التونسي علي مصباح: أكره البكاء في الكتابة والتقوقع على العجز

الجمعة 2014/04/18
علي مصباح: الفلسفة تزعج الاطمئنان الهادئ إلى اليقين

تونس - يكاد يكون المترجم التونسي علي مصباح متخصصا في الترجمة للفيلسوف الألماني نيتشه من خلال عدة أعمال أثرى بها المكتبة العربية. ولكن لعلي مصباح عدة اهتمامات إبداعية أخرى منها كتابة الرواية، حيث أصدر مؤخرا رواية “حارة السفهاء”؛ “العرب” التقت بهذا الكاتب لتحاوره في مسائل إبداعية منها مغامرة الترجمة وكتابة السرد.

فلسفة نيتشه تنبني على الهدم وعدم الوثوق بالمسلمات والأفكار الجاهزة وهي في ذلك كله تتبنى نظرية “قتل الأب” وعلي مصباح كان وفيا لنيتشه وتلميذا جيدا له. يقول مصباح في هذا الشأن «سأدع مصطلح “قتل الأب” جانبا، نحن نتحدث عن نيتشه لسببين على الأقل، أولهما أن نيتشه كان يكن احتراما كبيرا لأبيه، في حين كانت أمه لا توحي له سوى بمشاعر الاشمئزاز، ولم يتوان عن التعبير عن احتقاره لها، وثانيهما أن هذه العبارة قد أعياها التكرار والاجترار حتى غدت بدورها مرشحة للقتل قبل غيرها».

غرام نيتشه

وقع مصباح في حب كتابات نيتشه، ومن ثمة عبّر عن هذا الحب من خلال ترجمة الكثير من كتبه، حيث يقول: «بدأت تراودني الرغبة في ترجمة كتاب نيتشه “هذا هو الإنسان” عندما أعدت قراءة هذا الكتاب باللغة الألمانية بعد سنوات من قراءته باللغة الفرنسية، واكتشفت بعض الهنات في تلك الترجمة، ووجدت صياغات لم تكن ترضيني فيها. لكن الأمر لم يكن حينها يتجاوز مجرد رغبة، ربما كانت تتراءى لي شبيهة بنزوة عابرة. ثم وقع بين يديّ كتيّب للفيلسوف الألماني المعاصر بيتر سلوتردايك عن نيتشه أصدره سنة 2000 بمناسبة الذكرى المئوية لوفاته أغراني تناوله الطريف للظاهرة النيتشوية بالشروع في ترجمته دون أن تكون لي نية في ترجمات لاحقة في البداية. لكنني بعد الانتهاء من ترجمته شعرت كما لو أن حاجز الخوف من الترجمة عن الألمانية مباشرة قد كُسر -ربما جزئيا- وعاودتني الرغبة القديمة في ترجمة كتاب “هذا هو الإنسان” الذي بدا لي مدخلا مهما لمن يريد الاستئناس بالفكر النيتشوي، فهو مؤلَّفه الأخير الذي جعل منه نوعا من السيرة الذاتية الفكرية التي تناولت مجمل مؤلفاته وسلطت عليها أضواء توضيحية مهمة للغاية، مع تركيز على جانب التجربة الحياتية للفيلسوف».

الفلسفة تعلمنا المنهج وتحثنا على التفكير، وفلسفة نيتشه بالذات تحثنا على الهدم من أجل البناء، فأي دور للفلسفة اليوم في مجتمعاتنا العربية المتنافرة التي تعشش فيها الأمية وتعبد أصناما تصنعها من جهل وخوف؟ عن هذا السؤال يجيب مصباح بقوله: «سئل برتراند راسل ذات مرة عن معنى الفلسفة فكان جوابه أنها “النظر في مواضيع ما تزال المعرفة الدقيقة بها غير ممكنة (…)” وبصفة إجماليّة يمكننا القول بأنّ العلم هو ما نعرف، والفلسفة هي ما لا نعرف”.

رواية تسخر من الواقع

الترجمة عين أخرى

الفلسفة هي التعبير الفكري عن القلق، ربما نفس القلق الذي يعبر عنه الأديب شعرا وتخييلا. وبالتالي فهي موقف ذهني يضع كل الأجوبة موضع سؤال، ويظل يعيد وضعها موضع سؤال بصفة دائمة. من هنا يأتي موقف التنكر الدائم في الفكر النيتشوي، والاحتفاء بالمطرقة والفأس من أجل إزعاج هدوء الاطمئنان إلى اليقين: تحطيم الأصنام -”احذروا أن يقتلكم صنم، أي صنم!”، والعمل الدؤوب على “قلب كل القيم”، وإعادة التقييم الدائم. في عالمنا العربي ستكون الفلسفة حتما فلسفة المطرقة والفأس،- عدا أن تكون طيفا للفلسفة يريد أن يوهم بأنه فلسفة».

عن الفروقات بين ترجمة الفلسفة والرواية والقصة، يقول علي مصباح: “قد تلعب الترجمة دورا في تحسين وتطوير التواصل بين الشعوب والأمم، لكنني لا أعلق آمالا كبيرة على هذه المسألة، فغالبا ما أتت الترجمة -في ما مضى من تاريخ الإنسانية- لتلعب دورها بعد أن تكون الأمم قد أنهكت بعضها في الصراعات والاقتتال، وليس نادرا أن كان مجيئها بعد مضيّ حقب وقرون على اندثار الحضارة التي ينتبه الناس إلى مخزونها الثقافي ويشرع في نقل موروثها/ ترِكتها. ذلك ما حصل مع الحضارتين الإغريقية والعربية مثلا. ما يهمني شخصيا في الترجمة هو التعرف على الآخر، على فكر الآخر وعلى منهج الآخر ورؤاه”.

