الثأر موروث تاريخي للجماعات المسلحة في مواجهة الدولة المصرية

يستهدف الإرهاب مرة أخرى الأمن المصري في إطار عمليات انتقامية لا يفرّق فيها بين مسلمين ومسيحيين، وكمحاولة استفزازية سعى إلى إرباك الاستقرار والتحريض على الفتنة، وذلك ضمن استراتيجية جديدة تدعم تشكيل مجموعات شبابية للقيام بعمليات نوعية للثأر من القيادات الأمنية، وعلى هذا النحو جاء التفجير الإرهابي الذي ضرب الكنيسة البطرسية بمحيط الكاتدرائية العباسية بالقاهرة، والذي وصفته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية بالأكبر من نوعه منذ العام 2010.
الاثنين 2016/12/12
الإرهاب مجددا

القاهرة- أعلنت الرئاسة المصرية الحداد لمدة 3 أيام عقب تفجير محيط المقر الرئيسي لكاتدرائية الأقباط في مصر، تلاه خروج مظاهرة احتجاجية بالقرب منه، وإدانات واسعة محلية وعربية وغربية. وذكرت وسائل إعلام مصرية، الأحد، أن وزارة الداخلية رفعت درجة الاستنفار الأمني إلى القصوى وبدأت في إجراء مراجعة شاملة لخططها عبر نشر الآلاف من الدوريات الأمنية في القاهرة الكبرى، في أعقاب هجوم استهدف عناصر للشرطة وكنيسة.

ويعد تفجير الكاتدرائية الأول على الإطلاق الذي يشهده محيط المقر الرئيسي الكنسي للأقباط الأرثوذكس الذين تقدرهم الكنيسة المصرية رسميا بـ15 مليون نسمة. ويأتي هذا الحادث بعد ثلاثة أيام على تفجيرين بعبوة ناسفة أحدهما استهدف حاجزا شرطيا غربي العاصمة المصرية وأودى بحياة 6 عناصر من الشرطة بالقرب من مسجد وتبنّته حركة “سواعد مصر” المعروفة باسم حسم، والثاني استهدف دورية أمنية، بمحافظة كفر الشيخ (دلتا النيل/شمال)، مسفرا عن مقتل مدني وإصابة اثنين من الشرطة.

مفردة الثأر أضحت حاضرة بقوة وغزارة في العديد من البيانات التي صدرت عن الكيانات الإرهابية الصغيرة

وفتحت العمليات الإرهابية الأخيرة في القاهرة العديد من التساؤلات حول ارتباطها بمفهوم “الثأر”، الذي يعد أحد الموروثات التاريخية بالنسبة إلى الجماعات الإسلامية في تسعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى إعادة استنساخ تلك الحالة مرة أخرى عقب ثورة 30 يونيو، وما تبعها من أحداث عنف تبنتها العديد من الحركات والجماعات المتشددة في مواجهة الدولة المصرية.

ولاحظ مراقبون توالي تلك العمليات عقب الضربات الاستباقية الموجعة التي توجهها أجهزة الأمن، في سياق الحرب ضد الإرهاب، وبعد تأكيدات سياسية على انحصار الإرهاب وقرب القضاء عليه، إذ أنها تمثل إحراجا سياسيا للدولة، إضافة إلى رغبتها في تأكيد قدرتها على الرد متى اقتضى الأمر ذلك. ولم يكن قد مضى يوم واحد على تأييد محكمة النقض المصرية حكم الإعدام على الإرهابي عادل حبارة، المتهم بارتكاب “مذبحة رفح الثانية”، التي راح ضحيتها 25 مجندا من الأمن المركزي، حتى وقع تفجير الكنيسة المرقصية، الأحد، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصا وإصابة 50 آخرين.

وقبلها بيومين تكرر الأمر، إذ وقع تفجير الهرم، الجمعة، وأسفر عن مقتل ستة من عناصر الشرطة، وإصابة ثلاثة مجندين، بعد يوم واحد من إلقاء القبض على نجل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهو اليوم الذي أعلن فيه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن قرب القضاء على الإرهاب وانحصاره. وكانت مفردة “الثأر” حاضرة في حادث اغتيال العميد عادل رجائي، قائد الفرقة التاسعة بالجيش المصري، والذي تم استهدافه أمام منزله في شهر أكتوبر الماضي، بعد أن أعلنت جماعة مسلحة أطلقت على نفسها اسم “لواء الثورة” مسؤوليتها عن العملية، وكانت قد توعدت بالثأر من القيادي الإخواني محمد كمال الذي قتلته قوات الأمن المصرية في الشهر نفسه. وهدد بيان صادر من المجموعة في ذلك الحين، بتنفيذ عمليات عنف للرد على مقتل محمد كمال وقال “إننا لرادوها الصاع بعشرة وإنا لآتوكم بحول الله من فوقكم ومن أسفل منكم”، مشيرا إلى أنهم يحتفظون بالتوقيت المناسب للرد، وتابع “نقسم بالله غير حانثين أنها لن تمر وإن غدا لناظره قريب”.

