التّكفير حيلة فقهية لاكتساب شرعية سياسية

الخطاب التكفيري يعتبر ظاهرة تاريخيّة اعتمدها أصحابها لفرض سلطتهم الرمزيّة على الآخرين وجعل آرائهم رافدا سماويّا وحكما إلهيّا لا اعتراض عليه.
الأربعاء 2020/02/12
مغالاة تدنس المقدس

تستدعي الأصولية الإسلامية في مراحل تاريخية معينة ولغايات مصلحية سياسية أو دينية مفاهيم وتأويلات فقهية، مفارقة وخارج سياقاتها الزمانية والمكانية كآلية أيديولوجية للفرز والتصنيف والاستبعاد والتقريب. ولعل مسألة التكفير مثال على الاستخدامات المشوهة لمفاهيم وردت ضمن سياقات محددة في النص الديني من قبل الإسلاميين من أجل غايات سلطوية بحتة. وفي هذا السياق يرصد الباحث التونسي عمار بن حمودة ضمن كتابه “التكفير في الخطاب الإسلامي القديم” نشأة المفهوم تاريخيا ويكشف آليات التلاعب والتحولات الكبرى التي شهدها.

القاهرة- تعد الفترة النبوية اللحظة المرجعية التي تأسّست فيها ثنائية الكفر والإيمان، لذلك شكّلت مقصد الباحث التونسي عمار بن حمودة في تتبع مفهوم التكفير في مفاصله التاريخية الكبرى انطلاقا من لحظة وفاة الرسول ومرحلة الردّة والفتنة ووصولا إلى تدوين التّكفير في كتب الفرق والردود على الملحدين والكافرين، ونشأة علم الكلام وظهور الفرق، حيث كانت كتب الفرق مدونة خصبة لفهم ظاهرة التكفير وتحديد آلياتها. وهو ما سعى لرصده في كتابه “التكفير في الخطاب الإسلامي القديم”، الذي تضمن كشفا للتحولات الكبرى التي شهدها مفهوم التكفير.

تأسيس الخطاب التكفيري

انطلق الباحث التونسي في رصد البدايات الأولى التي شهدت بزوغ الخطاب التكفيري من مرحلة صدر الإسلام التي تأثّر فيها الخطاب الديني الجديد بصراعات النبي وجماعته مع أعدائهم وخصومهم في مكّة أو المدينة أو في سائر القبائل. كان مؤشر توتر هذا الخطاب يعلو ويخفت وفق الأحلاف الدينية والسياسية التي تتشكّل أو تختلف.

وفي تلك المرحلة، لعب النبي محمد دورا هاما في تلطيف حدة الخطاب. لكن بعد وفاته، بدأت الأوضاع تتخذ منحى مختلفا مع دخولها مرحلة الصراع السياسي على الشرعية، وهي المرحلة التي وظّف فيها الخصوم السياسيّون التكفير سلاحا لاحتكار الشرعيّة، وحاولوا سلبها من خصومهم.

وشهدت تلك الفترة عنفا رمزيا قام على قانون المحاكاة. وتحوّل في الكثير من فصوله إلى عنف مادّي وحروب استنزاف بين المسلمين أنفسهم. وانتهت تلك الفترة باحتكار الخوارج التكفير وتقنينه، وهو ما جعلهم يُتّهمُون بالغلو، ويدانون بسوء توظيف الدين.

ومع تقدم بناء الدولة الإسلامية تطور الخطاب التكفيري وصار يقنّن في إطار علم الكلام. وظهر نمطان من أنماط الخطاب: الأوّل تمثّل في ظهور كتب الفرق التي اعتمد أصحابها التّكفير وسيلة للفرز العقائدي وانتقاء عقائد الفرقة النّاجية من خلال تكفير عقائد الفرق الأخرى المنافسة على الشرعيّة الدينيّة.