ندوب الذات

يذهب الكثيرون إلى اعتبار رواية “حارة السفهاء” هي رواية السخرية والضحك على الواقع ومن الواقع بامتياز من خلال النفس الساخر المبثوث على كامل فصولها رغم أنها تحاول التأريخ أدبيا لفترة قاسية ودموية من تاريخ تونس الحديث، عن هذه الرواية يقول مصباح: “أكره التفجع والبكاء، وأعتبرهما ضربا من الاستقالة واطمئنانا في التقوقع على العجز مقابل ثمن بخس مدفوع بالدموع والبكائيات.

السخرية تحدّ، والتراجيديا نفسها، على عكس ما يعتقد الكثيرون ليست احتفاء بالبكاء، أو بما هو مأساوي، بقدر ما هي مواجهة عنيفة بين البطل التراجيدي والقدر، أو المصير، أو مواضعات اجتماعية وإنسانية بعينها. وفي كلمة أعتقد أن الأوضاع التي كان يعيشها المجتمع التونسي في تلك السنوات التي كوّنت الخلفية التاريخية لرواية “حارة السفهاء” هي أشبه بأوضاع مسْخرة؛ شيء مضحك، مقزّز، بليد، عديم الذوق: مهزلة أردت أن أضحك منها وأُضحك عليها عوضا عن إضافة بكائية أخرى كتعلّة للتفجع وندب الذات”.

وعن مشاركة المثقف العربي ومساهمته في الثورات العربية وتحريكها وتأجيجها، يقول مصباح: «أنظر إلى هذا “الربيع”، بدهشة، وبكثير من الحذر، مع مزيج من الأمل والخوف. أما عن دور المثقف في هذا المسار فقد عبرت مرارا عن ريبتي وعدم اطمئناني لهذه الفئة التي يراد لها أن تكون طبقة متجانسة، وهو رأي مجانب للصواب. ففي اعتقادي ليس هناك مثقف، بل مثقفون، منهم الذي ينتمي إلى الفئات الاجتماعية والقوى السائدة والتي لها مصلحة في المحافظة على السائد فكرا وعقلية وسياسة ونظاما اجتماعيا، ومنهم من ينحاز إلى الفئات التي تقع خارج دائرة الامتيازات والسيادة ويهفو بالتالي إلى التغيير، ومنهم من ينزع إلى الحياد، وإن كنت لا أؤمن بأن الحياد شيء ممكن في الحقيقة؛ إنما هو توهّمُ حيادٍ، وربما نوع من المراوغة والتستر على الاستقالة.

وعلى العموم يبدو لي المثقف العربي عامة متخلفا عن ديناميكية التطورات الخفية التي تعتمل داخل المجتمع، متخلفا عن صيرورة الأحداث، يعيش على هامش الحياة ووقائعها حبيسا لنرجسية قاتلة تحتفي بالمنظومات الفكرية الفوقية».

ما يهمني في الترجمة هو التعرف على الآخر وفكره ومنهجه ورؤاه

الكتابة علاج

وعن إمكانية إنتاج ثورات الربيع العربي لأصوات إبداعية تؤرخ لها سواء في الشعر أو الرواية أو المسرح أو الموسيقى أو الفن التشكيلي، يقول: “ربما يأتي ذلك لاحقا. بل من الأكيد أن الرجة التي أحدثتها هذه الأحداث وما زالت تحدثها لن تمرّ دون أن تترك أثرا على مجالات التعبير الأدبية والفنية.

وقد لا يحدث ذلك بالمقدار المرغوب أيضا، وقد يظل التفاعل منقوصا، أو مشوّها، وقد يستمر المبدعون في الانعزال، أو يتوغلون أكثر في الانكفاء على نرجسيتهم، وربما يحدث هروبا إلى الأمام نحو مزيد من الاغتراب عن الواقع ومناشدة الغريب والمبهم، والشاذ والناشز، على مستوى المحتوى كما على مستوى الأشكال التعبيرية. كل شيء ممكن، والتنبؤ بشيء محدّد أمر صعب في هذا المجال على أية حال”.

وعن علاقته بالقارئ، ومدى استحضاره له عند الكتابة، يقول مصباح: “أكتب ما يفرض نفسه عليّ دون تفضيل مسبق لصنف أو نوع بعينه. مع أنني أظل أميل في كل الأحوال إلى التناول الساخر للمسائل التي أتخذ منها موضوعا للكتابة، عندما يكون الموضوع مواتيا للسخرية طبعا. لعل ميلي إلى المناوشة والمشاغبة هو الذي يجعلني أنحاز أكثر إلى الكتابة الساخرة كضرب من العناد وعدم الإذعان إلى سطوة المحبِطات، وربما أيضا كنوع من العلاج الذاتي الذي أمارسه على نفسي بتحويل المبكيات إلى مضحكات، وتغذية شراسة طفل يمدّ لسانه إلى تفاهات العالم المحيط وشناعاته كي لا يرى فيها سوى تشوّهات حقيرة جديرة بالسخرية، لا بالتفجع والبكاء”.

ويضيف قوله: “الكتابة هي الحياة، ومن يكتب من خارج الحياة يكون متكلفا، وتأتي كتابته باهتة ثقيلة، لا طعم لها ولا نكهة. أما عن الحدود؛ هل هناك حدود في الحياة؟ الحدود،.. كل أنواع الحدود من صنع البشر، وهي بالتالي تعسّف على الواقع والحياة. ربما ذلك هو ما يستفز فيّ الرغبة الدائمة في السفر والترحال: إنني أعشق عبور الحدود، وفي كل مرة أقف فيها على حدود بين بلدين ينتابني مزيج من الهلع والمتعة في آن واحد.”.

15