الثعلب واللقلق

الجمعة 2014/04/25

احتفظت بكتاب إريك بنتلي ”نظرية المسرح الحديث” لمدة 34 سنة، وفي هذا الأسبوع عدت إليه بلهفة، وتوقفت عند فصل يضمّ محاضرة كاملة للناقد والمفكر الدانماركي جورج برانديز الذي يعدّ من المصابيح المضيئة في أدب القرن التاسع عشر بشمال القارة الأوروبية. ولد برانديز عام 1821 وعاش قرنا كاملا وست سنوات. من كتبه الأكثر تأثيرا في الحركة الأدبية الدانماركية والأوروبية معا كتابه الموسوم بـ”تيارات رئيسة في أدب القرن التاسع عشر”، وهو من ستة مجلدات. لجورج برانديز محاضرة شهيرة ألقاها عام 1871 في جامعة كوبنهاغن، ونالت إعجاب الكاتب هنري إبسن، واعتبرها حدثا فكريا وأدبيا.

عن هذه المحاضرة قال إبسن بأنها تذكر ”المرء بمناجم الذهب في كاليفورنيا، يوم اكتشافها، إنها جعلت الناس إما أصحاب ملايين، وإما دفعت بهم إلى الخراب. هل يستطيع بلدك الشمالي تقبل الأمر؟ لا أعرف. لهذا لا يهمّ، إن من لا يستطيع الصمود أمام أفكار العصر يجب أن يستسلم”. لا شك أن الصمود في هذا السياق يعني الانتصار، وتجاوز القبول بأن يكون التطوّر مجرد ”تعثـر بين هذا الخطإ أو ذاك” حسب تعبير إبسن نفسه.

يروي إبسن أيضا أن لـ”جورج برانديز” فهما ذكيا ومشبعا بروح الفكاهة والسخرية للعلاقة بين الأدب والواقع. يشبه برانديز هذه العلاقة بحكاية الثعلب واللقلق التالية: ”دعا الثعلب اللقلق يوما إلى الغداء، لكنه وضع جميع ما لذ من أكل فوق إناء مسطح، بحيث لم ينل اللقلق بمنقاره الطويل، منه شيئا.. أنتم تعرفون كيف انتقم اللقلق لنفسه، إنه وضع الطعام والشراب في زهرية طويلة ضيقة، بحيث يستطيع منقاره الطويل الوصول إلى الطعام والشراب، بينما الثعلب عجز، بأنفه البارز، من فعل ذلك”.

ويذكرني هذا المثال بقول الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف ”إن الشاعر يخون الواقع، وأن الواقع يخون الشاعر أيضا”. ولكي يتجاوز الأديب اللعبة المتكررة لكل من الثعلب واللقلق، وعلاقة الخيانة بين الواقع والشاعر فإنه ينبغي أن يتأمل في هذا التحليل للناقد جورج برانديز: ”لا يمكن أن يكون الأدب الوطني كاملا، من كل جوانبه، إن لم يستطع أن يعرض تاريخا متكاملا لأفكار الشعب ومشاعره”.

إن برانديز يحذر الأدباء من الصمم الروحي، ثم يؤكد بقوة على أن ”ما يجعل أدبا ما أدبا حيّا، في أيامنا الراهنة، هو قدرته على عرض المشكلات على المناقشة. وهكذا، مثلا ناقشت جورج صاند مشكلة العلاقة بين الجنسين، كما عالج بايرون وفيورباخ الدين.


كاتب من الجزائر

15