الثقافة الإماراتية بين المنجز والحاجة إلى النقد الحقيقي

الثلاثاء 2014/07/01
عائشة سلطان: الثقافة في الإمارات تتفرع في مجالات متعددة

منذ بدأت الإمارات، كدولة لها مجموعة من الأسس الناظمة لمنهجها، اتخذت الثقافة فيها، طريقا واضح المعالم، يمكن للقارئ أن يتتبعه بدقة، وأن يحدد ميزاته وأعلامه. حيث يمكننا القول إن الوضع الثقافي الإماراتي اقترن بالوضع العام للإمارات منذ نشأتها وحتى الآن، تطوّر بتطورها واكتسب صفاتها، وتعايش مع الخليط العرقي والإنساني فيها، تأثر وأثر فيه.

اليوم، وبعد، كل هذا التطور الهائل الذي تعيشه الإمارات، أصبح من الضروري أن نسأل: كيف سيكون شكل الثقافة في المجتمع الإماراتي، بعد فترة من الزمن؟ ودائما ما تأتي الإجابات من أهل الثقافة أنفسهم، الذين يعيشون الحالة ويمتلكون رؤية مستقبلية محددة، ينطلقون في تحديدها من واقعهم نفسه.


الكلاسيكية والحداثة


للشاعر الإماراتي هاشم المعلّم، رأي بشأن مستقبل الثقافة في الإمارات، ينطلق به من معطيات الواقع، ويفضي بنا إلى اتجاهين أساسيين كما أشار هو، ضمن حديثه عن الشعر كنوع أدبي وفني دون غيره، هما الاتجاه الكلاسيكي والاتجاه الحداثي. أما الكلاسيكي، وبفضل ما له الآن من قوة وثبات على أرض الواقع من خلال بعض الأسماء، فمن المتوقع أن يمشي بذات الوتيرة، وأن يحافظ على مكانته الآنية، التي يمكننا وصفها بالمتينة. بينما نجد أن الاتجاه الحداثي مهدد مستقبلا، ويكاد يكون مهمشا في الوقت الحاضر، على الرغم من كونه استطاع أن يفتح فضاءات أوسع، وأن يقتحم عوالم جديدة لم يستطع الكلاسيكي أن يتخطاها.

ويقول: “في النهاية، الجودة هي الحكم الحقيقي الذي سيميز بين عمل وآخر. الكمية لا تشكّل فارقا، لأننا كمثقفين خارج حلبة الماراثون. الأدب هو الفكر والرؤية الجديدة والقوية أساس أي شيء”. مبينا ضرورة وجود دعم حكومي للشعر حتى يستطيع أن يمشي قدما ومشيرا إلى ضرورة الانتباه والتمييز بين الأدب الحقيقي، وذلك التجاري الذي يهدف إلى الترويج الإعلامي فقط.


منجز رائد


مثقفون إماراتيون يشيرون إلى تطور اتجاهات فنية وثقافية أكثر من أخرى لأسباب يأتي في مقدمتها الدعم الرسمي

بدوره يرى الشاعر الإماراتي أحمد النيادي أن: “الثقافة الإماراتية تحقق منجزا تراكميا رائدا بالنسبة إلى دولة فتية تعيش مرحلة التمكين بعد التأسيس، وتسعى إلى أن تبرز هويتها الثقافية الوطنية في مجالات التعبير والإبداع الفني والثقافي، مستندة إلى موروث شعبي عريق وتراث قديم غني ومتنوع، وبخاصة في مجال الآداب والتراث الشفاهي غير المادي”.

ويضيف: “نعم، وإن كانت الثقافة الإماراتية فتية في مجالات عديدة جديدة لم تعرفها الإمارات والمنطقة العربية والخليج تحديدا سابقا، إلا أنها كانت دوما استشرافية متقدّمة في مسايرة التطورات والنزوع إلى المستقبلية، وبدعم من الرؤية بعيدة المدى لقيادتنا الحكيمة، ومع توفر رؤية ثقافية خاصة بكل إمارة من إمارات الدولة، ورؤية ثقافية جامعة للدولة، في ظل هيئات ثقافية ذات دور طليعي فعّال ورائد، فإننا نشهد ازدهارا ونهضة ثقافية في كثير من مجالات الإبداع، في الفنون التشكيلية، وفنون الأداء والمسرح، والآداب وفنون القول من شعر ونثر، ومن أمثلة ذلك برنامجان شعريان عريقان هما أمير الشعراء وشاعر المليون، بدعم ورعاية كريمة من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان”.

