التونسيون من القاعدة إلى داعش: ثلاثة أجيال من الجهاد والتمكين

التونسيون قياديون تاريخيون في التنظيمات الجهادية المنصفة على قائمة الجماعات الإرهابية الدولية، وهو يشكلون اليوم خطرا على تونس وعلى العالم، حقيقة أدركها السياسيون التونسيون والمراقبون الدوليون والمعنيون بشؤون الإرهاب متأخرا، وفيما مازال البعض يتساءل كيف تحولت تونس من منارة الاعتدال والانفتاح والثقافة إلى مصدر رئيسي للمقاتلين في صفوف المتشددين، تدعو دراسة صدرت عن مركز مكافحة الإرهاب التابع لأكاديمية ويست بوينت الأميركية، إلى العودة إلى الوراء والتوقف عن لحظات فاصلة من التاريخ، وبالتحديد الهجوم على كنيس الغريبة اليهودي بجزيرة جربة. كان من المفترض أن يكون هذا الهجوم علامة تحذير على الخطر الدولي الذي يمثله المقاتلون الأجانب من تونس الذين يشكلون الآن إحدى أخطر الجماعات داخل تنظيم الدولة الإسلامية.
الثلاثاء 2017/04/25
العبرة من الماضي

تونس- تفاجأ الكثير من الباحثين والملاحظين والعالم بعدد التونسيين، الذين يلتحقون بتنظيم الدولة الإسلامية. بل وحتى التونسيين أنفسهم، لم يصدّقوا في البداية الأرقام التي كشفتها مصادر وجهات أوروبية كما تطلب ذلك وقت ليستوعبوا أن بلادهم أصبحت وجها لوجه مع خطر الإرهاب.

لكن آرون زلين، الباحث الأميركي في شؤون الجماعات الجهادية والإرهاب، يؤكّد أن هذه الأرقام حقيقية، فيما يشير إلى أنه حصل سوء تقدير منذ 15 سنة لهذا الواقع. ويقصد زلين بذلك عملية تفجير كنيس الغريبة، خلال موسم حج اليهود إلى جزيرة جربة التونسية.

وبمناسبة مرور 15 سنة على هذه العملية، وفي خضم الاستعداد لموسم الحج اليهود إلى كنيس الغربية الذي من المنتظر ينتظم هذه السنة من 9 إلى 14 مايو القادم، يعيد مركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت العسكرية الأميركية، فتح ملفات عمليات الغريبة.

تعتمد الدراسة، التي صدرت مؤخرا بعنوان خمسة عشرة سنة على تفجير كنيس الغريبة، على وثائق محكمة وتقارير إعلامية وملفات مراجعة مساجين غوانتنامو ومصادر بالعربية من الحركة الجهادية لرواية قصة الهجوم. تلقي وثائق المحكمة وملفات القضية والمصادر الأصلية الكثير من الضوء على الهجوم وطريقة عمل القاعدة حينها في ما يتعلق بالتخطيط للهجمات الدولية، وهي طريقة لها نقاط تشابه واختلاف مع العمليات الإرهابية الدولية التي نفذها مؤخرا تنظيم الدولة الإسلامية.

توضح هذه الدراسة حول الشبكة التي تقف خلف التفجير في جربة أن التونسيين لعبوا في الحقيقة دورا كبيرا في الحركة الجهادية العالمية لعشرات السنين. هناك شيء آخر لا يقل أهمية لفهم صورة التهديد المعاصر يتمثل في أهمية الأفراد الذين يربطون مختلف أجزاء الشبكات مع بعضها البعض.

تطور الإرهاب العالمي

يوم 11 أبريل 2002، قام شاب تونسي يدعى نزار نوار (24 سنة) بتفجير شاحنة خارج كنيس الغريبة. خلفت تلك العملية 19 قتيلا بينهم 16 سائحا من ألمانيا وفرنسا. بتخطيط من خالد الشيخ محمد، كانت تلك العملية أول هجوم دولي ناجح ينفذه تنظيم القاعدة بعد الحادي عشر من سبتمبر، لكنها لقيت اهتماما أقل بكثير من هجمات أخرى نفذها هذا التنظيم.

في أعقاب تفجير كنيس الغريبة استبعدت الحكومة التونسية في البداية أي روابط مع الإرهاب. وقالت إن الهجوم كان مجرد حادث. وكان هذا الشعور بالإنكار قد ساهم في نقص فهم جذري للجهادية داخل المؤسسة السياسية التونسية، في ما يتعلق بعدد الأشخاص المشاركين في تونس وعدد المتآمرين أنفسهم. ويرجع جزء من سوء الفهم هذا إلى اعتبار نظر الكثير في الحكومة إلى التهديد على أنه مسألة داخلية المنشأ بدلا من مسألة لها عناصر إقليمية أو حتى دولية.

