الثابت والمتحوّل في زمن العولمة

الخميس 2014/06/12
المؤسسات الدولية ذات العضوية الموسعة، كمجلس الأمن، في حاجة إلى إنعاش

لندن - ضمن مؤتمر لندن حول “العولمة والنظام العالمي الجديد”، أصدر المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، "تشاتام هاوس"، سلسلة دراسات سلّطت الضوء على المتغيرات التي طرأت على النظام العالمي وتأثير ظاهرة العولمة في العلاقات العالمية.

سلّطت الدراسة الأولى * الضوء على موضوع “العولمة والنظام العالمي: 1914 مقابل 2014"، وفيه قارنت لجنة الخبراء التي أعدت الدراسة بين المرحلة الانتقالية التي شهدها العالم إبان اندلاع الحرب العالمية الأولى وما يجري اليوم من تطوّرات تنبئ بدخول العالم مرحلة انتقالية للمرور إلى نظام عالمي جديد.

الدراسة الثانية* اهتمّت بــ”الرابحين والخاسرين من العولمة”، وفيه تطرّق الخبراء إلى تأثير العولمة على الوضع الاقتصادي العالمي وتداعيات ذلك على بقية المجالات.

أما الدراسة الأخيرة، ضمن هذه السلسة، فحملت عنوان “والآن ما الحل؟ الخطوات الأولى نحو عالم متوازن من جديد”، وفيها ركّز الخبراء على المنّظمات العالمية ومكامن الخلل والقصور في أدائها.

تشير الدراسة إلى أن أعمدة النظام العالمي التي أقيمت في القرن الماضي مثل الأمم المتحدة ومؤسسات “برتوت وودز″ المالية ومنظمة التجارة العالمية تكافح من أجل التكيف مع المتطلبات الجديدة. لكنها تواجه اليوم كثيرا من الانتقادات والتذمّر من عدم فاعليتها وإخفاق سياساتها خاصة على مستوى:

◄ مجلس أمن أممي يقوم أعضاؤه الدائمون بتعطيل العمل المشترك أو يتجاوزون التفويضات التي تمنح لهم أو يتجاهلون المجلس عندما لا تتناسب قراراته مع مصالحهم.

◄ نظام مراقبة أسلحة دولي محتضر وغير قادر على ما يبدو على الحيلولة دون انتشار الأسلحة أو المحافظة على الالتزام بنزعها.

◄ جولة متعثرة من مفاوضات التجارة الدولية، تقودها بشكل واسع صفقات بين عدد قليل من الأعضاء الذين تجمعهم أفكار مشتركة.

◄ محادثات بيئية عالمية لم توفق في الاتفاق على مسار ذي مصداقية للحد من التغيرات المناخية.

◄ تآكل الالتزام الجماعي في منظمات مثل الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي بسبب اتخاذ الأعضاء لمواقف متباينة من أهداف المنظمة وإظهار مستويات مختلفة من الالتزام بنشاطاتها.

◄ قوانين وسياسات دولية لا تواكب التطورات السريعة وآثارها الكبيرة خاصة في مجال المالية وتكنولوجيا المعلومات.

لكن ليست كل هذه الانتقادات مبررة، إذ أقصى ما يمكن انتظاره من هذه المنظمات المعقّدة هو أداء مزدوج. فضلا عن ذلك تتمثل بعض التحديات التي تواجه هذه الأجهزة الدولية في نجاحاتها السابقة، وبالتحديد النمو الاقتصادي العالمي الذي تحقق مؤخرا إذ كان، في جزء منه، نتيجة لبناء عالم آمن تمارس فيه التجارة الحرة.

مع ذلك تشكو العديد من المنظمات العالمية العريقة من بعض المشاكل الهيكلية الواضحة التي تشير إلى وجود شيء خاطئ فيها:

◄ العضوية والسلطة المؤسساتية لا تعكس على ما يبدو القوة الاقتصادية الدولية في الوقت الحالي (أبرز مثال على ذلك هو عضوية مجلس الأمن).

◄ العديد من المنظمات الدولية الكبرى كانت مصممة لغرض معين وقد تكون الآن فقدت ذلك التركيز أو هي غير قادرة على تكييف هياكلها وإجراءاتها لتتماشى مع التحديات الجديدة.

◄ المنظمات المتكونة حصريا من حكومات وطنية ليست في وضع يسمح لها بتكهن وتشكيل التغيرات العالمية التي يقودها الفاعلون غير الحكوميين، بما في ذلك الشركات والمؤسسات المالية الكبرى والشبكات والأفراد المسلحون بالتكنولوجيا.

من المتوقع في المستقبل بروز منظومة تعاون دولي تتكون من منظمات بين مجموعات بدلا عن منظمات بين الدول


هل من حل للمشكل


نظرا إلى أن المصاعب التي تواجه المنظمات الدولية ناتجة عن غياب الوفاق حول ما يجري في العالم وكيفية إدارة المشاكل التي سيسببها الخلاف، يتوقف شكل ‘الإدارة العالمية’ تبعا لذلك على إمكانية بناء وفاق جديد بمشاركة الغالبية. وهذا في جزء كبير منه مسألة مواقف وسياسات وطنية، ويجب لكل حل أن يرتكز على التطورات داخل الدول كما هو الشأن خارجها.

ويعني ذلك عمليا تحديد مدى قدرة الدول على إدراك ودعم العناصر الأساس التي تمكّن من التعاون عبر المنظمات الدولية، مثل الاقتناع بما يلي:

◄ التحكيم الدولي أو العمل الجماعي ضروريان من أجل معالجة المشاكل الدولية.

