التونسي يعرف ما يريد

شعب شغل العالم من حوله، بل ولم يترك له شرف الاضطلاع بدور الناقد، مبهر بكل ما فيه.. مزيج لا يعرف متى يكون بعضا من سقط المتاع ومتى يتحول إلى فدائي غيور.
الخميس 2019/10/24
"إذا الشّعب يوما أراد الحياة.. فلا بدّ أن يسـتجيب القدر"

لم يكد ينفضّ عرس الانتخابات في تونس، حتى تلقفت مواقع التواصل الاجتماعي حدثا جديدا ملأ الدنيا وشغل الناس، في العالمين الافتراضي والواقعي. بينما كانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تلملم أوراقها وتنهي فرز صناديقها، حمل عدد من التونسيين المكانس ومواد التنظيف وعلب الأصباغ واتجهوا صوب الشوارع ينظفونها في حملة سرعان ما تحولت إلى ثورة بيئية، تجاوزت في بعض الأوقات حدودها.

بدأت القصة مع مجموعة من ناشطي المجتمع المدني تناقلوا صورهم عبر فيسبوك وهم ينظفون الشوارع، ويستبدلون قبح الأزقّة والأنهج بجداريات غمرت كل ركن طالته الفرشاة والأصباغ بروح جددت في الأحياء السكانية الحياة، ولم يكتفوا، بل وعمّموا الدعوة بين جميع التونسيين، من كل الأعمار ومختلف الأطياف والجهات والمحافظات، للاقتداء بهم.

لم يتأخر التونسيون الذين بدوا متحمسين وقد أعطتهم التجربة الانتخابية الأخيرة جرعة أمل. يوم الأحد الماضي، لم يخل شارع من مجموعات خرجت للتنظيف. عائلات، ناشطون في جمعيات، طلبة، أصحاب محلات تجارية ومطاعم، في حملة شجعت حتى المراكز التجارية على التخفيض في أسعار مواد التنظيف وحتى تقديمها مجانا.

حين نقول تونس فإننا حتما نستحضر روح التونسيين الفكاهية التي لا يمر فيها أي حدث مهما كانت درجة أهميته مرور الكرام. فالتونسيون استلموا جماعة الفرشاة وعلب الأصباغ بالسخرية والاستهزاء أو ما يصطلح عليه في تونس بـ”التّنبير”.. “خويا شنوّة (ما) برنامجك اليوم العشيّة (مساء)؟ ماشي (سأذهب) ندهن”.

التونسي عامة “نبّار” بالفطرة، لا بل إن “التّنبير” علامة جودة تطبع التونسيين بطابع تونسي خالص، ما حوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء ألهب الأجواء بين أنصار التلطيخ العشوائي وبين دعاة التريّث والاحتكام إلى الذوق.

إذ في خضم هذا الحماس، أفرط البعض لدرجة لم تعد ألوان الأصباغ التي استعملوها لتزيين الجدران، تحمل أبعادا ودلالات جمالية، بقدر ما تحولت إلى عشوائية وتلطيخ دون وعي، مدرج تحت هاشتاغ #حالة_وعي!

وحالة الوعي الشبابي هذه تحمل وجهين، إما أنها تطابق المثل التونسي القائل “مغبون وطاح في الدشيشة” (الذي يحمل دلالة على من كان محروما وغرق فجأة في الخيرات).. ويحاول أنصارها عدم ترك ثغرة لمن يريد الركوب مجددا على صحوة طال انتظارها زهاء الثماني سنوات، وإما أنها تكشف عن اندساس راغبين في قبر المساعي الجديدة إلى تنظيف البلاد.

يبدو أن الدرس الذي أراد التونسيون توجيهه إلى أنفسهم قبل غيرهم بتنظيف البلاد تعمل بعض العقول المخربة على صبغه وزركشته بقبيح الألوان، لاسيما أن لطخات الدهن طالت بعض المعالم الأثرية القيّمة، وهو ما حدا بالمعهد الوطني للتراث إلى إطلاق صوت تحذيري من انقلاب هذه الثورة البيئية إلى فوضى وتشويه.

وقد انتشرت بين أغلب الصفحات الافتراضية التي تم إنشاؤها على هامش الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة صور تعكس عشوائية الألوان التي ضربت في مختلف البلاد تقابلها أخرى تحمل ذوقا رفيعا وإبداعا فنيا مذيلة في أغلبها بجمل ونصائح من هذا القبيل “من يرغب في الدهن هذه أمثلة عن الألوان المتناسقة.. كفى تخريبا.. نحب تونس مزيانة”.

شعب شغل العالم من حوله، بل ولم يترك له شرف الاضطلاع بدور الناقد، مبهر بكل ما فيه.. مزيج لا يعرف متى يكون بعضا من سقط المتاع ومتى يتحول إلى فدائي غيور.. لكنه بين هذا وذلك فيه الكثير من قوة أبيات أبوالقاسم الشابي “إذا الشّعب يوما أراد الحياة.. فلا بدّ أن يسـتجيب القدر”.. ولا بدّ أن تستمر هذه الهبّة الشعبية بمكنسة وفرشاة ترسم الأمل لغد أفضل.

 دامت حالة الوعي.

24