لغز محمد كمال

قبل نحو شهرين تمكّنت أجهزة الأمن المصرية من تحديد موقع القيادي الإخواني محمد كمال الذي شارك في اغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات، وفور تصفيته من قبل رجال الأمن قالت مجموعات شبابية تتبنى العنف ويشتبه في علاقتها بجماعة الإخوان، إنها سترد على مقتل محمد كمال عضو مكتب الإرشاد، وأعلن عدد آخر من شباب الإخوان رفضهم تلقي العزاء إلا بعد “الثأر”.

وفيما قال بيان منسوب لما يسمى بـ“شباب الإخوان المصريين في السودان” إنهم يرفضون تلقي العزاء في محمد كمال، وإن العزاء التي أقامته الجماعة بمنطقة الرحمة في السودان لا يمثلهم وإن “عزاءهم هو يوم الأخذ بالثأر” بحسب البيان. ويبدو أن الثأر للقيادي الإخواني لم يتوقف فقط على اغتيال قيادات كبيرة في الجيش المصري، لكنه امتد أيضا ليشمل أحد عناصر الشرطة المصرية بمحافظة البحيرة (شمال) ويدعى جمال الديب، بدرجة أمين شرطة في جهاز الأمن الوطني، بعدما أعلنت حركة سواعد مصر والمعروفة باسم “حسم” أن تلك العملية جاءت ردا على مقتل المسؤول عن التنظيم المسلح داخل الجماعة.

العمليات الإرهابية الأخيرة في القاهرة فتحت العديد من التساؤلات حول ارتباطها بمفهوم “الثأر”، الذي يعد أحد الموروثات التاريخية بالنسبة إلى الجماعات الإسلامية في تسعينات القرن الماضي

وأعلنت “حسم” مسؤوليتها عن حادث تفجير الهرم، وتعتبرها الشرطة المصرية، جناحا مسلحا تابعا للإخوان، وتبحث عن أعضائها والمنتمين إليها. وكانت محاولة اغتيال علي جمعة مفتي مصر السابق، من أخطر عملياتها قبل حوالي ثلاثة أشهر، وبعدها محاولة اغتيال القاضي أحمد أبوالفتح، الذي ينظر في قضايا تنسب إلى الرئيس المعزول محمد مرسي ومتهم فيها.

وتم غرس بذرة الثأر داخل تلك الجماعات المسلحة والمنتمية إلى الإخوان أو غيرها، وتحديدا عقب حادث مقتل 9 من قيادات الجماعة المسلحين والهاربين من تنفيذ أحكام قضائية، من بينهم ناصر الحافي النائب السابق في مجلس الشعب، قبل عام تقريبا، ووقتها كشفت مصادر مقربة من الجماعة أنها ستبدأ خلال الفترة المقبلة سلسلة من العمليات الإرهابية الجديدة للثأر لقياداتها.

وعقب تلك الحادثة تضمن بيان لجماعة الإخوان عبارات غير مسبوقة، إذ قالت فيه “إنها تؤكد أن عملية الاغتيال بحق قياداتها هي تحول له ما بعده، ويؤسس به عبدالفتاح السيسي (الرئيس المصري) لمرحلة جديدة لا تمكن معها السيطرة على غضب القطاعات المظلومة والمقهورة التي لن تقبل بأن تموت في بيوتها وسط أهلها”. وهو ما فسره مراقبون في ذلك التوقيت على أنه رسالة تهديد واضحة من الجماعة للدولة المصرية، وبأنها لن تصمت وستلجأ إلى طرق جديدة للثأر لقياداتها.

رسائل متعددة

قال ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ“العرب”، إن اللجان النوعية التي شكلتها جماعة الإخوان عقب ثورة 30 يونيو يعد هدفها الأول الثأر لقيادات الجماعة المحبوسين والذين لقوا حتفهم في أعمال عنف، وأن البداية كانت من خلال التواجد في التظاهرات التي تقودها الجماعة لتصفية قوات الأمن التي تتعامل معها. وأضاف أن الأمر تحول بعد ذلك إلى تشكيل مجموعات شبابية للقيام بعمليات نوعية للثأر من القيادات الأمنية، إلا أن تلك المجموعات سرعان ما اندمجت داخل خلايا إرهابية صغيرة مثل “المقاومة الشعبية” و“العقاب الثوري”. وتابع “بالتوازي مع ذلك عملت الجماعة على إصدار عدد من الكتب لتبرير استخدام العنف منها ‘فقه المقاومة الشعبية’، الذي صدر عقب فض اعتصام رابعة العدوية”.

