التونسيون يتفقدون مدنهم بعد انتشار العنف إلى الضواحي

خبراء يؤكدون تراجع دور الأسرة والمجتمع في تثبيت قيم السلم المجتمعي.
السبت 2019/09/07
عنف يسود كل المشاهد

تفاقمت ظاهرة العنف في تونس خلال السنوات التي تلت ثورة يناير 2011 بشكل لافت للانتباه نتيجة للانفلات الذي شهدته البلاد على مختلف الأصعدة وخاصة الصعيد الأمني. كما تغيرت خارطة العنف لتنتقل الظاهرة من الأحياء الشعبية التي تعد حاضنة تقليدية لها إلى الأحياء الراقية بشكل بات فيه التونسيون فاقدين للإحساس بالأمان وأصبح العنف ثقافة تمارس يوميا في مختلف الفضاءات.

تونس - راضية القيزاني - تعكس حادثة وفاة الشاب قيس الصفراوي، البالغ من العمر 23 سنة، طعنا بسكين من قبل مجموعة من المنحرفين حالة الانفلات التي يعيشها المجتمع التونسي منذ الثورة، والتي كان العنف أحد أبرز سماتها.

كما كشفت هذه الحادثة التي وقعت في منطقة سكرة الواقعة في الضاحية الشمالية لمدينة تونس (تبعد 6 كلم عن وسط العاصمة)، عن تغير في جغرافية ظاهرة العنف التي لم تعد تقتصر على الأحياء الشعبية التقليدية وذات الكثافة السكانية العالية بل امتدت لتصل إلى الأحياء الراقية. واستفحلت حتى أصبحت هاجسا يؤرق جزءا من التونسيين الذين فقدوا الإحساس بالأمان.

حادثة مقتل الشاب قيس الصفراوي ليست معزولة، فقد سبقتها حادثة مماثلة شهدتها المنطقة ذاتها في العام الماضي، تمثلت في مقتل رئيس جمعية الجالية الإيفوارية بتونس من قبل مجموعة من المنحرفين أرادوا سرقة هاتفه الجوال. وتقريبا تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يومي بأخبار عن حوادث العنف، من سرقة وقتل واغتصاب وسلب.

ويرى خبراء أن ظاهرة العنف في تونس امتدت إلى نسبة عالية من فئة الشباب، حتى أن العنف أصبح السمة الطاغية على هذه الفئة، وهو ما جعلهم يدقون ناقوس الخطر إيذانا بضرورة التحرك لتطويقها والبحث في أسباب تشكّلها وآليات تفكيكها.

وكشفت دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول “العنف الحضري بتونس”، أن المجموع العام لقضايا العنف تجاوز في الفترة الممتدة من 2011 إلى 2017 أكثر من 600 ألف قضية مسجلة، أي بمعدل 25 بالمئة من العدد الجملي للقضايا، في حين لم يتجاوز في الفترة الممتدة من 2006 إلى 2010 نسبة الـ20 بالمئة وهو ما يعكس ارتفاعا واضحا لمؤشر العنف في المجتمع التونسي.

ظاهرة تتحول إلى ثقافة

يرى المختص في علم الاجتماع محمد الجويلي في تشخيصه للظاهرة “إننا نعيش تغييرا في حدود جغرافية الجريمة من منطلق فكرة العنف الحضري وغير الحضري”. ويرجع هذا التغيير إلى الحراك الذي يعرفه شباب الأحياء الشعبية الذين ينتقلون من جهاتهم نحو الجهات الراقية أو الميسورة بحثا عن ضحاياهم.

وأكد الجويلي أن انتشار ظاهرة العنف في المجتمع التونسي مرتبط بنوع من البؤس الفرداوي لدى فئة من الشباب تعيش حالة فردانية نتيجة عجز مؤسسات المرافقة الاجتماعية مثل الأسرة والمجتمع والدولة والمؤسسات التربوية عن القيام بدورها تجاهها.

