التونسيون لحكامهم الجدد: لا ديمقراطية في غياب العدالة الاجتماعية

السبت 2014/11/08
الشعب التونسي لم يعد ينخدع بالخطاب العاطفي للإسلاميين

تونس – تواصل مراكز البحث والدراسات العالمية تسليط الضوء على العملية الانتخابية التونسية. وقد حظي فشل الإسلاميين في مواصلة الحكم في تونس باهتمام أغلب الدراسات.

وفي تحليل صدر حديثا عن معهد كارنيغي يرصد روري مكارثي، باحث بريطاني يعد أطروحة حول الحراك الإسلامي في تونس المعاصرة، واقع حركة النهضة التي فشلت في تونس لأنها فشلت في فهم طبيعة الشعب التونسي واستيعاب المسائل الأساسية المطروحة في “تونس الثورة” والتي لم تكن الإسلام في مقابل العلمنة بل الحالة الاقتصادية والاجتماعية الضعيفة.

بدا واضحا لحركة النهضة الإسلامية، في غضون ساعات من إقفال مراكز الاقتراع في الانتخابات التشريعية التي شهدتها تونس يوم الأحد 26 أكتوبر الماضي، أن أملها بتحقيق نصر ثان في صناديق الاقتراع متفائل أكثر من اللازم. في أحد المكاتب الفرعية في وسط مدينة سوسة، اشتكى مندوبو الحركة الذين بدت عليهم علامات الخيبة، من بعض “الانتهاكات”، لكنهم أقرّوا بأن المقترعين لمصلحة الحزب المنافس، نداء تونس، تفوّقوا عدديا على المقترعين لمصلحة النهضة في بعض مراكز الاقتراع بمعدّل الضعف.

لتبرير هزيمتهم ألقى أنصار النهضة اللوم على وسائل الإعلام المعادية للحركة الإسلامية معتبرين أنها وجّهت لها انتقادات بلا هوادة خلال الأعوام الثلاثة الماضية منذ انتفاضة 2011.

وحمّل آخرون المسؤولية للدولة العميقة التي قالوا عنها إنها لا تزال موالية للنظام السابق وإنها عطّلت جهود النهضة خلال وجودها في الحكم. قد تكون بعض هذه التفسيرات لهزيمة النهضة في الانتخابات صحيحة، لكن السبب الأساسي يكمن في فشل الحركة في معالجة التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي لا تزال تونس تواجهها بعد ثلاثة أعوام على سقوط بن علي.

الوعود الجريئة التي أطلقتها الحركة خلال الحملة الانتخابية في العام 2011 عبر التعهّد بتحقيق النمو الاقتصادي واستحداث الوظائف، لم تتجسّد على أرض الواقع. تراجعت البطالة قليلا، لكنها لا تزال عند نسبة 15.2 في المئة، وترتفع أكثر في الداخل وفي أوساط الخرّيجين.

وكان حجم التململ الشعبي واضحا في منتصف 2013، وفي نهاية المطاف أرغمت الأحزاب المعارضة حركة النهضة على مغادرة الحكومة عن طريق التفاوض. حيث قال عضو في مجلس شورى النهضة قبل انتخابات البرلمان: “لم يكن لدينا وضوح خلال وجودنا في الحكم. ركّزنا على الدستور ولم نفكّر كثيرا في شؤون التنمية”.


هل أخطأت النهضة في تقييم التونسيين؟


في الأشهر التي سبقت الانتخابات، أجرت حركة النهضة استطلاعاتها الداخلية التي كشفت ما كان معلوما لكثيرين: لم تكن المسائل الأساسية المطروحة في هذه الانتخابات التشدّد الإسلامي في مقابل العلمنة، بل الحالة الاقتصادية المحفوفة بالمخاطر وانعدام الأمن. وقد سعت النهضة إلى معالجة هذه التحديات من خلال التأنّي في اختيار المرشّحين الجدد للمجلس التشريعي؛ والحد من أعداد المرشحين الأكثر تشدّدا، مثل الحبيب اللوز والصادق شورو، الذين أرادوا التركيز على الوعظ بدلا من السياسة؛ واقتراح وجوه شابّة جديدة بدا أنها تتمتّع برؤية حديثة وخبرة تقنية، من محامين ومهندسين وأطباء وطلاب.

