"التويزة" تكافل اجتماعي حين تغيب حلول السلطات الجزائرية

يعتبر التكافل الاجتماعي إحدى ركائز المجتمعات العربية، حيث يرعى أفراد المجتمع بعضهم بعضا لمواجهة مصاعب الحياة، فيكونون أسرة واحدة، يعين غنيهم فقيرهم، ويساعد قويهم ضعيفهم، ويحنو كبيرهم على صغيرهم، ويشترك الجميع في الأفراح والأتراح. إلا أنه بدل أن تنمو هذه الميزة التي تحافظ على اتحاد الأفراد والأسر، بدأت تتلاشى أمام الفردانية التي تنتشر في مجتمعاتنا، رغم أن سكان البلدات والقرى المجاورة لوادي جنجن في الجزائر أثبتوا أن التكافل حل سحري لمواجهة إهمال الحكومة لمتطلبات التنمية في المناطق النائية.
الجمعة 2016/02/12
جَسر الهوة بين طبقات المجتمع

الجزائر - مازالت "التويزة" تشكل أحد مظاهر التكافل الاجتماعي والتضامن بين أبناء البلدة الواحدة، لما تتخلف السلطات عن أداء واجبها تجاه السكان بتوفير مختلف الخدمات والتكفل بالانشغالات اليومية، وتتجلى في ذروة المواسم الجماعية، حيث لا مناص لهؤلاء من اللجوء إلى "التويزة"، كواحد من الحلول الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال للتعاون والتضامن بين الأفراد والأسر لقضاء حوائجهم وترويض إكراهات الحياة.

شكل "معبر الشعب" نموذجا حيا للتكافل الاجتماعي بين الجزائريين، حينما غابت الحكومة عن أداء دورها في التكفل بانشغالات سكان المناطق النائية في الجزائر العميقة، لتعود بذلك روح التآزر والتطوع من أجل خدمة الصالح العام، والاعتماد على النفس بدل انتظار تدخل السلطات، الذي تأخر في عصر الريع، فكيف يكون حاله والبلد برمته في أزمة خانقة.

وتحتفظ العديد من المناطق الجزائرية بعادات وتقاليد حافظت على رسوخها وتجذرها، ولم تؤثر فيها تبعات الزمن والتطور التكنولوجي، فمع كل موسم حصاد أو جني محصول، أو خدمة جماعية، تظهر "التويزة"، كوسيلة لاحتواء الموقف، فلما يعجز الفرد تتدخل سلطة الجماعة، وتتجلى روح التضامن والتكافل كقيمة أخلاقية وموروث اجتماعي يصطلح على تسميته بـ”التويزة”.

وانتهى سكان البلدات والقرى المجاورة لوادي “جنجن”، بمحافظة جيجل ( 300 كلم شرقي العاصمة )، من إنجاز المعبر الذي يقطع الوادي وينهي معاناة السكان مع أخطار اجتيازه، فبعد شهر من الأشغال المتواصلة والاعتماد الكلي على إمكانيات السكان البسيطة بما فيها الجانب المالي، تم تدشين المشروع الذي يربط الضفتين في حفل غير مسبوق أثار اهتمام وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

وتحتفظ ذاكرة السكان بمحطات مرعبة، صنعتها قصص تراجيدية لغرق أكثر من 30 شخصا في الوادى المذكور أثناء مواسم الفيضان، بما أن السكان ليس لهم خيار إلا اجتيازه سيرا على الأقدام لمزاولة الدراسة، أو لقضاء حوائجهم في كلتا الضفتين.

"معبر الشعب" يمتد على طول 40 مترا وبعرض متر، كلف السكان حوالي عشرة آلاف دولار، وشهرا من التطوع في الإنجاز

ويقول الإعلامي محمد بولوارت أصيل منطقة جيجل إن “وادي جنجن ظل يشكل شبحا للسكان، فهناك أكثر من 30 شخصا قضوا فيه أثناء الفيضان أو عند محاولات اجتيازه، ورغم الاستنجاد بالسلطات المحلية لإنجاز معبر يريحهم من الخطر، إلا أن طلباتهم ظلت حبرا على ورق، وهو ما دفعهم مؤخرا إلى الاعتماد على أنفسهم سواء في الإنجاز أو الهندسة أو التمويل، لتبقى العملية شاهدا على قيمة التضامن والتطوع والاعتماد على النفس، وشاهدا أيضا على تملص الحكومة من مسؤوليتها”.

وأضاف “هناك تباين واضح بين وتيرة التنمية وعدم تكافؤ الفرص بين ربوع البلاد، حيث تركز السلطات جهودها على المدن الكبرى، بينما يتم التغاضي عن الكثير من المناطق الداخلية، وهو ما أعاد روح التطوع والتآزر الشعبي والاعتماد على النفس لتوفير الخدمات الضرورية”.

وحسب مصادر محلية، فإن المعبر الذي يمتد على طول 40 مترا، وبعرض واحد متر، كلف السكان حوالي عشرة آلاف دولار، وشهرا من التطوع في الإنجاز الذي أفضى إلى معبر بمواصفات هندسية لا تختلف عن المشروعات التي تنجزها الشركات المختصة، وساهم فيه فنيون وعمال إضافة إلى تبرعات سكان البلدات المحيطة بالوادي.

وتضيف المصادر أن المشروع أنجز بناء على مخطط هندسي كان في أدراج البلدية، ورصع مدخله بلوحة نحتت عليها أسماء الضحايا الذين قضوا في وادي جنجن، وأعلنت احتفالات الزغاريد والبارود عن طي حقبة الكابوس والخطر الجاثم، وبدء حقبة الحلم الذي راود سكان المنطقة منذ عقود؛ فبعد اليوم لن يتأخر طفل عن جرس المدرسة في فصل الشتاء، ولن تنزع الأحذية لبلوغ لقمة العيش، ولن يتأخر مريض عن موعد الطبيب.

ورغم تراجع مظاهر التكافل والتطوع في المجتمع الجزائري، بسبب شيوع ريع الدولة، فإن العديد من القرى والبلدات في مناطق القبائل والصحراء، مازالت متمسكة بعادات وتقاليد تشرك جهود السكان في الأعمال النفعية العامة، خاصة إذا تعلق الأمر بجني محصول ما، أو شق مسالك وطرقات أوبناء مساجد أو حفر عيون الماء.

ويقول مختصون إن “التويزة”، كظاهرة اجتماعية وقيمة أخلاقية وموروث اجتماعي، فقدت بريقها في العقود الأخيرة، نظرا لعدة عوامل أبرزها طغيان الروح الفردانية، وتطور التكنولوجيا الذي وفر للإنسان ما يمكن أن يستغني به عن جهد الجماعة، خاصة في النشاط الزراعي، لكن رغم ذلك بقيت راسخة في العديد من الربوع الجزائرية، لأن التضامن بين الأفراد هو ملاذهم الوحيد لمواجهة الإكراهات المنفعية أو الخدماتية، كما هو الشأن مع “معبر الشعب” في محافظة جيجل.

20