"الثبات والنبات" معان عميقة في حكايات الخليج العربي

تُقفل الحكايات الشعبية الشفوية في الخليج العربي على لسان الراوي -الجدّة- بثنائية “الثبات والنبات” وتعود جماليتها من وجهة نظر أنتروبولوجية إلى تجذّرها في الثقافة التي احتضنت هذه الحكايات ورعتها وأثبتتها كثبات النبتة في تربتها، وفي الغاية من هذه الحكايات ذاتها التي تعمل على إثبات مجموعة من القيم الأخلاقية والاجتماعية وغرسها في عقول الناشئة.
الاثنين 2015/07/06
حكايا الجدات توثق وتنقل قصص القدماء إلى الأجيال الصاعدة

النظر في الحكايات الشعبية الخليجية التي أمكننا الإطلاع عليها يجعلنا نلاحظ أنّ مقدّماتها وخاتماتها مهما تنوّعت، فإنّها ترجع في نهاية المطاف إلى الثبات والنبات، إلى هذه الجدليّة بين ما يحيل على الاستقرار والسكون من ناحية وما يحيل على التجدّد والنماء من ناحية أخرى.

الثبات يفترض أن يبقى الشيء على حاله، كما هو دون تغيير، أما النبات فهو نموّ وصيرورة أو لا يكون. الثبات والنبات يبدوان على طرفي نقيض لأوّل وهلة ولكنّهما بعد تدقيق وبحث نكتشف أنّهما لا يتضادّان إلاّ ليتوحّدا ولا يتناقضان إلاّ ليكمّل الواحد منهما الآخر في جدليّة لا تنفصم عراها ما دامت هذه الحكايات تتداول ويستمع إليها وتقرأ حتّى وإن أصبح خطر اضمحلالها واقتلاعها من جذورها وتعويضها بنبات آخر مستورد يتعاظم شيئا فشيئا بهيمنة “الكارتونات” الحكائية الغربية على القنوات الرقمية العربية التي بدأت تحتل المكانة التي كانت تحتلّها “سوالف جدّاتنا وسبحوناتهم” لعقود قليلة مضت!

إنّ ما يجعل عرى جدليّة الثبات والنبات لا تنفصم ولا تتفكّك وتصمد في وجه الزمن هو كونها لم تصنّع وتعلّب في غرف إخراج الأفلام الكرتونية وأستوديوهات التلفزيونات وإنّما نبعت من منبع لا ينضب هو الحبّ: حبّ الجدّة لأحفادها، هذه الجدّة التي عمل، مثلا، عبدالكريم الجهيمان على أن يقتفي آثارها في كلّ الحكايات التي جمعها في “أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية” وهي تستعدّ لتلبية رغبة أطفالها في أن تقصّ على مسامعهم سبحونة أو سالفة تارة فرحة مسرورة بعودة ابن لها بعد غياب طويل، وتارة منهكة القوى كثيرة السعال من آثار البرد دون أن يثنيها ذلك عن الاستجابة لطلبهم.

موضوعات الحكايات مثلها هذه الكلمات التي تختتم بها هي الأكثر حيوية بالنسبة إلى الإنسان وأقربها إلى انشغالاته

ومهما كانت ظروف الجدّة يكون ردّها دائما بالإيجاب وبهذا القول الذي لا يقلّ جماليّة عن الثبات والنبات ويرد دائما على لسانها وهي تستعدّ للقصّ والحكي “حبّا وكرامة”؛ ما يجعل الثبات يثبت والنبات ينبت هو حينئذ الحبّ، فبالحبّ وحده تنتقل القيم وترسخ من جيل إلى جيل.

وقبل أن نعود إلى هاتين الثنائيتين “الحبّ والكرامة” من جهة و”الثبات والنبات” من جهة أخرى، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحكايات الخرافية الخليجية التي تحفل بالعجائب والغرائب والتي هي محلّ اهتمامنا بصفة خاصّة في قراءتنا الأنتروبولوجيّة تكاد كلّها تنتهي بهذا القول على لسان الجدّة/الراوي وهي تتحدّث عن النهاية السعيدة لأبطال قصصها الذين عادة ما يخرجون ظافرين منتصرين بعد رحلة عذاب وشقاء ويتزوّجون زواجا ناجحا هنيئا، “وعاشوا سواء في الثبات والنبات”. أحيانا تضيف الجدّة في شاعريّة وفي لغة السجع إلى ثنائية الثبات والنبات ما يزيد في وضوحها وإبراز مضامينها “وعاش معها في الثبات والنبات وخلفوا صبيان أقمار وبنات قمرات” أو “عاش معها في الثبات والنبات والسماء غطاهم والأرض بساط”.