- الاتفاقات الدولية قد تعني بعض القيود على حرية التصرف للبلد الواحد.

◄ التسوية ضرورية سواء لتحقيق أهداف مباشرة أو للمحافظة على المسار الدولي حيا.

◄ يجب على الدول الأعضاء ألا تدافع فقط على مصالحها الوطنية الضيقة، بل يجب عليها أيضا أن تسعى إلى تحقيق أجندة المنظمة لتعزيز المصالح المشتركة.

أمام هذه التغيرات التي أتت بها العولمة والتقدم التكنولوجي السريع توجّب إحداث تغييرات في هيكلة المؤسسات الدولية القائمة حتى تواكب العصر وتشرّك نوعا ما القوى الفاعلة الجديدة التي أصبح لها دور في التحكم في الاقتصاد والسياسات العالمية خارج إطار الدولة في بعض الأحيان. ومن المتوقع في المستقبل بروز منظومة تعاون دولي مختلفة تماما تتكون من شبكة من المنظمات ‘ما بين المجموعات’ بدلا عن ‘ما بين الدول’. وفي هذا الإطار يكون الدور الرئيس للمؤسسات التي تتحكم فيها الدول هو توفير الاستقرار التنظيمي والأمن.


قضايا العولمة


يمكن تلخيص القضايا التي طرحتها التغيرات الناتجة أساسا على العولمة وحلولها الممكنة في النقاط التالية:

-1 من المتوقع أن يتواصل وجود المؤسسات الدولية القائمة، لكن حان الوقت للشروع في مناقشة مسائل مثل مدى ضرورة كل الأجهزة الأممية وهل يمكن إلغاء بعضها أو إدماج بعضها الآخر. كما يمكن عبر هذه النقاشات تعديل أجندة المنظمة الأممية والتثبت من توازن الموارد بين مختلف أذرع المنظمة.

-2 أي إنعاش للمؤسسات الدولية ذات العضوية الموسعة تتطلب إدراكا دوليا متزامنا بطبيعة المشاكل العالمية وإلحاحها. ويتوقف هذا الإنعاش على حدوث تغييرات في النقاش السياسي الداخلي في البلدان الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين لتصوير المشاركة في العمل الدولي كوسيلة لخدمة المصالح الوطنية.

أعمدة النظام العالمي مثل الأمم المتحدة ومؤسسات «برتوت وودز» المالية تكافح من أجل التكيف مع المتطلبات الجديدة

-3 قد تبدو المنظمات الإقليمية القائمة أكثر جاذبية من المنظمات الدولية الأكبر، لكنها مثلها مثل التجمعات الأكبر قد تضمّ أجندات متنوعة وتنافسا بين الأجوار. ومع ذلك كله، إذا خففت الولايات المتحدة من فرض حضورها على الساحة الدولية قد تلتجئ بلدان في أوروبا أو أميركا اللاتينية مثلا إلى التعاون مع بعضها البعض أكثر وخاصة في مجال الأمن الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

-4 سيتزايد عدد التجمعات المختصة لدول لها نفس المصالح يقتصر اهتمامها على قضايا أو أحداث معينة. ويمكن لهذه التجمعات المساهمة في بناء الثقة وتقاليد التعاون، لكن في غياب هيكل مؤسساتي لن تقدر على مواجهة الأزمات غير المنتظرة.

-5 مثل تلك التجمعات المختصة يمكن أن تعمل في شكل تكتلات داخل منظمات أكبر يتمثل دورها في توفير الإطار المؤسساتي لكل تكتل بدلا من تعبئة العمل المشترك عن طريق العضوية الكاملة.

-6 لا يمكن للتجمعات المختصة ولا المنظمات الإقليمية توفير أساس من الشرعية والقانون الدوليين بالقدر الذي توفره المنظمات الدولية الكبرى. وربما تكون هناك حاجة إلى مصدر بديل للشرعية، مثلا عن طريق استشارة المواطنين في الدولة المعنية أو عبر ربط مثل هذه الأشكال من التعاون المختص مع الهياكل القائمة، وربما يكون هذا هو الحل الأسهل.

-7 البلدان الصغيرة والضعيفة ستكون عرضة للمخاطر إذا عوضت المنظمات المختصة المنظمات الدولية الكبرى. صحيح أن صوت هذه البلدان محدود في المنتديات الدولية الحالية لكنها ستكون في موقف أضعف في بيئة أكثر تنافسية وغير مستقرة. ومن مصلحة الدول الكبرى على المدى الطويل أن تجد طرقا لتعزيز حضور الدول الأصغر بما في ذلك دعم الخدمات الدبلوماسية الناجعة لها.

-8 أمام الدول والمنظمات التابعة لها المزيد من النضال من أجل أن تفعل شيئا يتجاوز مجرد ردة الفعل على التغييرات التي تتسبب فيها التطورات التجارية والتكنولوجية إذ عليها أن تعمل معا لتشكيل وتنظيم هذه التغييرات.

لذا قد يكون من الضروري على المدى البعيد أن ترتكز أي مجهودات مشتركة لمعالجة المشاكل العالمية على شبكات غير رسمية سواء كانت محلية أو عابرة للحدود، وقد تكون مختصة في مسائل معينة أو تجارية أو ثقافية أو دينية، عوضا عن أن تكون حكومية، وذلك لأن مثل هذه المنظمات يمكن أن تكون أقدر على التأثير في سلوك الأفراد سواء كانوا المنتفعين أو المتضررين من العولمة.

6