التين الشوكي كرم الطبيعة على الفقراء والأغنياء في المغرب

تعلم الفقراء في كل المجتمعات تدبير أمورهم الحياتية من خلال خبراتهم الذاتية، وراكموا تجاربهم لتوفير ما يحتاجونه من غذاء لهم ولأطفالهم مستندين على ما تجود به عليهم الطبيعة، لأنها أكرم من الجار الغني، وفي الطبيعة وجدوا الغذاء والدواء بما وفرته من نباتات وثمار، فالتين الشوكي ثمرة وغذاء ودواء لا تتطلب عناية ولا تسميدا، وقطافها لا يكلف ثمنا رغم أنها أصبحت تباع وتشترى في المغرب وبلدان شمال أفريقيا، ولكن ثمنها مازال زهيدا.
السبت 2016/08/13
يملأ البطن ويروي العطش

الرباط - “الهندية” ثمرة أُطلق عليها الكثير من الأسماء، كالصبار في سوريا والعراق، والبلس في اليمن، والبرشومي في السعودية، والتين الشوكي في مصر وكرموس النصارى في ليبيا والهندي في تونس والجزائر.

ثمرة يبدأ موسم قطافها في مايو ويستمر طيلة فصل الصيف، وهي كثيرة الفوائد الطبية والغذائية، ينتشر بائعوها في الكثير من الأسواق والمحلات والحواري الشعبية بعربات متنقلة أو يستقرون خلف بسطات ثابتة.

في المغرب لها عدة أسماء كالهندية، أكناري، ثاهندشث، الزعبول، وإيقوران، ويتناولها المغاربة في الأيام الحارة من الصيف بمختلف المدن. وثمرة التين الشوكي فاكهة الأسر الفقيرة، لأنّها زهيدة الثمن، فالواحدة منها تباع بنصف درهم (الدولار 9 دراهم).

الهندية تؤكل على قارعة الطريق قرب بائعها الذي يقشرها للزبون لسمك قشرتها الخارجية والمغطاة بالأشواك، بعدما يزيلها بسكين حادة، وقد ارتدى قفازات سميكة للحفاظ على كفيه من وخزات الأشواك المؤلمة.

ثمرة طيبة المذاق يشتريها الفقراء والأغنياء، ومن يعرف فوائدها، لا يضيع فرصة تناول عدد منها، وإن كان في الطريق العام، ولا يكتفي البعض بتناولها بل ويحمل معه كميات مُقشرة منها إلى البيت.

روى الحاج سي محمد قاسمي (70 عاما) لـ”العرب” أسطورة أمازيغية حولها، وكيف ظهرت كنبات طبيعي في المغرب، قال “إن سيدا صالحا أراد أن يحيط بستانه بسياج يمنع الحيوانات والدواب من الدخول إلى أرضه. فطلب من الله تعالى أن ينبت حول مزرعته ما هو مفيد لها كسياج، ويكون ثمرها غذاء ودواء. بعد مدة قصيرة نبتت حول مزرعته شجيرات الصبار الشوكية، فمنعت دخول الحيوانات إلى مزرعته بسبب أشواكها، وأثمرت هذه الشجيرات بعد ثلاث سنوات ما أطلق عليه الناس ثاهندشث، كانت الثمرة طيبة المذاق ووجد فيها العشابون ما يغني صيدلياتهم لعلاج مختلف الأمراض”.

وقال عيّاد مرزوق (30 عاما) بائع متجول للهندية “بعد صلاة الفجر أتوجه بحماري صوب مدينة سلا لأقطف ثمرة التين الشوكي التي تنتشر في منطقة السهل، وأقطع مسافة على مدى عدة قرى حتى أصل منطقة بوقنادل، ومرات أقطفها من مناطق سيدي طيبي على طريق مدينة القنيطرة”.

فوائد طبية وغذائية لا تقدر بثمن

ويضيف مرزوق “شجيرة الصبار نبتة طبيعية تنمو من دون رعاية أحد، وتتغذى على التربة ولا تحتاج إلى تسميد، وتستفيد من الشمس، وما تجود به السماء من مطر لتثمر ما يملأ البطن ويروي العطش ويفيد الصحة، ولا تكلف جهدا أو مالا، فهي عطاء من الله إلى للمغاربة”. واستطرد متحدثا عن هموم مهنته قائلا “إن السلطات تعتبر عمله غير قانوني، فهو يمارس تجارة غير قانونية إذ لا يملك رخصة ولا يدفع الضرائب، لذلك يظل طوال فترة عمله اليومية يخشى مصادرة بضاعته وحماره في حال القبض عليه”.