وأوضح الدور الذي يلعبه امتداد فترة الشباب التي أصبحت تصل حتى سن الثلاثين وطول فترة الفراغ الذي يعيشه الشاب. وقال الجويلي “إن شابا لا يجد نفسه في سوق الشغل إلا في سن التاسعة والعشرين أو الثلاثين سنة ستكون فترة الفراغ التي يعيشها طويلة ومن الممكن أن يمر فيها بعدة تجارب سلبية كالهجرة السرية أو المخدرات أو الانتحار”.

وأضاف أن فترة المراهقة كانت في السبعينات قصيرة تليها كهولة مبكرة يتحمل فيها الشخص دور رب الأسرة ويتحمل المسؤولية. وتتميز بفترة فراغ ضيقة لا تتجاوز ثلاث أو أربع سنوات، لكن هذه الفترة امتدت اليوم لتصل إلى 10 سنوات.

دراسة أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول العنف الحضري بتونس، كشفت أن المجموع العام لقضايا العنف تجاوز من 2011 إلى 2017 أكثر من 600 ألف قضية مسجلة، أي بمعدل 25 بالمئة من العدد الجملي للقضايا

واعتبر الجويلي أن الفراغ السياسي والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد جعلا الشباب الذين يتساءلون يوميا عن مصيرهم أقل طموحا وأكثر عدوانية، ووسعا دائرة سقوطهم في الجريمة لأسباب تافهة قد تتلخص في بعض الأحيان في خصومة حول سيجارة أو رقصة في حفل زفاف شعبي.

ولفت إلى حجم الشعور بالإحباط والفشل والهزيمة الذي يلهب نفسية الشاب ويجعله على أهبة الاستعداد للقتل، خاصة في ظل ضعف الدولة وغياب الحضور الأمني في المواقع التي تستدعي حضوره فيها.

من جهته، ذهب أستاذ علم الاجتماع سامي نصر بعيدا في تشخيص الظاهرة حيث اعتبر أن العنف في تونس أصبح ثقافة كونه اكتسح كل الفضاءات والمجالات ولم يعد مقتصرا على فئة دون أخرى. وقال سامي نصر لـ”العرب”، “نجد العنف في العائلة، في الشارع، في الملاعب وفي البلاتوهات التلفزيونية، وفي الفضاءات العامة والخاصة، لدى الفقير والغني، الشيخ والشاب، المرأة والرجل”.

واعتبر نصر أن التونسي “تتطبع بالعنف ولم تعد هذه الظاهرة تثير اشمئزازه وهو ما يعني أننا وصلنا إلى مرحلة في غاية الخطورة”، مشيرا إلى أن أهم أسباب تفشي ثقافة العنف في تونس أن القوانين الردعية لم تعد وحدها كافية للتقليص من حجم الظاهرة وفي غياب القدوة يصبح الأمر أخطر ويصير العنف لغة تواصل.

بدوره لاحظ الباحث في علم الاجتماع ممدوح عزالدين وجود جرائم مجانية في الفضاء العام فيها الكثير من “المشهدية” وهي جرائم بلا تاريخ أو أسباب واضحة وتحمل الكثير من السادية والتوحّش، على حد تعبيره. ولاحظ أن ما أصبح يُميّز الجريمة هو تداخل المرجعيات فهناك جرائم لها مرجعية تقليدية مثل جرائم العروشية وجرائم “حداثية” مثل قتل الأخ لأخيه وقتل الزوجة لزوجها والزوج لزوجته، حيث تحوّلت العائلة من إطار يحمي الفرد من الجريمة إلى مصدر للجريمة.

ويرجع ممدوح عزالدين توسع دائرة العنف في المجتمع التونسي إلى العديد من الأسباب أبرزها المخدرات التي انتشرت بشكل كبير، إضافة إلى عوامل التحولات بعد العام 2011، وإلى العنف اللفظي الذي يُنقل عبر وسائل الإعلام ويصدر عن السياسيين ونواب البرلمان، مشيرا إلى وجود أزمة قيم وأزمة قدوة لدى التونسيين خاصة من المراهقين والشباب.