ومن ثمّ تفاجأت القيادة السياسية في تونس عندما نفذت مجموعة تونسية تابعة للقاعدة في المغرب الإسلامي تسمى جند أسد بن الفرات بمحاولة شن هجمات في البلاد في 2007، ووقعت مواجهات بين قوات الأمن والجيش التونسيين مع مسلحين يتبعون التنظيم التابع للجماعة السلفية للدعوة والقتال في مدينة سليمان، وقتل إثرها 12 مسلحا و2 من الجيش والأمن دون خسائر في صفوف المدنيين.

آيرون ي.زلين: التونسيون سيقومون بدور مهم داخل الحركة الجهادية في السنوات القادمة

لكن، وبينما كان الهدوء يعمّ البلاد ولم يكن أحد يتوقع أن الإرهاب سيطرق مرة أخرى باب تونس، كانت تنشط شبكات لتسفير الشباب إلى أفغانستان؛ حيث كان التونسيون حاضرين منذ الجيل الأول لتنظيم القاعدة الذي نشأ بعد خروج السوفييت من أفغانستان وتحول المعركة إلى “جهاد” إسلامي ثم ضد الصرب في البوسنة في التسعينات من القرن الماضي بعد ذلك في تنظيم القاعدة فرع العراق ليتطور بهم الأمر إلى قياديين في الصف الأول لتنظيم الدولة الإسلامية. وبعد الانتفاضة التونسية بأربع سنوات فتحت أبواب البلاد أمام هؤلاء.

التدرب على الإرهاب

منذ حادثة الغريبة تغيّر الكثير. التغيير الأول أفاد البلدان المحاربة للقاعدة والدولة الإسلامية، في حين أفاد الثاني المجموعات الإرهابية. لكن هناك حقيقة ثابتة مفادها أن التدرب على الإرهاب له أهميته، فمثلما لاحظ توماس هاغهامر كان أولئك الذين شاركوا في الحرب والتدريب في الخارج أنجع بكثير وأكثر فتكا في تنفيذ الهجمات من الذين لم يشاركوا. مثلا، من نفذوا الهجومين الداميين لسنة 2015 في متحف باردو وشاطئ سوسة في تونس كانوا أفرادا تدربوا سابقا مع تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة صبراطة الليبية.

وبالمثل عند مقارنة الهجومات المتفرعة التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية في باريس في شهر نوفمبر 2015 وراح ضحيتها 130 قتيلا و168 جريحا، والهجوم المتعدد المستوحى من تنظيم الدولة الإسلامية في سان برناردينو في أوائل ديسمبر 2015 الذي أودى بحياة 14 شخصا وجرح 22 آخرين، يمكن للمرء أن يرى الفرق الذي يصنعه القتال والتدريب والتوجيه من الخارج في تنفيذ الهجمات.

العامل الآخر الثابت في العمليات الدولية الكبرى هو دور المنسق. لقد كان التنسيق جليا في الهجوم على الكنيس في جربة وفي سلسلة من العمليات التي نفذت بين سنتي 2015 و2016 من قبل شبكة باريس-بروكسال للهجمات. سافر نوار عدة مرات بين تونس وأفغانستان، لكنه بقي على اتصال وثيق عبر هاتف الأقمار الصناعية مع كي.اس.إم وغانكزارسكي إلى وقت ما قبل الهجوم مباشرة. وبالمثل، نسق عبدالحميد أبا عود، لعقل المدبر لهجمات باريس في نوفمبر 2015، عملية نفذتها مجموعة اختبأ عناصرها في بيت آمن في مدينة فرفيار شرق بلجيكيا. وفي هجمات باريس كان أبا عود مشاركا نشطا حتى أنه كان على مقربة من هجوم باتكلان وكان على الأرجح يعطي أوامر مباشرة في الوقت الحقيقي. وبالمثل ساعد أبوبكر الحكيم في تنفيذ هجومي باردو وسوسة عن طريق وسيط في ليبيا.

والمبدأ الثابت الآخر هو التعويل على شبكات مساندة في أماكن متنوعة لتسهيل الهجمات. على سبيل المثال كان هناك عدد من عُقد الدعم ساعدت في تجسيد هجوم جربة تمتد من أفغانستان إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا وسويسرا وتونس وربما كندا. وبشكل مماثل كان لأنيس العامري منفذ هجوم برلين شبكة هجوم ودعم تمتد من فرنسا إلى ألمانيا وإيطاليا وليبيا وهولندا. وتؤكد أنظمة الدعم هذه حقيقة تواصل وجود الثغرات في تقاسم المعلومات والتعاون بين البلدان.

