التيارات الإسلامية تكيّف الحريات في فرنسا لفرض أجنداتها

التخبط الفرنسي وإرجاء الحسم في موضوع الحجاب يدفع تيارات الإسلام السياسي لاستغلال الظرف للمزيد من التغلغل داخل الأوساط الاجتماعية الهشة.
الاثنين 2019/10/21
الحجاب واجهة لتمرير مشروع

باريس- أثار ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة بما فيها المؤسسات التعليمية جدلا واسع النطاق، بعد أن رفض النائب اليميني، جوليان أدول، حضور امرأة محجبة في اجتماع للمجلس المحلي بمنطقة “بورغوني فرانش كومتي”، واستنكر عدد كبير من الفرنسيين المعاملة المهينة للسيدة المحجبة أمام ابنها. ولكنه أثار جدلا آخر أكثر قوة حول الحجاب وارتدائه في بعض الأماكن، خصوصا وأن استفتاء أجري قبل الحادث كشف أن أغلب الفرنسيين يرفضون أن تكون السيدات اللواتي يصاحبن التلاميذ في رحلات من هذا النوع محجبات.

وساهم بث المشهد على جميع القنوات التلفزيونية الفرنسية، في تحويله إلى قضية رأي عام وموضوع نقاش سياسي، رغم كون فرنسا حسمت مسألة علمانية نظامها منذ 1905.

لم يكن الجدل بتلك القوة التي حدثت قبل 30 عاما مع بداية أزمة الحجاب في فرنسا، عندما حاولت ثلاث تلميذات في إحدى المدارس الإعدادية في خريف عام 1989 الدخول إلى المدرسة بأحجبتهن، وانتهى الأمر بعد عقد ونصف العقد بصدور قانون يمنع أي إشارة دينية في الملبس والمظهر في المدارس ويشمل أيضا موظفي مؤسسات الدولة الذين يتعاملون مع الجمهور، فيما يسمح بهذا الملبس في الجامعات وللسيدات اللواتي يترددن على هيئات الدولة لإنهاء معاملات معينة، كجمهور.

وبدا اليوم الجدل الثائر أكثر عنفا، والعبارات الصادرة عن شخصيات رسمية وعامة، قبل أعوام قليلة، لا تصدر إلا عن اليمين المتطرف، ومن جانب آخر نشرت 90 شخصية من الممثلين والمثقفين نداء لرئيس الجمهورية احتجاجا على ما تعرضت إليه السيدة المحجبة.

جماعات الإسلام السياسي في فرنسا تحرص على الاستفادة من مناخ الحريات والثغرات القانونية للترويج لأفكارها المتشددة والمتطرفة
جماعات الإسلام السياسي في فرنسا تحرص على الاستفادة من مناخ الحريات والثغرات القانونية للترويج لأفكارها المتشددة والمتطرفة

لكن وزير التعليم ميشيل بلانكير، وبالرغم من إدانته لإهانة السيدة المحجبة، إلا أنه قال أيضا “إن الحجاب أمر غير مرغوب فيه في مجتمعنا”، كما تدخل وزير الاقتصاد برونو لومير ليعلن أنه لا يعتبر أن الحجاب الإسلامي هو المستقبل المأمول به للثقافة وللمجتمع الفرنسي، كما تصاعدت دعوات البعض لإصدار قانون يمنع الحجاب نهائيا.وهو موقف تماهت معه زوجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي لا تشغل منصبا مؤسسيا داخل الدولة، معتبرة أن المدرسة علمانية وأن عليها أن تخلو من السياسة والدين، في تناسق واضح مع موقفي كل من وزير التعليم بلانكير والاقتصاد لومير.

فيما ذهبت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية سيبيث ندياي، مذهبا آخر مقدمة رأيا مختلفا عبرت فيه عن حق المحجبات في مرافقة أبنائهن في مختلف الأنشطة المدرسية.

وتعبر هذه المواقف المتنافرة عن عنف الجدل الذي أثاره الحجاب هذه المرة في المجتمع الفرنسي، فيما تسعى تيارات الإسلام السياسي لاستغلال هذا التخبط الفرنسي وإرجاء الحسم في موضوع الحجاب وغيره من الموضوعات، مثل قانون مكافحة الإرهاب، للمزيد من التغلغل داخل الأوساط الاجتماعية الهشة وضمن الجاليات المسلمة وبث أطروحاتها ورؤاها الفكرية المعادية للعلمانية وقيم الدولة المدنية.

وتحرص جماعات الإسلام السياسي في فرنسا على الاستفادة من مناخ الحريات والثغرات القانونية للترويج لأفكارها المتشددة والمتطرفة، ما يمثل خطرا حقيقيا على الجمهورية وقيمها وحريات المجتمع وخاصة النساء المسلمات. وتكمن الأذرع الإسلاموية في جماعة الإخوان والسلفيين الذين يتهمون الغرب بالعنصرية، فيما هم يتكئون على مفهوم رُهاب الإسلام (الذي اخترعوه) لمواجهة أي نقد يناقش رواياتهم الدينية.

وسعت هذه التنظيمات منذ الثمانينات عبر تأسيس جمعيات ومنظمات للتغلغل داخل نسيج المجتمع الفرنسي وأساسا الجاليات المسلمة، فكان أن أنشئ في ثمانينات اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا وهو ممثل جماعة الإخوان المسلمين في البلد، والذي تمت هيكلته على يد كل من راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإسلامية، وفيصل مولوي القيادي الإخواني اللبناني. 

ومع مرور الزمن كبر شأن المؤسسة بدعم مالي قطري في أغلبه، وأصبحت فيدرالية تضم العشرات من الجمعيات إلى أن صارت محاورا أساسيا للدولة الفرنسية في تسيير شؤون الإسلام والمسلمين ابتداء من سنة 2003.

يحتل هذا التجمع الإخواني المدعوم من الدوحة مكانا معتبرا في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، تلك الهيئة الرسمية التي أسسها نيكولا ساركوزي سنة 2003 حينما كان على رأس وزارة الداخلية، والتي وصل إلى قيادتها في نهاية شهر يونيو الماضي أحمت أوغراس، ممثل الإسلام الإخواني التركي في فرنسا، المشرف على أكثر من 250 مسجدا وهو إخواني فرنكو-تركي من أنصار رجب طيب أردوغان وحزبه.

ولفترات طويلة أتاحت فرنسا مساحات حرية واسعة لجماعات الإسلام السياسي بمختلف تفريعاتها التي استغلت مناخ الحريات وحق ممارسة العمل لتأسيس جمعيات ومؤسسات تعنى بالعمل المدني، وهي ستارة اتشحت بها لتخفي جوهر أعمالها والتي هي برمتها ليست سوى التفاف على القوانين الرسمية، فيما هدفها المركزي إنجاز مشروعها الكبير، ذلك الذي رسمت خطوطه جماعة الإخوان.

13