التيارات الإسلامية المسلحة تبيّض "جهادها" بالمقاومة والأعمال الخيرية

السبت 2014/05/17
حزب الله فقد الكثير من شعبيته بمساندته لنظام الأسد

بيروت - تمكنت الحركات الجهادية المتشدّدة، وبالتحديد الجماعات المنضوية تحت لواء تنظيم القاعدة أو التي تشاركها الأيديولوجيا والمصالح، من الاستفادة بصورة كبيرة من الاضطرابات التي عمّت المنطقة خلال “الربيع العربي”.

ومن خلال برنامج “الدعوة” في البلدان التي انفتحت أبوابها أمام الجماعات الجهادية، كانت هذه الحركات- بما في ذلك المنظمات الجديدة المعروفة بـ”أنصار الشريعة” في شمال أفريقيا- قادرة على نشر رسائلها وتوسيع قواعدها من خلال تحوّلها إلى حركات اجتماعية.

والدعوة من خلال العمل الاجتماعي والجمعيات الخيرية، تجربة اعتمدتها جماعة الإخوان المسلمين حين تم حظرها في مصر، في الخمسينات من القرن الماضي، وتحولت الجماعة إلى العمل السرّي. وقد تم إنشاء مئات الجمعيات الخيرية والمراكز الاجتماعية في مختلف دول العالم والتي يتستّر خلفها أتباع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

وإذا كان العمل الخيري والاجتماعي هو الطريق الذي سلكه الإخوان لتجنيد الأنصار، فقد اختارت جماعات إسلامية أخرى طرقا أخرى لتسويق أيديولوجيتها واستقطاب المجنّدين، من ذلك شعار “المقامة” الذي رفعه حزب الله، في لبنان، ونجح من خلاله في أن يكتسب قاعدة جماهيرية عربية، (جمعت المسلمين -سنّة وشيعة- وأيضا المسيحيين). ويعتبر حزب الله أفضل مثال يتطرّق إليه المحلّلون للحديث عن آليات التأثير عند الجماعات الإسلامية المسلحة، بمختلف انتماءاتها وأيديولوجياتها وكيف نجحت “المقاومة” اللبنانية في الجنوب أن تبقى لسنوات (2002-2006) بالخصوص، في صدارة حركات “المقاومة” العربية والإسلامية؛ مثلما نجحت الحركات الجهادية، منذ “الربيع العربي” في استقطاب الكثير من الناشطين والتأثير فيهم.

يمثل التورّط المتزايد لحزب الله بسوريا أحد أبرز مسائل النقاش العالمية في 2013 و 2014. فمنذ بداية 2013، يشارك مقاتلو حزب الله، علنا وبأعداد كبيرة، عبر الحدود إلى جانب نظرائهم السوريين والعراقيين. كما مكّنوا النظام من استعادة السيطرة على مناطق الوسط التي يهيمن عليها المتمردون، وساهموا في تحسين فعالية القوات الموالية للنظام. ولم يتجلّ أثر تورّط حزب الله في سوريا على الصعيد الميداني فحسب -حيث يتمتّع التنظيم بنفوذ قويّ في عدّة مجالات-، بل وفي لبنان أيضا، حيث يهدّد التوتر الطائفي أمن واستقرار المنطقة.

سنة 2013، اعترف حزب الله علنا بوجوده في سوريا وواصل تعميق تورّطه في عمليات أرض الصّراع ضمن محور المقاومة. ويتركّز هذا المحور في تحالف تقوده إيران ويتكوّن من جهات فاعلة -حكومية وغير حكومية- في الشرق الأوسط، وهي تسعى إلى مواجهة المصالح الغربية في المنطقة، لاسيما منها المصالح الأميركية والإسرائيلية. تاريخيا، شمل هذا التحالف نظام الأسد في سوريا وحزب الله اللبناني.

