التيارات السياسية العربية في الاختبار السوري

الاثنين 2015/12/28

مدهش حقا تناسي بعض اليساريين والقوميين والمقاومين ما فعله نظام الأسد بشعاراتهم، وأحلامهم، وضمن ذلك، مثلا، تناسيهم إيقافه المقاومة من جبهة الجولان، وتدخلاته المضرة في أحوال الفلسطينيين، وهيمنته على لبنان، بعد وقوفه ضد الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وتنظيمه الاغتيالات ضد نخبة من اللبنانيين مثل كمال جنبلاط وجورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني. أيضاً، نسيانهم أنه حول سوريا إلى جمهورية وراثية، وفقاً لشعاره: “سورية الأسد إلى الأبد”، وأنه حكم هذا البلد بواسطة القوة، وأنه سيطر على موارده وهمش شعبه. مدهش حقا كل ما تقدم، والمدهش أكثر من كل ذلك غياب أي حساسية من قبلهم إزاء قتله السوريين وتدمير عمرانهم، بالطائرات والمدفعية والبراميل المتفجرة، في السنوات الخمس الماضية، رغم عدم إطلاقه رصاصة واحدة على إسرائيل منذ أربعين عاما.

وفي الواقع فقد كشف الاختبار السوري مدى العطب أو الخراب الفكري والأخلاقي لدى معظم الكيانات السياسية العربية، وضمنها فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، في مجالين أساسيين: هشاشة إدراك هذه التيارات والفصائل لفكرة الحرية، ومحاباتها الأنظمة الاستبدادية، إن باعتبارها أن الأولوية هي لمواجهة الامبريالية، علما أن هذه مواجهة زائفة، وشكلية، وشعاراتية، وأيضا، بحصرها مفهوم الحرية بمجرد تحرير الأرض، رغم أن هذا التحرير لم يعد مطروحا على جدول الأعمال.

هكذا فنحن في حقيقة الأمر، وفي الحالتين، إزاء تيارات سياسية لا تضع حرية الأفراد ومفهوم المواطنة، في مركز تفكيرها السياسي، ما يفسر لا مبالاتها إزاء كل ما يجري، ويأتي ضمن ذلك اعتبارها الجماهير مجرد أداة، كما يفسر ذلك ضعف حساسيتها إزاء المقتلة الجارية في سوريا، على أيدي النظام وحلفائه الإيرانيين، والروس، فعند هذه التيارات والفصائل ليس ثمة شعب في سوريا، أو أن هذا الشعب لا يستحق حريته، فهذه سوريا الأسد، وهي مجرد ساحة للمقاومة والممانعة لا أكثر.

تبعاً لذلك، لا يتعاطى هذا النوع من اليساريين والقوميين والمقاومين مع إيران، وأذرعها الطائفية والعسكرية مثل حزب الله وكتائب أبوالفضل العباس، مثلا، باعتبارها قوى دينية، وطائفية، وتشتغل على شق المجتمعات العربية، وإنما باعتبارها قوى مقاومة، في حين أن فعل المقاومة ضد إسرائيل لم يعد موجودا، إلا في الشعارات والمهرجانات، ولأغراض الاستهلاك والابتزاز والتلاعب.

على هذا الأساس أيضا، يجري التعاطي مع روسيا بوتين، كأنها هي ذاتها الاتحاد السوفييتي (السابق)، الذي مازال يسكن مخيلتهم أو توهماتهم، في حين أن روسيا بوتين هذه قامت على أنقاض النظام الاشتراكي، وهي تنتهج الاستبداد في السياسة، والليبرالية المتوحشة في الاقتصاد، وتتحكم بطرق مافيوية في إدارة المجتمع. فوق ذلك فهؤلاء يرون روسيا بوتين جزءا مما يسمى محور المقاومة والممانعة، متعامين عن تحالفها مع إسرائيل، وتنسيقها المعلن معها في سوريا، وهو ما أوحت به حادثة اغتيال سمير القنطار، كما يرونها في مواجهة الامبريالية متجاهلين استجداءها الإدارة الأميركية لرفع الحظر التكنولوجي عنها. ولا شك أنهم على هذه الحال لن يرونها تقتل السوريين، رغم 5000 ألاف غارة، طوال ثلاثة أشهر، لم تستهدف خلالها داعش، بقدراستهدافها شعب سوريا، الذي يناهض نظام الأسد؟”، ما يفسر سكوتهم عن جرائمها في هذا البلد.

قصارى القول إن الانفجار السوري كشف، بثمن باهظ، الحال الكارثية التي أوصلتنا إليها أنظمتنا الاستبدادية، وصراعاتنا الأهلية، وهشاشة حركاتنا الوطنية، وخواء تياراتنا السياسية.

كاتب سياسي فلسطيني

8