التيار المحافظ في إيران يحن لاقتصاد المقاومة

وجه المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي سهام النقد للرئيس حسن روحاني، واستغل بطء وتيرة التعافي الاقتصادي في البلاد رغم رفع العقوبات المفروضة لضرب حظوظه في الانتخابات الرئاسية التي من المنتظر أن تجرى في إيران في شهر مايو المقبل؛ وتأتي هذه الانتقادات ضمن مساعي معسكر المحافظين لعرقلة خطوات الرئيس روحاني نحو ولاية ثانية بتوجيه انتقادات لسياسة حكومته الاقتصادية.
الجمعة 2017/03/10
الاستثمار في الأزمة

طهران – انتقد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بطء وتيرة التعافي الاقتصادي في البلاد رغم رفع العقوبات المفروضة عليها ودعا حكومة الرئيس حسن روحاني لتحقيق المزيد من الاكتفاء الذاتي، في خطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها إيران في التاسع عشر من مايو القادم.

بدا المرشد الأعلى الإيراني، الذي يسيطر على إمبراطورية مالية ضخمة، وكأنه يتحدث بلسان حال الملايين من الإيرانيين، الذين كانوا يتطلعون إلى توقيع الاتفاق النووي وإلغاء العقوبات على أمل أن يحسن ذلك من حال الاقتصاد وحالهم، وهو الأمل الذي انتخب بموجبه الأغلبية الرئيس المحسوب على تيار الاعتدال حسن روحاني.

وكشفت تصريحات خامنئي رغبته في تطويق شعبية روحاني المنتمي للشق الإصلاحي المعتدل وإضعافها بغية عرقلة ترشحه للانتخابات الرئاسية الإيرانية، مستغلا حدثين رئيسيين قد يؤثران على حظوظ المعتدلين في الانتخابات، وهذان الحدثان هما وفاة علي أكبر هاشمي رفسنجاني، التي تركت فراغا هائلا في أعلى سلم المعسكر المعتدل والإصلاحي وموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي وخطة العمل المشترك الشامل.

وسجل في 9 فبراير 2017 أقوى رد فعل على الموقف الأميركي، حين أعلنت الشركة النفطية الفرنسية طوطال أنها لن تمضي قدما في تنفيذ مذكرة تفاهم للاستثمار في حقول النفط الإيرانية إلى أن تتوضح رؤية ترامب ومستقبل قرار إسقاط العقوبات الذي أمضاه الرئيس باراك أوباما، ولن يتم ذلك قبل الصيف القادم.

وتقول مجموعة الشرق الاستشارية (ميدل إيست بريفينغ)، ومقرها واشنطن، إنه إذا لم تجدد الولايات المتحدة قرار إسقاط العقوبات فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير على استعداد البلدان الأوروبية للاستثمار في إيران.

وكان خامنئي وجه انتقادات إلى روحاني في فبراير الماضي بسبب الركود والبطالة وتدهور الأحوال الاقتصادية. وقال إن “البطالة والركود الاقتصادي والتضخم، هي عوامل قد تحدد نتيجة في الانتخابات”، ومازالت مشكلات كبرى في الأشهر الأخيرة لولاية روحاني الأولى البالغة مدتها 4 سنوات.

شعبية روحاني وجهوده لإنهاء العزلة الاقتصادية لإيران تقلق تيار المحافظين الذين يخشون فقدان السلطة

اقتصاد المقاومة

خلال سنوات العقوبات، كان خامنئي يدفع إيران دائما في اتجاه الاحتمال الذي طالما تبنّاه والذي يقوم على إنشاء اقتصاد المقاومة لمواجهة العقوبات الغربية المفروضة على البلاد بسبب برنامجها النووي. وأعاد المرشد الأعلى التذكير بهذه الاستراتيجية في خطابه الذي انتقد فيه الرئيس روحاني حين قال “الحكومة اتخذت خطوات مهمة لكن إذا كان اقتصاد المقاومة قد طبّق بالكامل وعلى نطاق واسع كنا سنشهد تغيرا ملموسا في حياة الناس“.

وعلى مدى السنوات التي أعقبت فرض العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، ظلت مفاهيم الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس تحتلّ جانبا راسخا في عقيدة المحافظين الإيرانيين. ومنذ ثمانينات القرن الماضي حافظ المتشدّدون على اعتقادهم، الذي شكّل ركيزة أساسية في رسم السياسة الخارجية لطهران، بأن الثورة الإيرانية هي “إنجاز تاريخي لا يمكن للولايات المتحدة أن تقبل به”.