طريق التحرر والتحرير لا يمكن أن ترسمه قوى تبطن مشاريع هيمنة داخلية أو خارجية، أو تتحرك بناء عليها

وخلال السنوات الأخيرة، أقحمت إيران أفرادا جددا من الشيعة العراقيين المتشددين في التحالف. وإضافة إلى الأهداف الإقليمية المشتركة لهذا المحور، يمثّل الدعم المتبادل ركنا آخر من أركان التحالف. إذ تزوّد إيران شركاءها الإقليميين بمساعدات مادية ومالية، وتدريبية، من أهمّها مساعدة مالية سنوية بمبلغ 200 مليون دولار، منحتها لسنوات لحزب الله. إثر حرب حزب الله ضدّ إسرائيل سنة 2006، بادرت إيران وسوريا بإمداد حزب الله بترسانة أسلحة أوسع وأكثر تطورا.


نشأة حزب الله


نشأت فكرة حزب الله شبه العسكرية أصلا في السفارة الإيرانية في دمشق عام 1982. وكان هدفها الرئيسي محاربة القوات الإسرائيلية التي غزت لبنان ذلك العام. وأصبح حزب الله يدعم المصالح الاستراتيجية لمموليه الإيرانيين مشكلا جبهة عسكرية مع سوريا وإيران ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى الصعيد الداخلي قاد نهوض الشيعة اللبنانيين، وتحولهم من طائفة تمثل طبقة أدنى إلى أقوى طائفة في البلاد من بعض الزوايا. ويقول مسؤولون أمنيون ودبلوماسيون إن لديه قوة ضاربة دربتها إيران تضم زهاء سبعة آلاف فرد، بالإضافة إلى نحو 20 ألفا من أفراد الاحتياط.

وتمثّل الحرب السورية اليوم تهديدا خطيرا -بل وجوديا- لهذا التحالف الاستراتيجي، بتعريضها لأحد أبرز أعضائه للخطر، خاصّة وأنّه يشرف على حماية قناة الدعم الإيراني لحزب الله. إلّا أنّ إيران لا تستطيع خسارة أهمّ دعم لها في الشام، وحزب الله لا يمكن أن يفقد وسيلة حصوله على الدعم الإيراني والسوري. كما أنّ الحفاظ على محور المقاومة يمثّل كذلك مسألة عقائدية شديدة الأهمية لإيران، من حيث التزامها بتصدير مبادئ ثورتها الإسلامية. لذلك، ستسعى إيران إلى الحفاظ على مصادر دعمها بسوريا.

منذ نهاية حرب يوليو عام 2006، ألقى الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله جميع خطاباته الجماهيرية تقريباً من مكان حصين (مع استثناء وحيد). في مطلع أغسطس 2013، وتحديداً في “يوم القدس″، أقدم نصر الله على الظهور علنا- وهو أمر نادر الحدوث – لحشد أنصاره في ضوء أحد أشد التحديات التي واجهها “حزب الله” منذ نشأته. وقد واجه الأمين العام للحزب تحديات كبيرة في يوم الخطاب، وكذلك هو الحال في الوقت الراهن.

لقد وُجه الاتهام – من قبل “المحكمة الدولية الخاصة بلبنان” ومقرها في “لاهاي” – إلى عناصر من “حزب الله” بالضلوع في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وتم اعتقال آخرين بتهمة التخطيط لشن هجمات إرهابية في نيجيريا، وإُدانة عناصر أخرى منهم بتهم مماثلة في تايلاند وقبرص. وقام الاتحاد الأوروبي بإدراج الجناح العسكري لـ “حزب الله” في القائمة السوداء، كما حظر “مجلس التعاون الخليجي” على الدول الأعضاء فيه تقديم أي دعم للحزب، وبدأ في ترحيل أنصار المليشيا الشيعية المشتبه بهم.

بيد أن كل ذلك لا يُعتبر ذا شأن أمام التحديات الوجودية التي يواجهها “حزب الله” جراء مشاركته الفعالة في الحرب في سوريا. فبوقوفه مع نظام الأسد ومساندته لأنصار النظام العلويين وإيران وحمله السلاح ضد الثوار السُنة، يكون قد وضع نفسه في بؤرة صراع طائفي، ليست له علاقة من قريب أو بعيد بعلة وجود الحزب المزعومة وهي: “مقاومة” الاحتلال الإسرائيلي. وكما قال كاتب لبناني شيعي ساخر بعد يوم من خطاب نصر الله في “يوم القدس″: “إما أن المقاتلين لم يجدوا فلسطين على الخريطة واعتقدوا بأنها في سوريا، وإما أنه قيل لهم إن الطريق إلى القدس يمر عبر القصير وحمص”، وهي مناطق في سوريا قاتل فيها “حزب الله” إلى جانب قوات الأسد ضد الثوار السُنة.