السياسيون وخطاب العنف

تصاعد العنف
تصاعد العنف

يربط المختصون في علم الاجتماع المشهد السياسي في تونس ببقية جزئيات المشهد التونسي عموما معتبرين أن السياسيين التونسيين يتسمون بمستوى عنف لافت في خطابهم الفترة الأخيرة، عنف انقسم إلى جانب لفظي تُجسده الخطابات المتشنجة والداعية إلى الكراهية والصراع وجانب مادي تجسم في العديد من الصراعات السياسية، خاصة في مجلس نواب الشعب الذي تحوّل في الكثير من المرات إلى حلبة للملاكمة.

ولاحظ الخبراء أن هذه المشاهد التي تُبث تلفزيا على المباشر إلى العائلات التونسية ساهمت بشكل كبير في تغذية ظاهرة العنف خاصة أن السياسيين يُعتبرون نظريا قدوة، وممارستهم للعنف يمكن اعتبارها تشريعا له وتحريضا على ممارسته.

وتعد الملاعب أيضا حاضنة أساسية للعنف فالأرقام المتعلقة بهذا الملف مفزعة، حسب ما أكدته وزيرة الشباب والرياضة السابقة ماجدولين الشارني.

وقالت الشارني، في تصريح إعلامي، إن تونس سجلت 238 حالة عنف 90 بالمئة منها في ملاعب كرة القدم منذ انطلاقة العام 2018 إلى غاية منتصف شهر مارس من نفس السنة. ونتجت عن هذه الحالات حسب الوزيرة، 200 إصابة منها 25 في صفوف الأمنیین. وأشارت إلى وجود 600 ألف قضیة عنف في الست سنوات الأخيرة، معظمها في ملاعب كرة القدم.

ولم يخل الوسط التربوي أيضا من مظاهر العنف فهو من أكثر المجالات اللافتة للنظر في الفترة الأخيرة. ووفق دراسة المعھد التونسي للدراسات الاستراتيجية فإن حالات العنف الصادرة عن التلامیذ خلال الأشھر العشرة من عام 2017 بلغت 14792 اعتداء، وقد تم تسجیل 7392 حالة عنف مادي صادرة عن أساتذة داخل المؤسسة التربوية، و4812 حالة اعتداء مادي صادرة عن بقیة الأسرة التربوية من إداريين وغیرهم.

كما تم تسجیل 5552 حالة اعتداء لفظي خلال نفس الفترة صادرة عن تلامیذ و920 حالة اعتداء لفظي صادرة عن أساتذة و815 حالة صادرة عن بقیة الأسرة التربوية.

ويقترح خبراء الاجتماع أن تتم مواجهة ثقافة العنف بثقافة مضادة تكون قادرة على التقليص من حجم الظاهرة وانتشارها. ودعا سامي نصر إلى ضرورة امتلاك استراتيجيات وطنية لمناهضة العنف عبر تشكيل مؤتمر وطني يحتوي على ورشات عمل خاصة بكل قطاع يشارك فيها الإعلاميون والأمنيون ورجال التربية والأولياء. ويفرز المؤتمر توصيات تكون بمثابة خطة عمل يتم تطبيقها من قبل الأطراف المشاركة في مختلف مجالات عملهم.

أبرز الضحايا أطفال ونساء

السيطرة على الفوضى
السيطرة على الفوضى

تكشف الإحصائيات أن دائرة العنف اتسعت لتشمل الجميع حيث أن مرتكبي العنف لا ينتمون إلى فئة اجتماعية دون غيرها ولا إلى جهة فقط ولا إلى فئة عمرية واحدة ولا إلى جنس الذكور فقط، وفي الوقت ذاته نجد أن ضحايا هذا العنف من جميع الفئات الاجتماعية والعمرية ومن كلا الجنسين، وهو ما يبين حالة التدهور القيمي التي يشير إليها غالبية المراقبين والمحللين للمشهد المجتمعي التونسي.