وعلى نفس الخط، يروّج المتشددون في إيران إلى أن القوى الغربية تعكف على التآمر دائما ضد “دولة إسلامية لا تستطيع التحكّم فيها، ومن ثم اتجهوا إلى معاقبتها”، وقد خدمهم في هذا السياق فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، فالمتشددون لم يكونوا مؤيدين بشكل مطلق لتوقيع الاتفاق النووي، الذي سعى إليه حسن روحاني.

وفي فبراير الماضي، أشارت تقارير وردت من داخل إدارة ترامب إلى أن هناك دفعا من أجل وضع الحرس الثوري الإيراني على لائحة التنظيمات الإرهابية الأجنبية. وبالرغم من أن هذه الخطوة لم تتخذ ومازال الجيش الأميركي يناقش إسقاط العقوبات هذا، فإن التهديد، إضافة إلى قيام إدارة ترامب “بتوجيه تنبيه إلى إيران” استعمله المتشددون للتشكيك في مصداقية روحاني قبل انتخابات مايو.

وقالت وسائل إعلام موالية لمعسكر الأصوليين، إن انتخاب ترامب سدد ضربة موجعة لأولئك في إيران الذين يفضلون التعامل مع الغرب. وتؤمن تيارات المحافظين الإيرانيين أن العزلة هي الأداة الأنجع للحفاظ على الهوية الأيديولوجية لإيران. وأثارت شعبية روحاني وجهوده لإنهاء العزلة الاقتصادية والسياسية لإيران ذعر تيار المحافظين الذين يخشون فقدان السلطة ويطمحون إلى استعادة منصب الرئاسة؛ لذلك اصطف تيار المحافظين في جبهة واحدة هي “الجبهة الشعبية للقوى الجمهورية الإسلامية”، في حشد جميع الناخبين المحافظين خلف مترشّح وحيد في الانتخابات الرئاسية القادمة.

تصريحات خامنئي تكشف رغبته في تطويق شعبية روحاني المنتمي للشق الإصلاحي المعتدل وإضعافها بغية عرقلة ترشحه للانتخابات الرئاسية الإيرانية

يتطلب الأمر عدة أشهر قبل توضيح ملامح الانتخابات الرئاسية الإيرانية، حيث تبدأ عملية التسجيل الرسمي للمترشحين للرئاسة لدى مجلس صيانة الدستور في الحادي عشر من أبريل. وبعد أسبوع، يعلن المجلس عن المترشحين المقبولين ويتم التصويت بعد 24 يوما. ويذكر أن أعضاء المجلس يعينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، لذلك فإن المجلس في قبضة المحافظين.

من يملأ فراغ رفسنجاني

وقبل الغوص في تفاصيل الصراع على الانتخابات الرئاسية في الفترة القادمة، تلوح مسألة أهم في الأفق الراهن وهي: من سيبرز ليحل محل رفسنجاني باعتباره الشخصية القيادية التي تدافع عن موقف المحافظين المعتدلين والإصلاحيين.

يشير تقرير لمجموعة الشرق الأوسط الاستشارية إلى أن هناك أربعة أسماء تظهر كخلفاء محتملين لرفسنجاني في هذا المنصب الحيوي، بالرغم من كونه منصبا غير رسمي، وهم: الرئيس حسن روحاني وسيد حسن الخميني، حفيد آية الله الخميني، وعلي أكبر نتاغ نوري، الذي يرأس حاليا مكتب التفتيش للمرشد الأعلى علي خامنئي، ورئيس المجلس علي لاريجاني.

من نواح كثيرة، يعتبر علي لاريجاني هو المرشح الأقوى؛ فبعد أن شغل منصب رئيس لمجلس الأمن القومي، انفصل لاريجاني عن الرئيس أحمدي نجاد وبدأ في الميل نحو مواقف أكثر اعتدالا.

وعندما ترشح لإعادة الانتخاب للمجلس في سنة 2016 صرح لاريجاني أنه لا ينتمي لأي جهة (بالرغم من أن الإصلاحيين وضعوه على لائحتهم) لكنه تمتع بمساندة قوية من رفسنجاني. وساند رفسنجاني إعادة انتخابه بصفته رئيسا للمجلس على حساب المرشح الإصلاحي محمد رضا عارف. ويذكر أن لاريجاني مقرب من كل من الحرس الثوري الإيراني والمرشد الأعلى.

تشغل مسألة من سيأخذ مكان رفسنجاني بال الإصلاحيين الذين يتعرضون لضغوط كبيرة. وطرحت مجموعة من الإصلاحيين فكرة تأسيس مجلس متكون من أربعة رجال لتنسيق الجهود بين المعسكرين المعتدل والإصلاحي متكون من الأفراد الأربعة المذكورين سابقا.

6