التيار السلفي في مصر.. الدولة المدنية أو التلاشي

المشاركة السياسية للأقباط امتحان للرؤى السياسية للإسلاميين، وتغيرات مجتمعية أثبتت عجز السلفيين عن تطوير خطابهم.
الأربعاء 2018/09/05
مواطنة الأقباط في مصر اختبار دائم للتيارات الإسلامية

منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وصولا إلى التحولات السياسية العارمة التي دشنتها المملكة العربية السعودية بانتصارها للخطاب الديني المعتدل، يمرّ التيار السلفي المصري بمختلف تياراته وأحزابه، بمنعرج دقيق في تاريخه. إذ وقع هذا التيار بين المقتضيات السياسية والشعبية التي يفرضها الواقع المصري الجديد، وبين مطالبات قواعده، والقواعد الإسلامية بشكل عام، وهو مطبّ اضطرّ فيه التيار السلفي المصري إلى الوقوف بجنب القيادة السياسية المصرية أحيانا أو الانحناء حتى تمرّ العاصفة أحيانا أخرى، وفي كل الحالات فإن اختبارات مريرة مطروحة أمام هذا التيار الذي أصبح مدعوّا إلى أن يستجيب لواقع جديد لم يعد يقبل بوجود الأحزاب الدينية.

القاهرة - مرّ تعيين القبطيين، منال وشاروبيم، على رأس إقليمين في حركة المحافظين الأخيرة بمصر، من دون ضجيج أو احتجاج من قبل التيار السلفي، عكس ما قامت به عناصر هذا التيار من رفض وغضب ضد تعيين اللواء مجدي أيوب، أول محافظ قبطي في مصر عقب ثورة 25 يناير 2011. وبرهن الاختيار الأخير وردّ الفعل الصامت تجاهه على الوزن الحقيقي للسلفيين في مصر، وعدم قدرتهم على تحقيق تأثير في الشارع حاليا.

كشف اختيار أجهزة الدولة لقبطيين لأول مرة في تاريخ مصر، عن عمق العجز السياسي والاجتماعي الذي تواجهه الجماعات السلفية، بعد أن كانت رأس حربة تعصف بأي محاولة لتولّي رجل قبطي أو سيدة قبطية منصبا رفيعا.

اختار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، منال ميخائيل محافظة لإقليم دمياط المطل على البحر المتوسط، وكمال جاد شاروبيم كمحافظ للدقهلية (شمال القاهرة)، دون ضجيج، ولم تتاجر وسائل الإعلام المصرية بهذه الخطوة السياسية، ومضت كأنها أمر عادي بين المسلمين، لكنها عكست دلالات كبيرة لدى الأقباط، وعززت التوجهات الرسمية حيال ترسيخ مسألة المواطنة، وأزالت هواجس سابقة كانت تردد أن الأقباط محرومون من المناصب القيادية.

تحولت اختيارات المحافظين في مصر إلى وحدة قياس مباشرة لمدى قبول أو رفض المجتمع للشخصيات التي تشغل هذا المنصب، سواء من الجنرالات أو الأقباط، وإذا كان الفريق الأول يتم القبول به استنادا إلى توافر صفات الحسم لدى العسكريين، فإن الفريق الثاني لا يزال في بدايته، وبحاجة إلى خطوات كبيرة وقوية لتعميم التجربة، والتأكيد على عدم امتلاك السلفيين لأي فيتو حول هذه الطريقة.

تراجعت قوة السلفيين في المجتمع، وأضحت فئات كثيرة فيه تنفر ممن يميلون نحو الإسلام السياسي، بعد تجربة مريرة خاضتها البلاد خلال عهد الإخوان الذي لم يتجاوز العام، لكنه ترك آثارا سلبية، وكان كفيلا بعدم انسياق المواطنين وراء الشعارات الخادعة.

لم يعد التيار السلفي يتمتع برفاهية إبداء الرفض أو الإعلان عن تحفظ ضد قرارات تخالف الشريعة الإسلامية من وجهة نظره، أو حتى التلويح بتحريك جموعه ومناصريه في الشارع لفرض رغباته، مقارنة بحال التيار السلفي عقب ثورة 25 يناير 2011.

تحمل الواقعة الشهيرة، التي حاصر فيها سلفيون مقر محافظة قنا (جنوب مصر) لمنع المحافظ القبطي مجدي أيوب من استلام مهام عمله في عهد حكومة عصام شرف في أبريل عام 2011، أكبر دلالة على الصدع الذي ضرب الحضور السلفي، فمن قاوموا التعيين لم تعد لديهـم قـوة تمكنهم ولـو لإبـداء الـرأي صـراحة في تعيين قبطيين على رأس إقليمين مهمين.

جاء اختيار المحافظتين في الوجه البحري لمصر لتكونا تحت إدارة قبطيين كنوع من الاختبار وربما التدرج في توسيع التجربة وفقا للكفاءة ومواءمات المجتمع، وليس خافيا أن هاتين المحافظتين زاخرتان بتواجد نسبي للتيار السلفي، ما يعني أن الحكومة لم تعد تعبأ بهؤلاء، لأنهم فقدوا بريقهم الذي جلب لهم فئة من الجمهور انجذبت للخطاب الإسلامي العاطفي.

انكشف وزن التيار السلفي في مصر بعد عزل جماعة الإخوان عن السلطة، كأحد انعكاسات الضعف العام لدى الإسلاميين، الذين تصوروا أن صعودهم السياسي عبّر عن ديمومة طويلة، لذلك انهاروا عند أول محك حقيقي مع الشارع، وفقدت أفكارهم رونقها.