كتاب يكشف آليات التلاعب والتحولات الكبرى لمفهوم التكفير
كتاب يكشف آليات التلاعب والتحولات الكبرى لمفهوم التكفير

واعتمد هذا النمط التّكفير على بناء هرمي ذي طابع سلطوي، ارتبط بنسق مترابط العناصر تكاملت فيه مساعي اللغويين إلى تقنين اللغة، مع إجماع الفقهاء على قواعد مشتركة للطّقوس والشّعائر والاعتقادات، ونمط محدد للفصاحة؛ فحركة التدوين أثّرت في ظاهرة التّكفير، ورسمت قوانين الإيمان الصّحيح، وأبعدت من دوائرها كلّ تأويل تراه فاسدا ومارقا.

النمط الثاني اتسم بإدانة فردية تقوم على محاسبة عقديّة للمارقين من الملّة، والواقعين في شرّ التّأويل الفاسد. وكانت التهمة الرئيسة الموجهة إلى هؤلاء الخصوم هي الإلحاد؛ وهو مفهوم مركزيّ يقوم على ظاهرة التّكفير باعتبارها تستعيد ذهنيّا مفهوم الخلع والطرد والإبعاد في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام؛ فالمدان بالإلحاد خليع وطريد، عقائده فاسدة ومصيره الموت.

وأكد بن حمودة أنّ التّكفير ظاهرة تاريخيّة اعتمدها أصحابها لفرض سلطتهم الرمزيّة على الآخرين، موظّفين قوّة المقدّس الذي مكّنهم من أن يجعلوا لآرائهم رافدا سماويّا وحكما إلهيّا لا اعتراض عليه.

لذلك، كان التّكفير سلطة رمزيّة من أجل فرض الشرعيّة؛ وهو خطاب يعتمد آليّات أيديولوجيّة للفرز والتّصنيف، قد يقوّي السّلطتين الديّنيّة والسياسيّة، ولكنّه يمكن أن يتحوّل إلى آليّة تفكيك وتفريق؛ إذ أنّ الأطراف المتنازعة على الشرعيّة يمكن أن توظّف التّكفير لتقصي المختلفين عنها والمعارضين لها، وذلك من خلال إيجاد تبريرات دينيّة لخلافات سياسيّة.

احتكار التأويل

هذا الخطاب لا يحرم الفرق الأخرى من حقّها في التّأويل المختلف فحسب، وإنّما يحرمها أيضا من حقّ المشاركة السياسيّة. ومثلما هيمن موقف رسمي جعل الخلافة في قريش، فرضت لغة قريش في المصحف الرسمي الذي تبنّاه الخليفة عثمان بن عفان ليقصي اللهجات الأخرى من القراءات الرسميّة للقرآن، ويقضي على حقّ القبائل الأخرى في الانتماء اللساني وقداسة اللغة القرآنيّة.

فضلا عن ذلك، صار فريق من المتشبّثين بالمنظومة الرسميّة للعقيدة الإسلاميّة يفرضون لونا واحدا من الإيمان يختزل تصور فرقة محددة للذات الإلهية والخطاب القرآني، ويضع الباقين في خانات الكفر.

والتكفير يقيم حسابا دنيويا قبل حساب الآخرة؛ وهو لا يكتفي بالأحكام التي تدين الجماعات والأفراد بالكفر والإلحاد، وإنّما يشرع لاستعمال العنف معها بقتلها وصلبها. لذلك، ينتظم هذا الخطاب في حلقة ثلاثية محورها السلطة وأضلاعها الكفر والشرعيّة والعنف.

ولفت بن حمودة إلى أنّ التكفير يعبّر عن الثنائيّة الدينيّة المعروفة بالإيمان والكفر. وإذا كان قد وظّف في مرحلة أولى في الصّراع السياسيّ على منصب الخلافة، فإنّه قد تحوّل إلى مقولة في علم الكلام مكّنت الفرق المتنازعة من وسيلة للدّفاع عن شرعيّتها فضلا عن أنّها منحت المفكّرين سلطة علميّة للردّ على خصومهم.