نجح النداء في إقناع التونسيين بأنه الوحيد القادر على الوقوف فعلا في وجه الإسلاميين وقدم وعودا بتحقيق الاستقرار والرخاء

عندما شنّ ناشطو النهضة حملتهم الانتخابية على أبواب المنازل، لم يأتوا كثيرا على ذكر الدين، بل كانوا يقولون للناخبين إنهم أمام خيارَين: إما دعم قوى الثورة (ومنها النهضة، في رأيهم)، وإما العودة إلى سياسة النظام القديم التي يجسّدها الحزب المنافس، نداء تونس، على حد قولهم.

في نهاية المطاف، فشلت هذه المقاربة. وقد سارعت النهضة إلى الإقرار بهزيمتها وتهنئة الباجي قائد السبسي، زعيم نداء تونس الذي فاز حزبه بـ85 مقعدا في مجلس الشعب المؤلف من 217 مقعدا، في مقابل حصول النهضة على 69 مقعدا.

لقد نجح نداء تونس في إقناع التونسيين بأنه الوحيد القادر على الوقوف فعلا في وجه الإسلاميين، وقدّم وعودا بتحقيق الاستقرار واستقطاب الاستثمارات الخارجية.

لا تزال النهضة تأمل بأن تكون جزءا من حكومة وحدة وطنية خلال الولاية البرلمانية المقبلة الممتدّة لخمس سنوات، على الرغم من أن الاحتمال الأكثر ترجيحا الآن هو أن نداء تونس سيدعو إلى الائتلاف الحكومي بعضا من الأحزاب الأصغر حجما التي تملك برامج سياسية أقرب إلى برنامجه.

سوف يدفع ذلك بالنهضة نحو المعارضة، الأمر الذي قد يعود بالفائدة عليها في الواقع عبر إبعادها عن الإصلاحات التقشّفية الكثيرة التي يحتاج إليها الاقتصاد الذي يقول عنه البنك الدولي إنه لا يزال جامدا ومشلولا على المستوى البنيوي تماما كما كان في ظل النظام السابق.

الانتخابات الرئاسية التونسية 2014
◄ الانتخابات الرئاسية العاشرة للبلاد التونسية

◄ أول انتخابات رئاسية بعد إقرار دستور تونس 2014

◄ سيكون التصويت داخل تونس في 23 نوفمبر 2014

◄ حدد القانون الانتخابي شروط الترشح للانتخابات الرئاسية التونسية 2014، وهي أن يكون:

* تونسي الجنسية منذ الولادة، دينه الإسلام بالغا من العمر 35 سنة على الأقل. وإذا كان حاملا لجنسية غير الجنسية التونسية، فإنه يقدم ضمن ملف ترشّحه تعهّدا بالتخلي عن الجنسية الأخرى عند التصريح بانتخابه رئيسا للجمهورية.

* تتم تزكية المترشّح للانتخابات الرئاسية من عشرة نواب من مجلس نواب الشعب، أو من أربعين من رؤساء مجالس الجماعات المحلية المنتخبة أو من عشرة آلاف من الناخبين المرسمين والموزعين على الأقل على عشر دوائر انتخابية على ألا يقلّ عددهم عن خمسمائة ناخب بكل دائرة منها.

* يؤمّن المترشّح لدى الخزينة العامة للبلاد التونسية ضمانا ماليا قدره عشرة آلاف دينار لا يتم استرجاعه إلاّ عند حصوله على ثلاثة بالمئة على الأقل من عدد الأصوات المصرّح بها.


لماذا لم تقدم النهضة مرشحها للرئاسة؟


اختارت النهضة عدم تقديم مرشّح للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها نهاية هذا الشهر، لأنها توقّعت الفوز في الانتخابات التشريعية، وتخوّفت من أن تسير الأمور عكس ما تتمنّاه في حال سيطرت على كل المناصب السياسية الأساسية. ولا يزال مجلس شورى النهضة يناقش اسم الشخصية التي يجدر به دعم ترشحها للانتخابات الرئاسية.