في ذات السياق يقول الكاتب عديد نصار: ليس حزب الله من ابتكر المقاومة في لبنان. لقد وجدت المقاومة الشعبية بصفة عفوية، ابتكرها الشعب وخاضها منذ وجد هذا الاحتلال، كرد شعبي على اعتداءاته المتكررة التي كانت تستهدف المناطق والقرى اللبنانية الحدودية المحاذية لفلسطين المحتلة، والتي طالما أرهقت مواطني تلك المناطق، وتمثلت بإطلاق النار على القرى والحقول وعلى الرعاة والمزارعين والدخول إلى تلك القرى والقيام بعمليات القتل والخطف، ونسف البيوت.. وصولا إلى الاعتداءات المتكررة على الداخل اللبناني بما في ذلك مطار بيروت واغتيال قيادات فلسطينية في قلب بيروت، كل ذلك في غياب كامل للدولة اللبنانية ولجيشها ولوسائل الحماية والدفاع عن المواطنين وأرزاقهم واستقرارهم. استمرت المقاومة الشعبية دون تنظيم حقيقي لعقود. أقام اليساريون والقوميون فصائل صغيرة للمقاومة الشعبية: الحرس الثوري، الحرس الشعبي.

ويشير ماثيو ليفيت، وهو زميل أقدم ومدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إلى أن ” “حزب الله” اللبناني لم يعد “مقاومة إسلامية” خالصة لقتال إسرائيل، بل أصبح ميليشيا طائفية ووكيلاً إيرانياً يقوم بالمزايدة لصالح بشار الأسد وآية الله خامنئي على حساب أشقائه المسلمين.

لذا لم يكن مفاجئا أن تأتي الضربات ضده من دوائر متطرفة أيضا. ففي شهر يونيو الماضي، أصدرت “كتائب عبدالله عزام”، التابعة لـ تنظيم “القاعدة” في لبنان بيانا تحدّت فيه نصر الله ومقاتلي حزب الله بإطلاق رصاصة واحدة على فلسطين المحتلة، وإعلان مسؤوليتهم عن ذلك”. وأضاف البيان أن “باستطاعتهم إطلاق النار على إسرائيل من لبنان أو سوريا، بعد أن رأوا حزب الله “يطلق آلاف القذائف والطلقات النارية على السنة العزل وعلى نسائهم وشيوخهم وأطفالهم، ويهدم منازلهم على رؤوسهم”.

وإذا لم يجد حزب الله حجة إسرائيلية ضعيفة يبرر بها الاحتفاظ بسلاحه بصفته كيانا يقوم بـ “مقاومة مشروعة”، لن يتبقى للحزب الكثير لتبرير وجوده كميليشيا مستقلة تعمل خارج سيطرة الحكومة اللبنانية. ولكن الأسوأ من ذلك هو أنه طالما استمر حزب الله في القتال إلى جانب إيران ونظام الأسد ضد الثوار السنة، سيتم اعتبار حزب الله وبشكل متزايد على أنه قوة طائفية تعمل على تقويض المصالح الأمنية والسياسية للدولة اللبنانية. ويستمر حزب الله في شحذ إمكانياته العسكرية على طول الحدود مع إسرائيل.

اليوم، يواجه “الحزب” هجوماً أكثر شراسة جراء مشاركته في الحرب الأهلية السورية إلى جانب نظام الأسد. ودون وجود الفزاعة الإسرائيلية لتبرير احتفاظ “حزب الله” بأسلحته باعتبارها “مقاومة مشروعة”، فلن يتبقى لـلحزب سوى مبرر ضعيف لوجوده بصفته ميليشيا مستقلة خارج سيطرة الحكومة اللبنانية. والأسوأ من ذلك، طالما استمر حزب الله في القتال إلى جانب نظام الأسد ضد الثوار السنة، فسيُنظر إليه بشكل متزايد على أنه قوة قتالية طائفية تعمل على تقويض الدولة اللبنانية. وفي ظل هذه الظروف، فمن شبه المؤكد أن يعيد حزب الله تركيزه على أنشطة “الوحدة 1800″ في مسعى منه إلى دعم سمعته كمجموعة تركز أساسا على “مقاومة” إسرائيل.