وبتفاوت نسبي نلاحظ أن غالبية ضحايا العنف هم من الفئتين الأضعف وهما النساء والأطفال، وكانت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن نزيهة العبيدي، قد أفادت بأنه تم تسجيل أكثر من 40 ألف قضية عنف ضد المرأة والأطفال في تونس من فيفري 2018 إلى غاية ديسمبر 2018. وأضافت العبيدي أن المندوبيات الجهوية للمرأة والأسرة تعهدت بنحو 1600 امرأة ضحية عنف بكل الولايات بمعدل 6 حالات يوميا، تعرضت 62 بالمئة منهن للعنف المادي، و5 بالمئة للعنف الجنسي، مشيرة إلى أنه تم تلقي أكثر من 6500 مكالمة على الخط الأخضر المخصص للتبليغ عن حالات العنف ضد المرأة.

وأقرت الوزيرة باستمرار ظاهرة العنف والتمييز والإقصاء المبني على النوع الاجتماعي وعدم تكافؤ الفرص بين الجنسين داخل الأسرة والفضاء العمومي رغم ترسانة التشريعات والقوانين التي تحمي المرأة. وأشارت إلى أن عدد حالات العنف ضد المرأة أكبر بكثير مما وقع تسجيله وذلك بالنظر إلى عدم تقدم بعض النساء ضحايا العنف بشكايات ضد المعتدين عليهن أو بسبب رفض تسجيل شكاياتهن من قبل بعض المصالح المعنية.

تغير في جغرافية ظاهرة العنف التي لم تعد تقتصر على الأحياء الشعبية التقليدية وذات الكثافة السكانية العالية بل امتدت لتصل إلى الأحياء الراقية

كما أن جميع أشكال العنف سجلت حضورها في الواقع اليومي للتونسيين من العنف اللفظي والبدني إلى العنف الجنسي والعنف على أساس الجنس إلى العنف الاقتصادي، ويؤكد مختصون أن انتشار العنف داخل الأسرة كنواة للمجتمع ومنها إلى الفضاء العام يدل على أن كل الأطراف في المجتمع مسؤولة وجميع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية أيضا مسؤولة.

وتركز مؤسسات حماية الطفل والأسرة على ضرورة البدء بإصلاح وتقويم بنيان ومبادئ التربية الأسرية وتنقية الأجواء داخل البيت مع التركيز على الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام والإنترنت ووسائل التقنيات الحديثة في ذلك لأن لديها دورا مباشرا ومحوريا في الحد من مصادر العنف التي يتعرض لها الطفل منذ سنواته الأولى داخل البيت.

وكان المندوب العام لحماية الطفولة، مهيار حمادي، أكد ارتفاع منسوب العنف في المادة التلفزيونية التي يتم بثها على القنوات التونسية وهو ما من من شأنه أن يؤثر سلبا على صحة وسلامة الأطفال. وأضاف حمادي أن مظاهر العنف في المسلسلات والإنتاجات الكوميدية، التي يتم بثها على القنوات التلفزيونية، تجسدت من خلال مظاهر العنف اللفظي والبدني فضلا عن الايحاءات المنافية للأخلاق.

ويعتبر الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد أن هناك تراجعا لدور العائلة في حماية الطفل من العنف ويسمي ذلك بالاستقالة العائلية، فالعائلة إما تكون مفككة وإما عنيفة وإما مستقيلة فرّطت في مهمة التربية لمؤسسات تنشئة اجتماعية بديلة وعوضت التربية بمجرد عملية إنفاق مادي. فالأسرة العنيفة تسلط فيها أقسى درجات العنف على الأفراد في ما بينهم أو على الطفل باعتباره أضعف حلقة فيها، وهو ما يؤدي إلى وقوع الجرائم العائلية بالجملة، والعنف الأسري، والتحرش الجنسي، وزنا المحارم.

20