وقد يبقى الرئيس الحالي منصف المرزوقي المرشّح التوافقي المفضّل بالنسبة إلى الحركة، على الرغم من أن حزبه، المؤتمر من أجل الجمهورية، فاز بأربعة مقاعد فقط في الانتخابات. لكن في هذه المرحلة، غالب الظن أن الباجي قائد السبسي هو الذي سيفوز في الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن حزبه سيسيطر على الرئاسة ومجلس الشعب الجديد على السواء.

على الرغم من هذه الانتكاسات الانتخابية والتنازلات التي قدّمتها النهضة في الأعوام الثلاثة الماضية – لاسيما عبر الإحجام عن الإصرار على ذكر فرض الشريعة في الدستور، ومعارضة السعي إلى إقصاء رموز النظام السابق من الحياة السياسية والموافقة على التنحّي من الحكومة في يناير الماضي – ظلّت قاعدتها الشعبية موالية لها حتى الآن.

ففي الانتخابات التشريعية، فازت النهضة بأكثر من ثلاثين في المئة من الأصوات، وهي نسبة ربما تمثّل فعليا قاعدة الدعم لها في المجتمع: إنها حركة سياسية كبيرة لكنها ليست مسيطرة على الإطلاق.

إلا أنها تشهد انقسامات داخلية، ففي أبريل الماضي مثلا، تحدّى 39 عضوا من كتلة النهضة النيابية زعيم الحركة راشد الغنوشي، وصوّتوا لمصلحة إقصاء رموز النظام السابق من الحياة السياسية، مع العلم أن المادّة المعنية سقطت في مجلس النواب بفارق ضئيل في التصويت.

غالبا ما أبدى أعضاء النهضة استياءهم من تمييع برنامجها الديني، بيد أن الأحزاب المنشقّة عن الحركة فشلت في استقطاب التونسيين.

وقد ظهرت أيضا في البداية معارضة قوية لموقف الغنوشي المؤيّد لآلية الحوار الوطني التي أدّت إلى خروج حركة النهضة من السلطة هذا العام، إلا أن الغنوشي لا يزال على رأس الحركة ولم تتأثّر قيادته بهذه المستجدّات.

روري مكارثي: الهزيمة في صناديق الاقتراع قد تعجّل بانقسام النهضة إلى جناحين: ديني وسياسي


هل ينقسم الإسلاميون؟


لو ربحت النهضة الانتخابات وشكّلت، كما وعدت، حكومة ائتلافية مع نداء تونس، كان ذلك سيلقي بضغوط إضافية على بنيتها الداخلية.

إلا أنه من شأن وجودها في المعارضة لفترة طويلة بعيدا من التنازلات المحتومة التي تفرضها إدارة الحكم، أن يتيح لها المجال كي تعيد تنظيم صفوفها وتركّز على توسيع قاعدتها.

العام المقبل، ستعقد النهضة مؤتمرا خاصا لاتّخاذ قرارات أساسية عن مستقبلها. غالب الظن أنها ستنقسم إلى حركة دينية تركّز على الوعظ، وحزب سياسي يركّز حصرا على العمل السياسي. جرت مناقشة هذه المسألة داخليا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلا أنها لم تُبَتّ في المؤتمر الأخير الذي انعقد في العام 2012 وأُرجِئ اتخاذ القرار بعد نقاشات طويلة غير حاسمة.

لا تزال هناك مخاوف داخل الحركة من أن الانقسام سيؤدّي إلى إضعاف الجناح السياسي، أو من أن الأنصار “الأكثر محافظية” سيرفضون ما يعتبرونه تخلّيا من جانب النهضة عن عمل الأعوام الثلاثين الماضية، عندما كانت الحركة تصرّ على أن مشروعها الشامل يطال الحياة الخاصة والعامة على السواء.

إلا أن هناك تباينا متزايدا داخل النهضة بين الناشطين الذين يركّزون على الوعظ وينبذون السياسة، وأولئك الذين يؤمنون بأن مصالح الحركة تتحقّق بالطريقة الفضلى عبر تأدية دور في بناء المؤسسات الحكومية الديمقراطية الجديدة.

وعلى الأرجح أن الهزيمة الانتخابية ستزيد من حدّة هذه الخلافات الداخلية وستؤدّي إلى التعجيل بانقسام النهضة إلى حركة دينية وحزب سياسي.


إقرأ أيضا:



المرشح للرئاسية الصافي سعيد: معركتنا مع الإرهاب تبدأ من ليبيا

6