التيارات الإسلامية توظف النص لمحو الوطن لصالح نظرية الجهاد

يتشابه الإسلاميون مع الأحبار والرهبان والقساوسة في القرون الوسطى عندما طغوا في تسلطهم على الرعية بمشروعية إلهية مصطنعة، ذلك أنهم استغلوا المعارف الدينية التي لديهم لبسط نفوذهم على العقول التي تتلقى خطابهم وتوظيفها في التوسع بين الناس ونشر وهم أحقية ممارستهم للسياسة من خلال تطويع النص المقدس لخدمة أهدافهم.
الجمعة 2016/02/05
التلازم الوهمي بين الإسلام والسيف

تونس - بالغ الإسلام السياسي في اختراق النص القرآني وحديث الرسول محمد وسلوكه إلى ما بعد التطرف في التأويل، وصولا إلى تحويل تلك النصوص إلى مجرد أطر أيديولوجية لإعادة إنتاج المقولات الدينية الصانعة لوجودهم السياسي. فالإسلام السياسي بذلك ليس سوى تراكيب لغوية مستحضرة من التراث الإسلامي، أعيدت صياغتها لتبرر ممارساتهم في المجال العام، وقد نجحوا نسبيا في إغفال الجمهور المتقبل لخطابهم عن العودة لتلك النصوص (قرآن أو حديث أو سلوك نبوي) للبحث والتمحيص فيها واكتشاف زيف تبريرهم لوجودهم عبر النص المقدس.

البداية في صنع وهم الإسلام السياسي كانت مع توظيف حسن البنا للآية القرآنية “أفضل أمة أخرجت للناس”، فقد استشهد البنا في استنباطه لفكرة “أستاذية العالم” بعدد من الآيات القرآنية تبين أنها أخرجت من سياقها التاريخي وتم تأويلها بطريقة ماكرة لتكون إطارا مفعما بالمشروعية الإلهية لما تدعيه حركة الإخوان المسلمين بأنها الجماعة التي سوف تعيد الخلافة الإسلامية التي سقطت في تركيا على يد مصطفى كمال أتاتورك.

إذ أوّل البنا بطريقته الخاصة الآية 143 من سورة البقرة والتي تقول “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”، وأكد أنها آية من ضمن الآيات التي تعزز مقولة نظرية “خير أمة أخرجت للناس”، ومنها انطلق مؤسس جماعة الإخوان المسلمين نحو بناء تصور سياسي كامل منطلقه ديني وهدفه سياسي ليستميل العاطفة الدينية التي لدى المسلمين في الأقطار المسلمة.

وهذا التأويل في أصله مغلوط، إذ يورد الباحث موسى الفقيه في كتابه “التحريف في الإسلام” أن المنطق لا يمكن أن يقبل أن يكون المسلمون على مدار قرون طويلة (ولا يزال الزمن مفتوحا إلى الآخرة) شهودا على أمم أخرى لم تدخل الإسلام في السابق واللاحق، وكأن الأمر يتعلق بشاهد سوف يشهد في قضية لم ير أي واقعة فيها. فكيف للمسلمين اليوم مثلا أن يشهدوا على “كفر” المسيحيين في القرون الوسطى؟

ويضيف الفقيه أن هذا التأويل يتناقض مع الآية 117 من سورة المائدة التي تقول على لسان المسيح بن مريم “ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد”.

وبذلك فإن رقي الأمة الإسلامية عن باقي الأمم والأديان يبقى مجرد وهم اخترعه أتباع الجماعات الإسلامية لخلق هالة من الطهرية من حولهم حتى يتسنى لهم الادعاء بأنهم حماة الدين الأنقى والأرقى، وهذا ليس سوى الدرجة الأولى في تأطير نظرية الإسلام السياسي التي ترتكز أيضا على ما يسمى الإجماع.

