلاء. وبينما يرى البعض في ذلك قمة الديمقراطية في ممارساتها، يرى آخرون أن تونس حكمت على نفسها بالشلل، وأوقعت حكوماتها المتعاقبة بالعجز، حيث القرارات تبقى معلقة دائما.

أول إشكال نجم عن دستور عام 2014، هو اختيار من ساهم في صياغته نظام حكم هجين، لا هو رئاسي، ولا هو برلماني؛ تكمن خطورته في أنه شجع على نوع من النفاق السياسي، تحت مسمى الوفاق، أو بالمعنى السياسي “ائتلاف حكومي”.

أي قرار يطرح للنقاش، إن لم يتوه بين الرئيس ورئيس الحكومة، هو حتما سيتوه في البرلمان، وبين أطراف الائتلاف الحكومي.

وبينما يبخل الدستور على رئيس الجمهورية، الذي يتم اختياره من قبل الشعب مباشرة، بالصلاحيات التي يوكلها له؛ فهي محدودة وغامضة. نرى أن الدستور عندما يتعلق الأمر برئيس الحكومة يجزل العطاء.

والحال، أن رئيس الحكومة غير منتخب من قبل الشعب، بل يتم تكليفه من قبل الحزب الفائز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية، يمتلك صلاحيات واسعة، تبقى محل اختلاف وتداخل لم يجر تمييزه بدقة أحيانا، ومثال على ذلك قضية الأمن القومي.

يتناول الفصل 77 من الدستور مسألة الأمن القومي، دون أن يوضح المقصود بذلك بدقة، ليصبح محل خلاف سياسي، هل المقصود بالأمن القومي بمفهومه الشامل، أم الأمن بالمفهوم البوليسي.

الصياغة الدستورية لم تقرأ حسابا لصدام قد يحصل بين رئيس الجمهورية وبين رئيس الحكومة، خاصة عندما يكون كل منهما ينتمي إلى طرف سياسي مختلف.

ويرى خبراء قانونيون أن الفصل 89 من الدستور هو مثار جدل، فهو يتضمن عدة إشكاليات لا يمكن حسمها. أول هذه الإشكاليات هي، في حال فشل رئيس الحكومة المكلف من قبل حزب الأغلبية في الحصول على موافقة البرلمان، تنص المادة على قيام رئيس الجمهورية بإجراء مشاورات لتكليف الشخصية الأقدر، لتشكيل الحكومة.

والسؤال المثير للخلاف، ليس فقط من هي الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة، وإن كان ذلك موضع جدل كبير لم يحسم، بل الخلاف هو حول طبيعة المشاورات وآلية إجرائها، ومدى لزومها. الدستور هنا يترك الأمر غامضا ولا يوضح دور الحزب الفائز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية.

حكومة الرجل الأقدر يجب أن تجتاز اختبار البرلمان
حكومة الرجل الأقدر يجب أن تجتاز اختبار البرلمان

هل يعتبر ذلك بمثابة الترخيص لرئيس الجمهورية بتجاوز هؤلاء جميعا عند اختياره للشخصية الأقدر؟

ترك الدستور مفهوم الاقتدار غامضا، يفسح المجال للرئيس لاختيار الشخصية التي يراها مناسبة.

حكومة الرجل الأقدر يجب أن تجتاز اختبار البرلمان، قبل أن تتحول إلى واقع ملموس، وهذا يعني بلغة الأرقام الحصول على تأييد 109 أصوات على الأقل، ولن يحدث ذلك إلا بإجراء صفقات سياسية يتم الاتفاق عليها بالسر أحيانا، وبالعلن أحيانا أخرى.

وفي حال فشل الرجل الأقدر في الحصول على مباركة البرلمان، تعود الكرة إلى ملعب رئيس الجمهورية ثانية. يقول النص الدستوري هنا، إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول دون التوصل إلى تشكيل حكومة، فإن لرئيس الجمهورية “الحق في حل البرلمان”.

الصياغة تحمل الكثير من الغموض، والتأويلات؛ ما المقصود بـ”لرئيس الجمهورية الحق”. لغويا هذا يفسر بأن رئيس الجمهورية وحده من يقرر إن كان سيلجأ لحل البرلمان، وإعادة الانتخابات التشريعية، أو يفاجئ الجميع ويصر على التفسير المريح، تاركا لحكومة، يوسف الشاهد، المجال لتواصل عملها في القصبة.

قريبا سيدرك الجميع مخاطر الثغرات في صياغة فقرات من الدستور التونسي، تسببت في شلل حكومات متعاقبة تحت تسمية “حكومة الوفاق”. التسمية حلوة لا شك في ذلك، ولكنها ستخلف في ما بعد طعما مرا في الفم.

بعد إعلان الرجل الأقدر، المكلف بتشكيل الحكومة، حصر المشاورات مع الأحزاب الداعمة لرئيس الجمهورية في الدور الثاني، قررت النهضة دعوته إلى توسيع المشاورات لتشمل مختلف الكتل النيابية، بما في ذلك قلب تونس، الذي وصفته بـ”قوى الفساد” خلال الحملة الانتخابية.

“حكومات الوفاق” سهلت على الأحزاب التنصل من تحمل المسؤولية عند الفشل، كل طرف يلقي بالمسؤولية على الطرف الآخر. وعند النجاح، يلتف الجميع حول المائدة يتقاسمون المديح.

ما العمل إذا؟ كلمة السر تكمن في قانون العتبة الانتخابي؛ الرافضون لرفع نسبة العتبة الانتخابية، يقولون إن ذلك سيؤثر سلبيا على مستقبل الانتقال الديمقراطي، وضرب التعددية الحزبية، ويقصي طيفا هاما من المستقلين والأحزاب؛ فنحن لو رفعنا نسبة العتبة لتصبح 5 بالمئة بدلا من 3 بالمئة، سيقع إقصاء 80 بالمئة من الطيف السياسي والحزبي والمستقل.

ليكن ذلك، امتلاء الحقل السياسي التونسي بالعشرات من الأحزاب، شيء جميل، ولكن وصول ثلاثة أو أربعة أحزاب للتنافس في الانتخابات التشريعية أضمن لمصلحة البلد ومصلحة التونسيين، وذلك حتى لا يتفرق الدم بين القبائل.

9