سعى التيار السلفي لإظهار نفسه، بعد سقوط الجماعة، كعامل دعم سياسي للدولة ومؤسساتها في مواجهة خيارات الإخوان، لكن انحيازه أتى على خلفية حسابات براغماتية مستندة لبعض الآراء الفقهية على سبيل “التقية” الشيعية، والتي من السهل تبني نقيضها إذا تغيرت المصالح، وتبين أنه تيار جامد وغير قادر على تطوير منهجه المتطرف.

انقسام السلفيين وجمود رؤيتهم للديمقراطية والدولة المدنية والمشاركة السياسية، يبينان أنهم فقدوا الكثير من قوتهم

لعب هذا التيار طوال السنوات الماضية بورقة افتراضية، تقول إنه بات بديلا لجماعة الإخوان، وحاول العزف على وتر أنه من المناسب ديمقراطيا الحفاظ على حضوره بهدف البقاء في المشهد، في وقت لم تتغير قناعاته التقليدية التي يعلنها قادته نحو الواقع المصري.

أصبح حزب النور، الممثل السلفي في المشهد السياسي، رقما على الهامش إلى الحد الذي تمنى معه الكثير من دعاته العودة إلى ما قبل الانخراط في السياسة التي رفضوا التعامل بآلياتها ما يزيد عن ثلاثين عاما، أي منذ تأسيس تيار الدعوة السلفية بمدينة الإسكندرية الساحلية، في أواخر السبعينات من القرن الماضي.

أثبتت الممارسات والمحكات العديدة عجز التيار السلفي عن تطوير خطابه وتفكيك قناعاته الأيديولوجية، وبدت توجهات الحكومة المصرية تميل ناحية غلق الطريق السياسي أمام السلفيين، بعدما استنفدوا الغرض من وجودهم عقب إقصاء الإخوان، وفقدوا جانبا كبيرا من قوتهم المادية والمعنوية في المجتمع، إلى الدرجة التي عادوا فيها إلى ما كانوا عليه قبل خروجهم من القمقم مع هبوب رياح ثورة 25 يناير 2011.

ينظر السلفيون في مصر إلى العلاقة مع الأقباط كثابت عقائدي وليس من منظور وطني، ويتشككون في ولائهم للوطن، ويعتقدون أنهم أقرب إلى الغرب، بحكم الديانة المسيحية من المسلمين المصريين والعرب، وقسموا المجتمع إلى مسلم وغير مسلم، الأمر الذي لا يسمح بتنوع البناء الاجتماعي طبقيا، وتحوّل الاختلاط وتبادل التهاني وغيرهما من مظاهر المودة، لموالاة عقائدية لغير المسلمين.

في أعقاب تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر عام 2016، طالب أحد قيادات حزب النور بعدم الدعاء لضحايا الاعتداء الدموي بالرحمة، معتبرا أن الدعاء لا يصح شرعا إلا للمسلم، وهو وحده الذي يستحق نيل وصف “الشهيد”.

ورفض سلفيون عبر فتاوى منشورة على مواقعهم ومنتدياتهم على الإنترنت ومنسوبة لقادتهم ومشايخهم كل أنواع الولاية للأقباط، سواء عضوية مجلس النواب أو منصب المحافظ.

تعامل منظرو التيار السلفي مع الأقباط في ذلك الوقت من منطلق مفهوم الولاء والبراء الديني، بذريعة أن محبة المسيحيين (الأقباط) محرمة شرعا. وعلل ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، موافقتهم على بناء الكنائس بالتصديق على مواد دستور عام 2012 الخاصة بدور العبادة وعدم أخذ الجزية من الأقباط، بضعف المسلمين وتدهور أحوالهم في الوقت الحالي، مع الاحتفاظ بقناعة إباحة هدم الكنائس، ما لم يتسبب ذلك في ضرر للمسلمين، كأن يُستغل ذلك ذريعة للتدخل الخارجي بزعم اضطهاد الأقباط. أغرت هذه القناعات بعض الأطراف ووجدت أن السلفية، بمختلف أطيافها، غير عصية على التوظيف السياسي والاختراق، لأنها تفتقد للبناء المنهجي الشامل الذي من شأنه إسناد رؤية سياسية واضحة ومحددة التوجه.

المشكلة أن السلفيين حاليا، فقدوا قوتهم الروحية، ولم يعد لهم حضور حقيقي في المجتمع، كما أن ميولهم السياسية الانتهازية فضحتهم، لذلك تجاهلوا الموقف من تعيين المحافظين القبطيين، خوفا من فتح أبواب الانتقادات عليهم، وتأليب السلطات الأمنية عليهم، والتي أحكمت قبضتها على التيار الإسلامي، وفي المقدمة منه السلفيون.

بالنظر إلى اتساع نطاق انقسام السلفيين وجمود رؤيتهم إلى الديمقراطية والدولة المدنية والحريات والمشاركة السياسية للأقباط والمرأة، يتبيّن أنهم فقدوا الكثير من قوتهم، والتي جعلتهم يلتزمون الصمت، على الرغم من حـدوث تطورات سياسية ومجتمعية نوعية تسير في اتجاه معاكس لتوجهاتهم.

أدركت الحكومة المصرية أنها تتعامل مع حالة معقدة من جهة الأيديولوجيا والأفكار، وأن مخالفة السلفيين نسبيا لخيارات الإخوان السياسية لا تعني أنهم أصبحوا محصنين من التغيير، ولن يطالهم الاختراق وتفريغ قاعدتهم الجماهيرية، وجاء صمتهم التام على تعيين قبطي وقبطية كمحافظين لينهي مفعول الفيتو الذي روّج له السلفيون طويلا.

13