وبسبب الشبكة الكبيرة لمنظومة التتبع والتقاسم بالنسبة إلى عمليات مكافحة الإرهاب العالمية، أصبحت الخدعة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى بالنسبة إلى الجيل الجديد من مخططي الهجمات الدولية. وعلى عكس نوار الذي كان قادرا على السفر بين أفغانستان وتونس عدة مرات، استخدم مهاجمو باريس تدفق المهاجرين من سوريا، وهو الشيء الذي وفّر غطاء لمن كانوا في قائمات مراقبة.

في أعقاب تفجير كنيس الغريبة استبعدت تونس في البداية أي روابط مع الإرهاب

عموما تعني العمليات الإرهابية في عهد تنظيم الدولة الإسلامية وقتا أقصر بين الفكرة والتنفيذ حيث شهدت مخططات داعش الأخيرة بما في ذلك هجمات باريس وقتا أقصر بين “الوميض والانفجار” من بعض عمليات القاعدة قبل جيل. فقد شرع نوار في التخطيط لهجوم جربة الذي حصل في أبريل من سنة 2002 بعد عودته لأول مرة إلى تونس من أفغانستان في أواخر سنة 1999، وهو فارق زمني يصل إلى قرابة عامين ونصف. وإحدى المزايا التي يمتلكها الجهاديون الدوليون المعاصرون هي النفاذ إلى تكنولوجيا التشفير التي استخدمت في كثير من العمليات الإرهابية الأخيرة بما في ذلك الهجمات في باريس وبروكسل وبرلين واسطنبول. ومع أن طرق الاتصال قد تختلف، يمتلك قائد العملية القدرة على الاتصال بالفرد الذي ينفذ الهجوم متى دعت الحاجة إلى ذلك.

استفادة من التطور التقني

توجد فوارق كبيرة في منهجية تبني الهجمات، ففي حالة القاعدة وهجوم جربة أرسل نوار وصية وبيان مسؤولية كتابيين إلى أكبر الصحف العربية، وعُرض فيديو سليمان أبوغيث الذي يتبنى الهجوم على قناة الجزيرة. هذا يتناقض مع تنظيم الدولة الإسلامية التي تعلن تبني العملية الإرهابية سواء عن طريق رسالة مصورة بالفيديو يقوم التنظيم بنشرها بعد العملية عبر وكالته الإخبارية أعماق، أو من خلال رسالة خاصة يستعملها داعش فيما بعد لإعلان مسؤوليتها عبر غرافيك تبثه أعماق.

تعكس هذه الفوارق بأشكال عديدة حدوث تغييرات في القدرات الإعلامية للجهاديين على مر السنوات الخمسة عشرة الماضية. سابقا كانت القاعدة تعتمد على الإعلام السائد لتمرير رسالتها، بينما اليوم يملك الجهاديون الفرديون أو الجماعات الجهادية، سواء الدولة الإسلامية أو القاعدة، القدرة على تجاوز الرقابة ونشر المعلومة مباشرة عبر أنظمتها الإعلامية، ومن ثم تمارس هذه التنظيمات تحكما أفضل في خطابها.

ويشير آيرون ي.زلين مؤسس موقع “جيهادولوجي.نت”، والذي تتركز أبحاثه ورسالته للدكتوراه حول الجهادية التونسية، إلى أنه ومثلما يبيّن هجوم جربة كان التونسيون من وقت طويل متورطين في عمليات وهجمات إرهابية دولية وقتال في الخارج. ومن المرجح أن تستمر هذه النزعة، خاصة وأن عددا كبيرا من التونسيين ذهبوا للتدرب في ليبيا والعراق وسوريا في السنوات الست الماضية.

وأمثال نزار نوار هذه الأيام يجدون بوتقة انصهار من الاتصالات والشبكات يمكنهم استغلالها، بالضبط مثلما فعل نزار نوار قبل 15 سنة. ونظرا لأن تونس كانت من أكبر المساهمين بالمقاتلين في الخارج الذين سافروا إلى ليبيا والعراق وسوريا وأن المئات من المقاتلين التونسيين في الخارج عادوا إلى البلاد أو إلى أوروبا، فإنه من المرجح أن يشهد العالم قيام التونسيين بدور مهم داخل الحركة الجهادية في السنوات القادمة.

6