الإسلام السياسي استحدث مشروعا دينيا بكامله قائم على انتقاء قراءات بعينها من التراث الإسلامي

فقد ذهبت بعض التأويلات إلى أن الإجماع على حكم فقهي معين يعد حجة في ذاته. وهذه قاعدة فقهية ابتدعها أهل التأويل قديما لتسهيل العمل ببعض الأحكام، مثل الإمام الشافعي والغزالي وابن الحاجب وغيرهم. لكن أهل الإسلام السياسي جعلوا من الإجماع قوة سياسية مرهونة بيد الجماعة، فالإجماع عندهم مرتبط بالتنظيم السياسي القيادي الذي يتولى العمل على “إقامة الخلافة”، وبذلك فالدين كله مرهون بين أيديهم، وهذا عين التجني على النص.

فقد ارتكزت آراء أهل الإسلام السياسي في مسألة تولي شؤون المسلمين عنوة إلى الآية 59 من سورة النساء التي تقول “ياأيّها الَّذين آمنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرّسول وأولي الْأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إِلى اللَّه والرّسول إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الْآخر ذلك خير وأحسن تأويلا”. ومنذ حدوث الفتنة الكبرى فإن النزاع بين المسلمين مستمر إلى يوم الناس هذا ولا يزال مستمرا، ولعل هذا ما يفسر ذهاب الباحث موسى الفقيه إلى القول إنه لا يوجد إجماع على كل أحكام الإسلام، فالفرق والطوائف والنحل والمذاهب والآراء والأفكار والتعدد في كل ذلك ليس سوى تثبيت لما قاله الله في أن يرد الخلاف له وللرسول (حسب الآية المذكورة من سورة النساء) وليس للجماعة. وهذا ما يسميه أبوالأعلى المودودي في أدبياته بـ“الحاكمية”، أي تنزيل حكم الله على الأرض بوساطة الجماعة، وهذا ما يناقض صريح القرآن.

وبعد أن أراد الإسلام السياسي أن يبني صرحه من خلال فرض مقولة إن المسلمين أرقى الأمم، وبعد أن زاد من تصفية المسلمين ليصطفي جماعة سماها الإسلاميون “أهل الإجماع” لتكون رأس الحل والعقد بين المسلمين بمنطق الاستحواذ على القيادة، سعت الجماعات الإسلامية إلى ممارسة العنف على الآخرين وتبريره من خلال ما تسميه “نظرية السيف” في الإسلام.

فقد ارتكز هؤلاء إلى الآية الخامسة من سورة التوبة التي تقول “فقاتلوا المشركين حيث وجدتموهم” ناسخين بذلك الآية 190 من سورة البقرة التي تقول “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا”. وفي هذا التأويل غير البريء للنص القرآني غايات سياسية واضحة في أن تمحو الجماعة الإسلامية معالم الوطنية والذود عن الوطن دون الاعتداء على الآخرين في قوله “ولا تعتدوا” لصالح نظرية الجهاد التي تتجاوز البعد الوطني لتصل إلى العالمية عبر إباحة قتل الآخر المختلف وتحليل دمه، وهو ما نراه اليوم بوضوح في سلوكات الجماعات الجهادية التي بدأت مع ظهور الإخوان المسلمين في مصر إلى حدود هذه اللحظة والمنتشرة في مواطن كثيرة في العالم.

ما يمكن استخلاصه من خلال الأمثلة الثلاثة البسيطة التي أخذت من النص الديني الإسلامي ومقارنتها بما وثقه الإسلاميون في أدبياتهم، أن الإسلام السياسي استحدث مشروعا دينيا بكامله قائما على انتقاء قراءات بعينها من التراث الإسلامي، وهي قراءات تعتبر اليوم هدفا للنقد من قبل العلماء والمفكرين والفلاسفة العرب لدحض النظرية الإسلامية في الحكم لصالح النظرية المواطنية في الدولة، وليست تلك الأمثلة الثلاثة الواردة سوى القليل مما ادعاه منظرو الإسلام السياسي زورا على الإسلام.

13