ويرى مراقبون أن استراتيجية الإخوان الجديدة أفرزت العديد من العمليات الإرهابية التي نفذها تنظيم ما يسمى بـ”أجناد مصر” خلال ذروة نشاطه في العام 2014 قبل مقتل قائده همام عطية. غير أن التنظيم توارى إلى حد كبير بعد قتل قائده، وساد اعتقاد لدى قوات الأمن بأن أعضاءه انضووا في مجموعات العنف العشوائي مثل “حسم” و“لواء الثورة” التي نفذت هجمات عند أطراف القاهرة، ومنها اغتيال قائد الفرقة التاسعة المدرعة في الجيش المصري العميد عادل رجائي ومحاولة اغتيال المفتي السابق علي جمعة، واستهداف النائب العام المساعد زكريا عبدالعزيز بسيارة مفخخة.

استراتيجية الإخوان الجديدة أفرزت العديد من العمليات الإرهابية التي نفذها تنظيم ما يسمى بـ”أجناد مصر” خلال ذروة نشاطه في العام 2014 قبل مقتل قائده همام عطية

ولفت ناجح إبراهيم، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، إلى أن الثأر عقيدة راسخة في وجدان الحركات والجماعات الإسلامية على مدار تاريخها، وبالتالي فإن أي مجموعة مسلحة تسيطر عليها تلك الفلسفة، لكنها تؤول في النهاية إلى الفشل والهلاك. وأضاف في تصريحات لـ“العرب”، أن تاريخ الجماعات المسلحة في مواجهة الدولة المصرية يشير إلى فشلها عن طريق الثأر، بل إن الحكومة المصرية توقفت عن جميع الإجراءات الاستثنائية في مواجهة الجماعة الإسلامية في تسعينات القرن الماضي بعدما أعلنت الجماعة وقف العنف من جانب واحد. ووصل صراع الثأر بين الجماعة الإسلامية والحكومة المصرية إلى ذروته في العام 1990، وهو التاريخ الذي شهد اغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب حينها، وكان ردا على مقتل علاء محيي الدين، المتحدث باسم الجماعة الإسلامية في العام ذاته.

وأوضح إبراهيم أن استخدام الثأر بالنسبة إلى الجماعات المسلحة يعد أمرا عاطفيا يبتعد تماما عن الشرع والقانون، لكن اللجوء إليه تتحمل تبعاته الدولة والجماعة معا، بعدما يتم إغلاق أغلب نوافذ الحوار السياسي بين الطرفين. وأشار متابعون لـ“العرب” إلى أن جوهر الأزمة الحالية بين الحكومة المصرية والجماعات المسلحة أكثر صعوبة من المواجهة التي كانت في تسعينات القرن الماضي، إذ أن العنف كان يمارس من قبل جماعات كبيرة ومنظمة تضم كيانات أصغر داخلها تستطيع من خلالها التفاهم مع قياداتها، وهو أمر غير متوفر في الكيانات الصغيرة التي تقوم على اللامركزية في التنظيم والحركة ووسط انتشار مصطلح “الذئاب المنفردة”.

وبحسب سياسيين في القاهرة، فإن مفردة الثأر أضحت حاضرة بقوة وغزارة في العديد من البيانات التي صدرت عن الكيانات الإرهابية الصغيرة، والمفارقة أن نفس المفردة تستخدم أحيانا في وصف العمليات الموجهة إلى عناصر الحركات الإرهابية، ما يتطلب تغييرا في استراتيجية التعامل الأمني معها. وقال اللواء عبداللطيف البديني، الخبير الأمني، إن العمليات الإرهابية وتحديدا الأخيرة جاءت في أوقات مباشرة لتحركات أمنية وقضائية من قبل الدولة المصرية، وبالتالي فإنه من الصعب الجزم بارتباطها بعقيدة الثأر لدى هذه الجماعات. وأضاف في تصريحات لـ“العرب” أن التخطيط للعمليات الإرهابية يأخذ وقتا طويلا، كما أنه يتم حين تتمكن هذه الجماعات من الوصول إلى أهدافها، وأنها تعد أمرا مرتبطا باستراتيجية تلك الجماعات التي تختلف من جماعة إلى أخرى”.

7