التونسي نجيب بلقاضي "سينيفيل" انطلق ممثلا وأبحر إخراجا

الأربعاء 2014/04/23
"بستاردو" نموذج مصغر لدولة داخل حي

بيروت- في عام 2007، كان الاكتشاف: “VHS كحلوشة” للتونسي نجيب بلقاضي (مواليد تونس العاصمة، 13 مايو 1972). شخصيا، لم أكن أعرف شيئا عنه قبل مشاهدتي هذا الفيلم البديع، الكوميدي المنخرط في حكاية عاشق للسينما، والعميق في بحثه المبطن في دواخل ذات فردية، ومناخات جماعية.

“صدمة” ثانية، إيجابية أيضا حصلت لي بعد ستة أعوام من مشاهدتي لفيلمه الأول “كحلوشة” فكان “بستاردو”. فرق شاسع بينهما على مستوى الموضوع وآلية العمل والمناخات، من دون أن يلغي الفرق هذا براعة الاشتغال السينمائي الجدّي والعميق والثري بالدلالات والمفردات السينمائية المتنوّعة. الأول وثائقي، يواكب سيرة منصف كحلوشة (اسمه الحقيقي الذي احتفظ باسمه في الفيلم) عاشق “أفلام النوع” المصنوعة في سبعينيات القرن الفائت، ويحافظ على مسافة واضحة بين السينما والواقع، ويضع الكاميرا في منتصف الطريق بينهما، كي يتسنى له رسم معالم حالة، وملامح رجل.

الثاني روائي، يغوص في عوالم سفلية وفقيرة ومنعزلة في بيئة جغرافية تبدو كأنها منغلقة على نفسها، لكنها منفتحة على أسئلة الخراب الإنساني الكبير والحاد، وعلى معنى العلاقات والعنف المبطن والمباشر ومغزى السلطة والتحكّم. نجيب بلقاضي زار بيروت مؤخرا، فكان هذا الحوار:


كوميديا ودراما


حول النقلة السينمائية الجمالية من الكوميديا (VHS كحلوشة) إلى الفعل الدرامي المسرف بقسوة الحياة والناس والعلاقات والتباساتها كلّها (بستاردو). أجاب بلقاضي: “كنت محظوظا بإنجازي فيلما كوميديا عن أحد شوارع “سوسة” التونسية، ومحظوظا أيضا باشتغالي “ستايل” سينمائي أعتمده فيه، وأبرز معالمه الحركة والديناميكية. فجأة، صرت أشتغل على مشروع فيلم روائي، أي على بناء روائي وشخصيات “مخلوقة”.

كيف انتقلتُ من هذا إلى هذا؟ لا أعرف. كان عندي صفة “مخرج وثائقي”. لكني أحس أنه انتقال طبيعي”. يسترسل: “كحلوشة” لم يكن مشروعا للاختيار. المنتج عماد مرزوق أخبرني عن كحلوشة الرجل، وقال لي إنه من “سوسة”. انبهرت بالأحداث. قلت: “يجب أن أصور”. هذا ما حصل: أي أن أصور قصة كحلوشة، وكيفية صنعه أفلاما. فهمت الشخصية. فهمت أن أبناء الحي والجيران جزء منه. أنا لم أختر فيلم “كحلوشة”، هو الذي اختارني”.

وعن فيلم “بستاردو” يوضح: “أنا منفتح على كل شيء، ولا أحب أن تكون لي نظرة ضيقة للسينما. ليس مهما أن يكون الفيلم طويلا أو قصيرا، روائيا أو وثائقيا. السينما سينما. هذا هو الأهم بالنسبة إليّ. أكرّر لك: “كحلوشة” اختارني، أما “بستاردو”، فأنا الذي اخترته. فكرة “بستاردو” موجودة لديّ منذ عام 2004. كان جزءا من عمل تلفزيوني، متمثّل بـ10 قصص “اسكتشات”، إحداها قصّة “بستاردو”، التي وضعتها في حلقة “نموذج”. يومها، كنت أكتب سيناريو فيلم طويل، بدأته بنحو 10 إلى 15 صفحة. عندها، انتبهت إلى أني لا أزال في المقدمة”.

نجيب بلقاضي: مشروع فيلمي الجديد حكاية عن ومن "الفيسبوك"، صور قالت لي إن هذا "فيلم"

متذكرا: “هكذا بدأت الحكاية. لكل مشروع إطار خاص به. علاقة المخرج بكل فيلم مختلفة عن الأخرى. مشروع فيلمي الجديد حكاية عن ومن “الفيسبوك”. صور قالت لي إن هذا “فيلم” جديد، أخيرا، أود القول إن النقطة الأساسية في المسألة كلها هذه أن النقلة الأساسية كانت من التلفزة إلى السينما. كنت أعمل لحساب المحطة التلفزيونية “كانال بلوس تونس”. كانت هناك مشاريع للتلفزة التونسية، قبل انطلاقتي السينمائية”.

وعن مدى استفادته من تجربته التلفزيونية في اشتغاله السينمائي يقول بلقاضي: “أستطيع القول إنه علمني كيف أشتغل بالكاميرا. لم أذهب إلى مدرسة أو جامعة سينمائية. كنت مهووسا بالسينما، كنت “سينيفيليا”، وعاشقا للموسيقى أيضا. بدأت كممثل، بعد دراستي التجارة. مثّلت في أفلام عديدة، أوّلها فيلم “رقصة النار” (1994) لسلمى بكار. عندما مثلت، شعرت بهاجس أن أكون وراء الكاميرا”.

سنة 1999 كانت نقلة نوعية في مساره الإخراجي وعنها يقول: “عامها بدأت كتابة وإخراج برنامج لتلفزيون “كانال بلوس أوريزون”، التابعة للمحطة الفرنسية المعروفة “كانال بلوس”. عملت مخرجا في القناة هذه لعامين اثنين. هناك تعلمت صناعة الإخراج. تعلمت، أساسا، من أخطائي. أنا لم أدرس الإخراج، لكني أرى الإخراج تأملا بكل شيء. ربما يتعلم المرء قواعد الإخراج، لكن الابتكار يأتي لاحقا”.


بين حيين


وعن موضوع السلطة، الذي أذكى به فيلميه “كحلوشة” و”بستاردو” يرى بلقاضي أنّ العالم في “كحلوشة” كان واقعيا لا افتراضيا، وجد أساسا من أجل الفيلم. فمنظومة السلطة ليس فيها تسلط.

أما في خصوص التشابه والاختلاف بين “كحلوشة” و”بستاردو” في المعنى السلطوي للحكاية فيقول: “عندما تقع أحداث متنوعة في “كحلوشة”، يبقى رجال الشرطة والمسعفون خارج الحي. إنه حي “كازميت”، وهو من الأحياء الساخنة جدا في سوسة. لا أحد يدخله. الشيء نفسه في “بستاردو”، لكن فيه خيال أكثر. منظومة التسلط في “بستاردو” غير موجودة. رؤوس كبيرة تتحكم وتدير، لكنها لا تحكم كسلطة. الصغار لا ينافسون الكبار في بيع الخمر أو المخدرات مثلا. هذا اقتصاد مصغر في الحي”.

16