التونسي للتونسي رحمة وشهرة

بعض جامعي التبرعات من كل الألوان والأطياف قد حادوا عن نبل الهدف لأجل مصالحهم الشخصية الضيقة طمعا في شهرة منصب سياسي بأصوات الفقراء أو وجاهة اجتماعية ودينية على حساب البسطاء.
الأربعاء 2018/08/08
لا للتجارة بآلام الفقراء

يرتبط التبرّع في أذهان التونسيين بما سمّي “الصندوق الوطني للتضامن 26 26” الذي ركزه نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. كان التبرع لا يستثني أحدا من الموظفين الذين يُقتطع جزء من مرتباتهم إلى طلاب المدارس الذين “يجبرون” على إحضار قطع نقدية معدنية تحت شعار “التونسي للتونسي رحمة”.

كانت الغاية نبيلة، تنمية ما سمّي حينها بمناطق الظل.. كانت مناطق ظل فعلا، فلا تصلها شمس التنمية.

بعد الثورة أفاق التونسيون على حقيقة مرّة فلم يتضامن الصندوق سوى مع السيد الرئيس وحاشيته. لم تكن صدمة كبيرة، فالجميع يعلم في قرارة أنفسهم الحقيقة.

ولأن “الثورة” أتت على الأخضر واليابس فقد أحيل الصندوق على التقاعد، ولا يعرف إن كان القرار صائبا. لكن ماذا لو احتفظوا به مع هيئة مراقبة، هل كان سيسرق أيضا؟

تعلّم التونسيون من تجربة الصندوق ألا يثقوا في متسولي التبرعات الخيرية الذين يحملون شعارات الرحمة الرنانة، فقد أصبحت منبوذة ينظر إليها الجميع بعين الريبة خاصة بعدما خرجت عن صلب الموضوع وتحولت إلى واجهة اعتبارية تكمّل صورة الزعيم السياسي أو الديني، وإلى طريق سريع للشهرة.

وفي تونس أمثلة كثيرة على ذلك. فذلك الفنان الشعبي الذي تسلفن واعتزل الفن قبل سنوات سرعان ما عاد إليه ليتحول إلى منشد يؤدي أناشيد دينية حصرا في أفراح أبناء رموز النهضة الإسلامية بحضور رئيسها راشد الغنوشي، ذهب في الشتاء الماضي إلى منطقة ريفية نائية مرفوقا بحلاق لـ”جز” شعور أطفال مدرسة.. وقد أحسن مدير المدرسة كثيرا حين طردهما أشد طردة تحت شعار “وهل هم خراف”. هاج وماج الفنان مهددا بمقاضاة المدير، لكنه سرعان ما صمت.

هذا الفنان سابقا المنشد حاليا، يمتهن “التباكي” كل أسبوع في برنامج ترفيهي “هابط” على قناة خاصة يشارك فيه كـ”كرونيكور”، داعيا الشعب الكريم إلى التبرع، ساردا عليه حكايات البؤس والبؤساء، ممعنا في الاستجداء. اعتزل مؤخرا البكاء بعد تورطه في فضيحة أخلاقية شغلت الرأي العام التونسي أسابيع ليتفرغ كليا للتهريج.

ولا يعد هذا المنشد استثناء فهو فقاعة من ظاهرة كاملة من مخلفات الثورة المجيدة، إذ أن سوق التبرعات سوق رائجة تنشط على طول العام خاصة في المناسبات الوطنية المرتبطة بالانتخابات.

ومن بين الفقاعات الأخرى التي على شاكلة هذا “المنشد الديني” وتنشط طوال العام، رجل أعمال افتتح تلفزيونا خاصا وهو قيادي منحاز لشق معين في حزب “نداء تونس” يطل كل مساء عبر شاشة تلفزيونه ليؤكد على روح التسامح التي يتميز بها الشعب.

لقد دخل هذا القيادي “الميدان” حديثا، وتحديدا بعد وفاة ابنه في حادث مرور، بإنشاء جمعية تحمل اسمه.

المهم أن هذا “السيد النبيل جدا” استساغ الأمر فأصبح له موعد ثابت يوميا مع مشاهدي قناته. وبعد تمرير ما تيسّر من مقاطع تصوّر انتحاب الفقراء، يهرع “النبيل” للتأكيد على تقديم المساعدة لهم. ثم يعود في الحلقة الموالية، في نفس الموعد، للتذكير بمعاناتهم أولا ثم تمرير فيديو جديد يبرز الابتسامة العريضة للمواطنين المنتحبين سابقا، المبتسمين حاليا، وقد حلّت مشاكلهم ببعض الحاشيات والأغطية أو تلفزيون مستعمل وسخان، موجهين الشكر والعرفان للنبيل الذي أنقذهم، منتهين بالترحم على ابنه، في مشهد كاريكاتوري أصبح محل سخرية كل مرة.

لكن ماذا يريد هذا “النبيل”.. فإن كان يقصد بها رحمة لابنه فالأفضل أن تكون بالستر لا بالتجارة بآلام الفقراء. وإن كان يقصد بها حشدا سياسيا، فهذا صلب الموضوع.

الخلاصة أن بعض جامعي التبرعات من كل الألوان والأطياف قد حادوا عن نبل الهدف لأجل مصالحهم الشخصية الضيقة طمعا في شهرة منصب سياسي بأصوات الفقراء أو وجاهة اجتماعية ودينية على حساب البسطاء.

يجب أن يعي هؤلاء البسطاء أن لديهم حقا في بلادهم لا يجب أن يتنازلوا عليه مقابل فتات لا تسمن ولا تغني من جوع.

21