الثقافة الأفريقية والقوة الناعمة

الأربعاء 2015/06/10

تحاول الدولة المصرية جاهدة خلال الفترة الأخيرة، أن تستعيد “علاقتها” مع القارة الأفريقية بشتى الطرق، وعلى رأسها ما يطلق عليه كثيرون “القوة الناعمة”، تارة بتحريك وفود تسمى “شعبية”، أي تضم أفرادا لا ينتمون بالضرورة إلى المؤسسات الحكومية، لتبادل الآراء والمجاملات مع نظرائهم الأفارقة ومقابلة بعض المسؤولين الرسميين هناك، دون تأثير حقيقي، بل تظل هذه الزيارات في إطار التمنيات والأماني.

وتارة أخرى عبر ما يقام على المستوى الرسمي من مؤتمرات واحتفالات ومهرجانات، تقيمها مؤسسات رسمية مثل المجلس الأعلى للثقافة الذي يقيم حاليا “مؤتمر الثقافة الأفريقية” في القاهرة.

والحقيقة أن الثقافة الأفريقية كانت دائما غائبة عن دائرة الاهتمام المصري والعربي عموما، فقد ظل الاهتمام بأفريقيا دائما اهتماما سياسيا في المقام الأول، وليس ثقافيا، وكان نظام الرئيس جمال عبدالناصر على سبيل المثال، يلجأ إلى الدعم السياسي والمالي والعسكري لحركات التحرر الناشئة في أفريقيا خلال الستينات، للحصول على تأييد تلك الحركات بعد أن تتمكن في ما بعد من الوصول إلى السلطة، وتصبح في الحكم، خصوصا في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وقد سار السادات على نفس الطريق قبل حرب 1973.

أما الجانب الثقافي فقد ظل دائما غائما، بل وغائبا على اهتمام الدوائر الثقافية الرسمية والشعبية في مصر وغيرها، فلم يكن هناك قط اهتمام حقيقي بالأدب الأفريقي، وغابت ترجمته إلى العربية إلاّ في ما ندر، فقط بعد حصول بعض أعماله على جوائز كبرى من المؤسسات الثقافية في الغرب، ثم صدورها في طبعات فرنسية أو إنكليزية.

وعادة ما يكون الاهتمام بالأدب الأفريقي عابرا، أي لا يشمل تناول الرواية أو القصة الأفريقية بالنقد وكتابة الدراسات وتخصيص الملفات التي تناقش هذا الأدب وترده إلى أصوله، وتسعى إلى معرفة رواده وأساتذته، تدعوهم وتتبادل الخبرات معهم، مع تخصيص مناهج للدراسات الأدبية الأفريقية في الجامعات.

كذلك لم يكن هناك اهتمام في أي وقت، بالفنون الأفريقية الشعبية، خاصة الرقص والموسيقى، التي يصنفها المثقفون عادة في إطار الفولكلور، أما الفيلم السينمائي الأفريقي فقد اعتبر غالبا، من الأفلام الإثنوغرافية أي التي يمكن النظر إليها ودراستها في إطار دراسة عادات وتقاليد الشعوب الأفريقية، التي ينظر إليها باستعلاء بما في ذلك موريتانيا التي يتم تجاهلها حتى على الصعيد السياسي.

صحيح أن مهرجان قرطاج السينمائي اهتم بتسليط الأضواء على السينما الأفريقية، لكن اهتمامه الأساسي ظل منصبّا على السينما العربية والسينمائيين العرب، وإذا ما عدنا إلى الإحصاءات والأرقام سنجد أن معظم الجوائز كانت تذهب إلى الأفلام العربية.

وكان الوجود الأفريقي في قرطاج السينمائي يرتبط بفترة الستينات والسبعينات اللتين شهدتا مرحلة النهوض ونفض آثار الغبار المتراكم من حقب السيطرة الاستعمارية.

والحاصل أن الاهتمام بالفنون والثقافات الأفريقية في البلدان الواقعة جنوبي الصحراء، هو اهتمام يغلب عليه التكلف والسطحية، فهو اهتمام “مناسباتي” و”مهرجاني” شأنه شأن الظواهر الثقافية المصرية بشكل عام منذ أن تمّ الربط بين الثقافة والدعاية الرسمية لنظم الحكم القائمة.

إن القوة الناعمة التي يكثر الحديث عنها لن يكون لها دور من خلال الاحتفالات المظهرية، والمهرجانات الموسمية، بل من خلال اهتمام جادّ، حقيقي ومستمر، بالآداب والفنون الأفريقية في إطار الاهتمام الثقافي الواسع، بعيدا عن تكرار الحديث عن تأثير القوة، ناعمة كانت، أم غير ناعمة، بل عبر التكامل والتبادل. ولكن من الذي سيسمع؟

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16