أما عن سؤال المستقبل فيقول: “إنني أعلم أننا بحاجة إلى التنسيق كضرورة حتمية، لا بين المؤسسات الثقافية فقط، بل بين المثقفين والمبدعين أنفسهم، إذ يجب عليهم التلاقي والحوار والتبادل في سبيل الارتقاء بالإبداع إلى قمم لم يصلها أحد قبلا، والسعي إلى تحقيق منجز ثقافي رائد يفخر به أبناؤنا من الأجيال القادمة”.


النقد الحقيقي

تخطيط: ساي سرحان


من جهتها تؤكد الكاتبة عائشة سلطان، مؤسسة ومديرة دار ورق للنشر، أن الثقافة في الإمارات لا نستطيع الحكم عليها حكما واحدا، لكونها تتفرع في مجالات متعددة. فثمة مجالات قد سارت من بدايتها بطريقة تدريجية وصنعت تراكما وأفرزت أسماء كبيرة وظواهر راسخة، مثل الفن التشكيلي الذي أفرز على سبيل المثال، بينالي الشارقة. حتى أن استقطاب الإمارات لمتاحف عالمية ومعارض لفنانين عالميين، أسهم في تأسيس بنية قوية لهذا الفن، ستسهم بالتالي في ازدهاره مستقبلا.

إلا أن سلطان تعود لتحكي لنا عن وضع المسرح، وهو الأكثر قدما في البيئة الإماراتية، وتقول: “أتصور أن المسرح في الإمارات لم يتحول بعد إلى ثقافة جماهيرية. أي أنه ما زال يبحث عن جمهوره لأسباب لا أستطيع تفنيدها الآن، لكني أعتقد أن العلاقة معه تحتاج إلى فهم وبحث أكثر”. وهنا تذكر وجود مؤسسات جادة تحاول أن تقدم أعمالا مسرحية للجمهور، من بينها ندوة الثقافة والعلوم في دبي، والتي أصبحت مؤسسة عريقة لها وجودها المحترم والراسخ، فقد طورت إمكانياتها وتقنياتها حتى أصبحت تمتلك مسرحا فيه من الإمكانيات الاحترافية ما يضاهي أكبر وأكثر المسارح العالمية شهرة.

أما فيما يخصّ فن السينما، فقد أشارت عائشة سلطان، إلى كونه يحظى باهتمام كبير على الرغم من أنه حديث التواجد في البيئة الإماراتية. واليوم له جماهيره من الكبار والصغار، الشيء الذي يأتي من طبيعته كفن له جاذبيته. مؤكدة أن ظهور مهرجانين دوليين في الأعوام الأخيرة، هما مهرجان دبي السينمائي ومهرجان أبوظبي السينمائي، لهو إشارة واضحة على أن السينما سيكون لها مستقبل مزدهر في هذا البلد. مع العلم أن السينما كانت معروفة عند الأسر الإماراتية منذ الخمسينات من القرن الماضي.

استقطاب الإمارات لمتاحف عالمية ومعارض لفنانين عالميين، أسهم في تأسيس بنية قوية لهذا الفن

وللأدب، مشكلته الخاصة الآن ومستقبلا كما تقول عائشة سلطان، لكونه الفن الأكثر حاجةً إلى الزمن والتراكم. وتقول: “لا أستطيع أن أصنع روائيا بين يوم وليلة. وفي الوقت نفسه يمكننا أن نجد روايات كثيرة لكنها لا تشكل وزنا منافسا عربيا على الأقل. ما الفائدة من إنتاج 20 رواية، لا توجد بينها واحدة منافسة. نحن بحاجة إلى إنتاج أدب منافس. والذي سيتكوّن من استكمال الأسماء البارزة في عالم الرواية والقصة والتي ظهرت على الساحة الثقافية، طريقها في الكتابة والتأليف”.

وتضيف: “هذا الجيل تنقصه الثقافة العميقة، وتغلب عليه الرغبة في الشهرة وصفة التعجل، وهو ما يدفعه إلى الاستسهال والسرعة، متأثرا بالثقافة الآنية وبالتطور التكنولوجي والمعرفي الحاصل. الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر، لا تصنع أدبا”.

وفي الخلاصة، تقول: “الحياة الثقافية في الإمارات بحاجة إلى النقد الحقيقي والموضوعي، لتمضي نحو مستقبل أفضل. فهي بحاجة إلى ناقد لا يعير اهتماما للعلاقات الشخصية ويستخدم أدوات علمية ومنهجية في النقد. كما ينقصنا الإعلام الثقافي المواكب، ففي حين تنتج دور النشر الروايات والكتب بأقلام إماراتية، فإنه لا توجد صحافة مهتمة تستطيع الكتابة والمواكبة حتى لو بخبر سريع وبسيط. وتجدر بنا الإشارة، كذلك، إلى أن الكتاب الإماراتي وقطاع النشر بشكل عام، يحتاج إلى دعم من الحكومة أكبر من الدعم الحالي اليوم”.

15