ما يلفت الانتباه هو أنّ هذه الثنائية لا تُقفل بها حكايات من السعودية وقطر والبحرين والإمارات فقط وإنّما تمتدّ كذلك إلى جزء من الكويت والعراق وبلاد الشام: “وعاشت الفتاة مع بليبل في ثبات ونبات ورزقا الكثير من البنين والبنات حتّى فرّق بينهما هادم اللذات ومفرّق الجماعات” مع إضافة قفلة ثابتة في حكايات الجهيمان كلّها تقريبا “وحملت وكملت وفي أصبع الصغير دملت” والتي تتكرر بصفة تكاد تكون دائمة في معظم الحكايات التي جمعها ودوّنها بأسلوبه الخاص.

لقد ظننّا أنّه بمجرّد استماعنا للجدّة تردّد دائما على مسامع أطفالها “حبّا وكرامة” في مستهلّ حكاياتها لتثبت هذا الحبّ وما يحفّ به من قيم الخير والصلاح وتعمل على ترسيخه في عقولهم أننا عثرنا على الخيط الرابط بين البداية والنهاية ولكن الوقوف عند القفلة الأخرى “حملت وكملت وفي أصبع الصغير دملت”، تجعلنا نعيد طرح السؤال من جديد للبحث في العلاقة بين الثبات والنبات والحبّ والكرامة من جهة والحمل والكمال والدّمل في علاقتهما بأصبع الصغير من جهة أخرى.

هذه الكلمات تكشف عن طبيعة العلاقة بين راويها والمستمع إليها وعلاقة الاثنين بالثقافة التي تحتضنهما

إنّ الإجابة من وجهة نظر أنتروبولوجية ثقافية يتطلّب بحثا لغويا معمّقا في دلالات هذه الكلمات المفاتيح التي دونها لا يمكننا الولوج إلى عالم الحكايات والمخيال الاجتماعي من ناحية واللاّوعي الجمعي من ناحية أخرى، الذين أبدعا أبطالها وشخصياتها ونسجا أحداثها، من البديهي أن يكون لهذه الكلمات معان ظاهرة وأخرى خفيّة وأن تحيل على أفكار واعية ولا واعية على حد سواء.

إنّ كلّ المعاني التي نجدها في جذور كلّ من “ثبت” و”نبت” و”حمل” و”كمل” و”دمل” لها صلة وثيقة بالحكاية الشعبية الخليجية لربّما أكثر من أيّ حكاية من أقطار عربية أخرى خاصة تلك البعيدة عن الجزيرة العربية التي خضع تراثها لتأثيرات لغوية غير عربيّة مثل البربريّة في شمال أفريقيا. كلّ هذه الأفعال ومشتقاتها تنتهي في نهاية المطاف لتتقاطع وليصبّ الواحد منها في الآخر. معانيها تختزل بكلّ بساطة مضامين الحكايات الشعبيّة الخليجيّة وغاياتها، فهي عصارة هذه الحكايات وروحها.

كما تكشف عن طبيعة العلاقة بين راويها والمستمع إليها من جهة وعلاقة الاثنين بالثقافة التي تحتضنهما، وتروي لنا من خلال ما تقصّه على مسامع الصغار قصّة العلاقة بين الإنسان والمكان التي لا تخرج بالطبع عن طبيعة الظرف والزمان. ومن ثمّة فإنّ موضوعات هذه الحكايات مثلها مثل هذه الكلمات التي تختتم بها هي الموضوعات الأكثر حيويّة بالنسبة إلى الإنسان وأقربها إلى انشغالاته الأساسيّة.

الشعب بطبعه ليس مثل النخبة العالمة التي قد تنصرف إلى الاهتمام بقضايا معقّدة، فكريّة وكلاميّة ولغويّة وغيرها منشغل بهمومه اليوميّة “الضروريّة والحاجيّة” بلغة ابن خلدون والتي لا تتعدى حسب أرنست جونز في توصيفه التحليلي النفسي لموضوعات الفولكلور العالمي عموما أن يعيش حياة هنيئة لا يتهدّده المرض وخطر الموت المحدق وأن يوفّر لنفسه ولأطفاله خاصة قوتهم على أحسن وجه وأن يزوّجهم زواجا سعيدا.

12