ترى فاطمة الزهراء زكريا وهي ربة بيت أنّها تحرص على شراء ثمار التين الشوكي، بعدما يقوم البائع بتقشيرها لها ويملأ كيسا منها يكلفها ما يعادل أقل من دولار أميركي واحد. وتقول فاطمة إنها تقوم بغسل الثمار في البيت لضمان نظافتها، وبعد ذلك تضعها في الثلاجة لتبرد وتقدمها للأسرة وقت العصر، لكنها تتفادى تقشيرها لأن أشواكها الخارجية مؤذية، كما أن صلابة القشرة الخارجية تحتاج إلى مهارة لفصلها.

ويرى محمد الشياظمي (موظف) أنه يفضل أكل هذه الثمرة على قارعة الطريق، فهو يرى أنّ طعمها يتغير إذا مرت على تقشيرها فترة طويلة، يقول ضاحكا “أفضل أكلها ساخنة على عكس الآخرين الذين يفضلونها باردة”.

وقال منصور العوينة (30 عاما يعمل في تعاونية لعمل المربى من الفواكه الفصلية بسلا) “في موسم القطاف نعمد قبل كل شيء إلى عزل البذور عن لبّ الثمرة. فالتعاونية معنية بالحصول على بذور التين الشوكي السمراء للحصول منها بعد عصرها على زيتها، وهو نافع صحيا، ويستخدم كمزيل لتجاعيد الوجه، ويُسرع في التئام الجروح، ويفيد النساء بعد الولادة، ويستخدم في مستحضرات التجميل، ومعالجة الأمراض الجلدية، ويباع اللتر الواحد منه بأكثر من ألف وخمسمئة دولار. ويستفاد من الصبار، حيث تستحضر منه عصائر يستخدمها العشابون لمعالجة السكري والضغط المرتفع والشقيقة، أما لبّ الثمرة الحلو، فنصنع منه المربى الذي يباع في عبوات زجاجية”.

زيت بذور التين الشوكي يستخدم في مستحضرات التجميل كمزيل لتجاعيد الوجه، ولأنه يسرع في التئام الجروح، كما يفيد النساء بعد الولادة

وقال طبيب التغذية بمستشفى ابن سينا بالرباط هشام فنيش حول أهمية الهندية الصحية “انتقلت زراعة الصبار إلى المغرب من أميركا الشمالية ومن شمال المكسيك عبر التجارة، ووجد الأطباء أن ثماره تحتوي على المعادن المهمة التي يحتاجها الجسم كالكالسيوم والفسفور والحديد، كما تحتوي في 18 بالمئة من وزنها على الأحماض الأمينية، كالأرجنين، ميثيونين، لايسين، ثريونين وغيرها، وهي مصدر مهم لأحماض؛ فالين وليوسين والتربتوفان. وتغطي حبة واحدة من الثمرة حاجة الجسم ليوم كامل، حيث تحتوي مجموعة من فيتامينات (أ) و(ب 1) و(ب 2) و(ب 12) و(س) و(د)، ما يمثل 20 بالمئة من وزنها و12 بالمئة سكريات و2 بالمئة بروتينات”.

وأضاف فنيش “التين الشوكي يمثل غذاء كاملا، لذلك يوصي أطباء التجميل بالاكتفاء بأكل الثمرة وحدها في عملية التنحيف اللازم للجسم، وهي تقوم بتسريع هضم المواد الدهنية، وتمنع عسر الهضم، وكذلك تقوم بذورها السمراء بتنظيف الجهاز الهضمي من الفضلات، فالتين الشوكي منشط لجدران المعدة والأمعاء، وهو أفضل من جميع العقاقير الطبية لتنظيف الأمعاء من الفضلات وإزالة الإمساك”.

ويضيف “إن التين الشوكي مطهر طبيعي للفم، ويوصف لإزالة رائحة الفم، ويخفض ضغط الدم المرتفع، وينقص من نسبة السكر في الدم، ويفيد في تهدئة الجهاز العصبي، لاحتوائه على نسبة مهمة من البوتاسيوم، كما يعالج مختلف التشنجات العضلية، ويزيد في كفاءة الكليتين، وينظف المثانة من أي طفيليات مضرة”.

20