التونسيون يقطفون ثمار دولة المؤسسات

نجاح تونس وخروجها منتصرة رغم محدودية الدخل، يُعزى إلى أمر واحد، هو أنها دولة مؤسسات، وأن التونسي لم يتربّ على احترام تلك المؤسسات فقط، بل تحول موقفه هذا إلى جين من جيناته الوراثية.
الخميس 2020/05/14
البحث عن لقاح لأمراض تونس الاجتماعية والاقتصادية

في كل أزمة تواجهها، تثبت تونس أنها دولة استثنائية. خلال عشر سنوات، وهي فترة زمنية محدودة وقصيرة، واجه التونسيون عشرات التحديات، وكان هناك من يراهن دائما على سقوطها وفشلها. وفي كل مرة كانت تخرج منتصرة، ليس بالشعارات ولكن بالأفعال.

يُعزى نجاح تونس وخروجها منتصرة، رغم محدودية الدخل، إلى أمر واحد، هو أن تونس دولة مؤسسات، وأن التونسي لم يتربّ على احترام تلك المؤسسات فقط، بل تحول موقفه هذا إلى جين من جيناته الوراثية.

لن أجادل تونسيا حول رأيه بالرئيس الأسبق لتونس، الحبيب بورقيبة. لنتفق على أن للزعيم التونسي، الذي شارك في انتزاع استقلال تونس، سلبيات وله أيضا إيجابيات؛ وهذه حقيقة يتفق عليها معظم التونسيين.

رغم الاختلاف حول قيمة الحبيب بورقيبة، لا تزل تماثيل الزعيم مشيّدة في ساحات المدن التونسية، ويزين اسمه أكبر شوارع البلاد وأكثرها أهمية، والتونسيون في هذا يضربون مثلا عاليا في التسامح وقبول الآخر؛ نختلف في ما بيننا، ولكن نحترم رموزنا الوطنية.

لم يكن الحبيب بورقيبة إلا بشرا، يخطئ ويصيب؛ حسنة من بين حسناته العديدة برزت خلال العقد الأخير، العقد الذي واجه فيه العالم تحديات كثيرة، بدءا بالأزمة الاقتصادية عام 2008 التي امتدت ارتداداتها إلى العام 2011، لتصل تونس في ظرف صعب استثنائي تشهد فيه ثورة أزاحت بالنظام القائم.

الحسنة التي نتحدث عنها، هي تحويل تونس إلى دولة مؤسسات.

دعونا نطرح أمام المشككين مجموعة من الأسئلة.

هل شهدت تونس، خلال الحراك السياسي والاجتماعي الذي انتهى بإزاحة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، أي مظهر من مظاهر الفوضى، أو أدى ذلك إلى شلل في الخدمات المقدمة للمواطنين. وهو الحراك الذي انعكست ارتداداته على دول عربية خلال عقد كامل.

الكهرباء لم تنقطع عن بيوت تونس، والماء لم يتوقف عن الجريان، وكذلك الغاز، خدمات النقل كانت تسير كالمعتاد، المدارس تابعت خدماتها تقدم العلم للتلاميذ، والمصحات ظلت تعمل بشكل طبيعي، والمصارف لم تتوقف عن تقديم خدماتها المالية، حتى في خضم الحراك الاجتماعي.

ويبقى النجاح الأبرز، الذي يعود الفضل فيه لجميع التونسيين دون استثناء، هو التصدي للإرهاب. باختصار، لم تتحول تونس إلى دولة فاشلة، رغم أن الكثيرين راهنوا على ذلك.

الدول التي نسخت التجربة التونسية واجهت كل هذه المشاكل، بدرجة أو أخرى، ووقعت ضحية حركات إرهابية، رغم أن معظمها يمتلك إمكانيات مالية تفوق ما تمتلكه تونس. ولكن ما تمتلكه تونس وتفتقده تلك الدول هو مؤسسات الدولة التي تعمل.

لم يتوقف السياح عن القدوم إلى تونس، ولم تنقطع الاستثمارات، ولم يبدو ولو للحظة واحدة أن تونس ستنهار. البعض من التونسيين يؤمن أن تونس محمية بالأولياء الصالحين.

على رأس هؤلاء الأولياء تقف مؤسسات الدولة.

اليوم يواجه العالم، ومعه تونس، أكبر تحدّ واجهته البشرية خلال مئة عام، فايروس أرعب الجميع وأعاد ترتيب أولويات الحكومات والدول، وما كان لذلك أن يمر دون أن يترك انعكاسات سلبية على المجتمع التونسي والاقتصاد التونسي.

وللمرة الثانية يتدخل أولياء تونس الصالحون، مؤسسات الدولة، لانتشال التونسيين من الكارثة بأقل الأضرار وأخفها.

بالتأكيد هناك متضررون انقطعت أعمالهم وفقدوا مصادر رزقهم، حاولت الدولة أن تخفف عنهم، وأثبت التونسيون أنهم شعب متضامن، يسارع إلى الوقوف مع الضعيف، عندما تقتضي الحاجة.

اليسار واليمين، الأثرياء والفقراء، نسوا خلافاتهم، وتصرفوا بدافع ذاتي، وكأنما هم مبرمجون للدفاع عن الدولة ومؤسساتها.

لن يخلو الأمر من محاولات يبذلها بعض ضعاف النفوس للاستثمار في مخاوف الضعفاء والفقراء، وهؤلاء الذين شاهدوا مصادر رزقهم تقفل في وجوههم، سعيا لتحقيق مكاسب سياسية آنية.

ارتفعت أصوات دعت، على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى “ثورة جياع”، وتناقل رواد وثيقة منسوبة لجهة تُسمي نفسها “هيئة الإنقاذ الوطني”، دعت إلى “حل البرلمان والأحزاب، والمطالبة بمحاسبتها، وتعليق العمل بالدستور، ومراجعة قوانين ما بعد الثورة، وإعادة صياغتها والمصادقة عليها باستفتاء شعبي”.

فشل الساعين إلى تحقيق الأرباح على حساب التونسيين، والرهان على انهيار دولة المؤسسات، يتوقف على وعي الطبقة الحاكمة وأحزاب المعارضة، والتوقف عن استنزاف الإرث البورقيبي.

غدا أو بعد غد تنزاح الجائحة عن الصدور، ويسارع التونسيون إلى فتح الملفات التي غضوا عنها الطرف طوعا.

الاقتصاد الموازي، والفساد، والتشغيل، والخدمات الصحية، والتعليم والتنمية.. كلها ملفات مؤجلة مقفل عليها داخل الأدراج إلى حين.

قد تكون الكلمة الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيد، استباقا لما سيأتي. انتقد الرئيس في كلمته، الاثنين، الحياة السياسية في تونس، متعهدا بالقضاء على “البؤس” السياسي والاجتماعي، قائلا إن “البؤس الذي نعيشه اليوم لا يوازيه إلا البؤس السياسي”.

واستشهد على “البؤس السياسي” الذي تعيشه تونس بـ”تغيّر التحالفات بين لحظة وأخرى”، وشدد على أنه “سيحترم الشرعية التي يجب أن تكون مشروعة ومعبّرة عن إرادة الشعب التونسي”.

لقد أثبتت كورونا أن التشخيص وحده لا يكفي لعلاج المرض، وأن الوقاية تؤجل تفشيه فقط، لا بدء من دواء يعالجه، والأفضل أن يكون لقاحا.

على الحكومة التونسية ورئيسها تقديم لقاح لأمراض تونس الاجتماعية والاقتصادية، قبل أن تستفحل وتطول مؤسساتها، فيتخلى عنها أولياؤها الصالحون.

8