الأيديولوجيا الإيرانية


لقد أتاحت خمسة عشر عاما (حتى 2006) من تغييب الثقافة اليسارية والتقدمية عن ساحة المقاومة، لحزب الله أن يتسلل أيديولوجيا إلى عقول المقاومين، وخصوصا الذين أنشأهم ودربهم في معسكراته وفي إيران على أيدي حرس الثورة الإيرانية، الجهة الأكثر فاشية ورجعية هناك. مما جعله أكثر قدرة على محاصرة الفكر اليساري الثوري، ومكنه من إعادة صياغة “المقاومة” بما يتناسب ومشروعه السياسي، الذي تطور ليصبح مشروعا مافيويا بامتياز.

ولكن التحول السياسي والاقتصادي لنخب حزب الله باتجاهات مافيوية لا يمكن أن يستفيد منها عموم الشعب الجنوبي أو في الضاحية أو في أي من المناطق الشيعية، فالمافيات عموما تحتكر العوائد المادية والنفوذ لمجموعات تتقلص عدديا باستمرار لتصبح في نهاية المطاف مجموعة من العائلات بالغة الثراء في مواجهة القواعد التي يضربها الإفقار والتهميش يوما بعد يوم.

حزب الله عمل على تغييب الثقافة اليسارية والتقدمية عن ساحة المقاومة

وسياسة المافيات حيال الأوضاع الاجتماعية تقوم على الابتزاز في لقمة العيش. وهذا ما يمكن للمدقق ملاحظته اليوم في حرب حزب الله إلى جانب النظام الأسدي ضد ثورة الشعب السوري. فقد استغل حزب الله بؤس وبساطة الآلاف من الشبان، وبالاستعانة بالأيديولوجيا المذهبية التي طالما ضخها في العقول، ليشغلهم بالقتال في سوريا لقاء مبالغ زهيدة.

وفي الوقت الذي تشهد الحدود اللبنانية هدوءا ثابتا من الجانب اللبناني، يذكرنا بالهدوء الذي طالما شهدته جبهة الجولان المحتل على مدى أكثر من أربعة عقود، وعززته رسالة التطمينات التي وجهها حسن نصرالله إلى قادة الكيان الصهيوني بواسطة وزير خارجية روسيا، نرى أن التعديات الإسرائيلية المتفرقة عبر تلك الحدود قد استعادت نشاطها الذي اعتادته المناطق الحدودية فترةَ ما قبل الاجتياح، سواء عبر الانتهاكات اليومية للأجواء اللبنانية، أو من خلال عمليات الخطف للمواطنين أو اجتياز الشريط الحدودي أو التعدي على المزارعين وتخويفهم في أرضهم. وهذه الاعتداءات كانت قد توقفت بالكامل بين عامي 2000 و 2006.

مقارنة سريعة بين سلوك حزب الله حيال المقاومة في لبنان، من جهة، وبين سلوك قوى الإسلام الجهادي حيال ثورة الشعب السوري ومحاولتها القبض على الثورة لخدمة مشاريعها في السلطة، بعد أن نهضت تلك الثورة على مبادئ أساسية أهمها الحرية والعدالة الاجتماعية ومبدأ المواطنة، من جهة ثانية، تؤكد أن كلا الطرفين يعمل على تسخير تضحيات الشعوب لمصالح سلطوية نقيض مصالحها، وأن طريق التحرر والتحرير لا يمكن أن ترسمَها قوى تبطِن مشاريع هيمنة داخلية أو خارجية، أو تتحرك بناء عليها.


إقرأ أيضا:


أنصار الشريعة الذراع الأيديولوجية والمورد البشري لتنظيم القاعدة

6