وقال الباحث المختص في الحضارة الإسلامية “لقد حاول علماء الكلام، على مدى العصور في مختلف المذاهب والفرق الإسلامية، أن يؤسسوا إلزامية أحكامهم التكفيريّة وتحويلها إلى قانون يضمن آليات فرز تفصل بين المؤمنين والكافرين، أو ما عبروا عنه بثنائية النجاة والهلاك”،  واعتبر بن حمودة أنهم نجحوا في ذلك لأنّهم أوهموا مخاطبيهم بأنّ أحكامهم التكفيرية إلهية المصدر، فقدّموا تصوّرا للذات الإلهية وللقرآن والنبوة، وضبطوا شروطا محددة لضمان الانتماء إلى الفرقة النّاجية.

كان التّكفير وسيلة صراع على السلطة وآلية لاكتساب شرعيّة الحرب، ومبررا قانونيا للقصاص من الفئات الأخرى. فليس ثمة في التاريخ الإسلامي مسوّغ للحرب عند المسلمين أكبر قيمة من الكفر؛ ولذلك ارتبط بالجهاد.

التّكفير سلطة رمزيّة من أجل فرض الشرعيّة؛ وهو خطاب يعتمد آليّات أيديولوجيّة للفرز والتّصنيف، قد يقوّي السّلطتين الديّنيّة والسياسيّة، ولكنّه يمكن أن يتحوّل إلى آليّة تفكيك وتفريق

وقد أسّس هذا المفهوم ثنائيّات أساسها النظريّ قائم على التّكفير؛ فهو يقسّم البشر إلى مؤمنين يقاتلون في حرب شرعيّة مآل أصحابها الجنّة، وكافرين حربهم فاقدة للشرعيّة ومآلهم الجحيم. ويقسّم الأرض إلى دار إسلام ودار كفر. ولذلك قتلُ الكافر حلال، وقتل المؤمن حرام، وفق هذا المسار؛ وهو منطق دينيّ له انعكاسات سياسيّة؛ لأنّه يهب الشرعيّة لفريق من النّاس ويسلبها من الفريق الذي يواجهه.

وأوضح بن حمودة أنّ “التّكفير كان آليّة سلطويّة ناجعة لتبرير الحرب وإضفاء طابع القداسة عليها. وهو الذي ساهم في الحفاظ على الكيان السياسيّ الناشئ وحمايته من الارتداد إلى وضعيّة التفرّق القبليّ”، لافتا إلى أنّ اتّخاذ التّكفير مبرّرا للحرب قد كان سببا مباشرا في نشأة المركزيّة القرشيّة التي جعلت من القرار السياسيّ في يد القبيلة الأقوى. وهو ما سيجعل من إخماد حركة الردّة مجرّد فصل من فصول الصّراع على السلطة، تتجدّد جولاته في الفتنة التي كشفت أنّ أزمة المركزيّة القرشيّة ستظلّ سببا رئيسا في اندلاع حرب يسعى فيها كلّ طرف إلى إثبات شرعيّته السياسيّة والدّينيّة.

وذكر بن حمودة أنّ الطّابع النخبويّ للتّكفير لم يمنع وجود صلات بين البنية التي قام عليها الخطاب التّكفيريّ في إطار علم الكلام وسائر أنواع الخطاب مثل خطاب السّائس أو المؤرّخ أو الفقيه، حيث سعت المنظومة الفقهيّة إلى إيجاد فصل عقديّ بين الحرام والحلال موظّفة مفهوم الإجماع، من أجل الدّفاع عن عقائد الفرقة النّاجية وتحديد ملامح المؤمن عقيدة وسلوكا، فإنّ التكفير قد حقّق الوظيفة نفسها، ولكن عبر مسالك مختلفة، وهي سبل النّظر العقليّ والتجريد النظريّ من أجل الدّفاع عن عقائد الفرقة الناجية وإقصاء سائر التّأويلات المارقة من التّأويل الرسميّ.

13