التونسيون يتململون ساخطين ضد الحكام الجدد

الأحد 2013/11/10
شعر التونسيون أن ثورتهم "سرقتها" جماعات الإسلام السياسي

تونس- استفحل سخط التونسيين في صفوف مختلف الشرائح الاجتماعية سواء تعلق الأمر بالفقراء أو بالطبقة الوسطى. وتظهر آخر استطلاعات للرأي أن 70 بالمئة من التونسيين أكدوا عدم منح أصواتهم للنهضة خلال الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها عام 2014.

بات الوضع في تونس ينذر بالانفجار في أية لحظة في ظل تزايد سخط التونسيين على حكومة الائتلاف الحاكم الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية احتجاجا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي وانسداد الآفاق بعد أن تعطل الحوار الوطني حول تنفيذ خارطة الطريق التي يرعاها الاتحاد العام التونسي للشغل واختيار رئيس حكومة جديد يتولى تشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة تخرج البلاد من الأزمة التي غرقت فيها منذ تموز- يوليو الماضي.

ويعلق المجتمع التونسي آمالا واسعة على تنفيذ بنود خارطة الطريق ورحيل حكومة علي لعريض القيادي في حركة النهضة التي قادت البلاد إلى أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية معتبرا أن الحل الوحيد لإنقاذ البلاد من أزمتها هو رحيل الإسلاميين عن الحكم بعد أن فشلوا في إدارة الشأن العام.

غير أن تعليق الحوار الوطني بداية هذا الأسبوع إلى أجل غير مسمى نتيجة تمسك النهضة بفرض مرشحها لرئاسة الحكومة أحمد المستيري فجّر حالة من الاحتقان والغضب والسخط استفحلت في مختلف الفئات الاجتماعية على الحركة الحاكمة الأمر الذي جعل تونس مرشحة لعودة الاحتجاجات الشعبية من أجل وضع حد لإمعان الإسلاميين في إطالة المرحلة الانتقالية لغايات انتخابية.

ويبدو التونسيون المسيسون بطبعهم خلال هذه الفترة الدقيقة التي تمر بها بلادهم أكثر استعدادا لقيادة "انتفاضة شعبية" ضد حكومة حركة النهضة إن هي لم تتخل عن الحكم لفائدة كفاءات وطنية يقولون إن تونس تعج بها وهي أقدر على إدارة الشؤون العامة للبلاد بعيدا عن منطق المحاصصة الحزبية التي تغذيها ثقافة الكراهية والضغينة والعنف السياسي.

وتشعر غالبية الفئات الاجتماعية أن ثورتهم التي قادت الربيع العربي "سرقتها" جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها حركة النهضة وتم تحويل وجهتها لتنفيذ مشروع إسلامي لا يبالي بالمشاغل الحقيقية للتونسيين على الرغم من أن الإسلاميين لم يكن لهم دور يذكر في الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011.

وخلال الأسابيع الماضية عادت الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات لتضرب بقوة قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل ومؤسسات الإنتاج وحتى بعض الوزارات السيادية مثل وزارة الخارجية في مؤشر واضح على أن المجتمع التونسي المسالم نفد صبره وسئم سياسة المماطلة والتسويف التي خبرها ولم يجن منها سوى الحرمان والإحباط.

وقاد الآلاف من المحتجين في الجهات الداخلية المحرومة التي تشهد نسبا مرتفعة من البطالة والفقر مظاهرات طالبت برحيل النهضة عن الحكم وهاجموا مقراتها وأحرقوا عددا منها تعبيرا منهم عن السخط الذي يشعرون به تجاه الحركة الإسلامية التي لم تف بوعودها في تحقيق التنمية وتوفير الشغل للعاطلين بل حتى في توفير مرافق المعيشة الكفيلة بحياة تليق بالبشر.

وتبلغ نسبة البطالة في تلك الجهات التي قاد أبناؤها الثورة أكثر من 25 بالمئة فيما تصل نسبة الفقر في البعض منها إلى 40 في المئة الأمر الذي يجعلها "قنبلة موقوتة" قابلة للانفجار في أية لحظة.

وقد ساعدت البطالة والفقر والبؤس الجماعات السلفية الجهادية على تجنيد آلاف الشباب الذين يشعرون بالحرمان ليكونوا ذخيرة وجيشا من الجهاديين المسلحين مستعدين إما للالتحاق بالجماعات الجهادية التي تقاتل نظام بشار الأسد في سوريا أو القيام بهجمات إرهابية في تونس وهو ما حصل بالفعل خلال الفترة الماضية إذ بلغت الأمور حد الهجمات الانتحارية.

ويرجع الباحثون الاجتماعيون سخط التونسيين وتململهم إلى طبيعة السياسات التي تنتهجها الحكومة وهي سياسات لم تهمش فقط التطلعات المشروعة للحق في التنمية والشغل وإنما همشت أساسا "أي تطلع لحياة ديمقراطية حقيقية" تحقق التعايش بين مختلف التيارات السياسية و"هرسلت المجتمع" بنوع من الاحتكار للحياة العامة والتعسف السياسي ما جعل المواطن يفقد ثقته في الحكام الجدد ولا يطلب منهم سوى الرحيل.

يرى الباحث والمحلل السياسي سامي إبراهم أن "كل ما يحدث في تونس هو محاولات ممنهجة لتيئيس التونسيين من الديمقراطية ووضعهم في حالة إحباط وتحسر على النظام السابق" مضيفا أن "نفس الذين يحتجون اليوم على حكومة النهضة هم أنفسهم الذين كانوا يحتجون على النظام السابق في تحقيق التنمية العادلة والتشغيل وجودة الحياة والعيش الكريم والحوكمة الرشيدة والشفافية والعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة ودولة القانون والمؤسسات".

وتؤكد تحاليل الخبراء أن الطبقة السياسية التونسية فقدت تماما الثقة في حكم الإسلاميين الذي لم ينتهج سياسات ديمقراطية في تعامله مع مجتمع متعدد الأحزاب والتيارات حتى أنه زرع كوادره في مفاصل الدولة والمجتمع من أجل استبعاد القوى الديمقراطية والعلمانية في محاولة لتنفيذ مشروع "الأسلمة" و"التمكين" الذي يتنافى مع الحق في الاختلاف وفي مشاركة الجميع في قيادة المرحلة الانتقالية التي طالت أكثر من اللزوم.

وتسود الرباعي الراعي للحوار حالة من الغضب تجاه رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي يحمله مسؤولية فشل الحوار ويرون في تعنته إصرارا على البقاء في الحكم من خلال المماطلة غير مكترث بالأزمة التي تعصف بالبلاد وتوشك أن تقودها إلى كارثة حقيقية في ظل حالة الهشاشة الأمنية واستقواء الجماعات الإرهابية.

ويتوقع الفاعلون السياسيون والاجتماعيون أن استمرار انسداد الآفاق وسياسة الهرسلة وتزايد حالة الإحباط في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيدفع إلى تفجير الأوضاع في شكل انتفاضة تنهي تجربة حكم الإسلاميين الفاشلة.

2