الثقافة التونسية، عام من الخطوات البطيئة بأقدام مشدودة إلى الخلف

مازالت الثقافة في تونس تعمل بأجهزة ما قبل الثورة، وهو ما خلق تذبذبا ثقافيا من ناحية انكفاء هذا القطاع الحيوي والمحوري على نفسه وكذلك حفاظه على وجهه القديم الذي يحصر الثقافة في الترفيه والجانب المكمل لا المحوري، وهو ما ينزع النجاعة عن الفعل الثقافي في محيطه.
الأربعاء 2016/12/21
تونس تحتاج إلى ثقافة بديلة

لا تزال الثقافة التونسية سواء من حيث التخطيط أو الأنشطة الثقافية بيد وزارة الثقافة التونسية، رغم انطلاق أنشطة أخرى يرعاها القطاع الخاص، إلا أنها مازالت تعاني من قلة الدعم والمردودية. وزيران تعاقبا على رأس وزارة الثقافة التونسية هذا العام هما الفنانة سنية مبارك والباحث محمد زين العابدين، الذي مازال يحاول أن يضفي بصمة مختلفة عما قدمه الوزراء الخمسة الذين تعاقبوا على كرسي وزير الثقافة على مدى ست سنوات، شهدت فيها الثقافة التونسية جذبا وردا، بين محاولات التحكم في الثقافة والمثقفين ومحاولات أخرى لتحريرها لكن دون وجهة محددة ومدروسة.

أدب بلا ناشرين

لم تشهد سنة 2016 حراكا ثقافيا مغايرا أو جديدا. كعادته انتظم هذه السنة معرض الكتاب الدولي بتونس في دورته الـ32 من 25 مارس إلى غاية الثالث من أبريل 2016 بفضاء قصر المعارض بمدينة الكرم في ضاحية العاصمة الشمالية. وبقيت الأنظار موجهة خاصة إلى الأنشطة الثقافية التي اقترحتها الإدارة الجديدة للمعرض، والتي خلقت جدلا كبيرا قبل وبعد أيام المعرض، خاصة حول الأسماء المدعوة، وعدم تجدد أنشطة المعرض التي باتت تبهت عاما فآخر.

الكتاب والمثقفون يدعون إلى إعادة النظر في طرق النشر التي باتت في اعتقادهم مهينة للكاتب والأدب التونسيين

وإن لاقت فكرة جوائز الإبداع التي قدمها المعرض استحسان المبدعين خاصة، فإنها أثارت بعض الانتقادات من قبل شعراء وقاصين قاطعوها، نظرا إلى مشاركة البعض بكتب مختارة كأعمال كاملة، علاوة على منح الجائزة وفق الاسم لا العمل، لكن البعض الآخر رأى أن الجوائز تمتعت بمقدار من الشفافية. فيما يرى آخرون أن المعرض مازال إلى اليوم تحت سيطرة الأكاديميين من الجامعيين التونسيين، وهو ما يخلق تذبذبا في علاقة المعرض بالمبدعين، إذ مازالت علاقة الأكاديمي بالإبداع متصدعة في تونس كما هو الحال عربيا.

وبقيت جوائز مثل جائزة كومار للرواية وجائزة كاتاما المخصصة للشعر في دورة هذا العام، محل ترحيب من الكتاب التونسيين الذين يعانون من ندرة الجوائز الأدبية التي يمكنها خلق حراك أدبي مميز. من جهة أخرى فإن ما شهده هذا العام من إصدارات كتب تميز بانخفاض مساهمة الكتاب الشباب، ويعود ذلك في رأي بعضهم إلى رداءة أساليب النشر في تونس حيث الناشرون اكتفوا بالصبغة التجارية للنشر، وهو ما خلف مصاعب جمة للمبدعين الشباب خاصة. وهذا ما يدعو إلى إعادة النظر في رأي الكثير من الكتاب، في صيغة النشر التي باتت في اعتقادهم مهينة للكاتب التونسي.

ثقافات قرطاج

من أهم التظاهرات الثقافية مهرجان قرطاج الدولي الذي امتدت فعاليات دورته الـ52 من 13 يوليو إلى غاية 20 أغسطس 2016، واستقطب عددا من الفنانين التونسيين والعرب والعالميين. وعرف مهرجان قرطاج خفوتا في بريقه، حيث تناقص عدد العروض المقدمة، لكنه حافظ على منهجه في تقديم عروض متنوعة تلبي تنوع ذائقة الجمهور وشرائحه، لكن يرى الكثير من الفاعلين في الحقل الثقافي أنه على المهرجان أن يجدد أساليب عمله، خاصة مع الهيئة الجديدة برئاسة الشاعرة آمال موسى، ليتماشى مع تطلعات الجمهور التونسي الطامح دائما لما هو جديد ومختلف.

وبالتزامن مع مهرجان قرطاج، انتظمت الدورة الـ52 من مهرجان الحمامات الدولي، الذي قدم هذه السنة عروضا فرجوية تجمع بين الموسيقى والمسرح، وشهدت إقبالا جماهيريا مكثفا، خاصة في ظل توجه المنظمين إلى اختيار عروض نوعية، وساهمت هذه التظاهرة في خلق حراك ثقافي كبير في الجهة، إضافة إلى تقديمها لتجارب فنية فريدة للمتابع التونسي.

كتاب تونسيون يطمحون إلى الأفضل

كما عاشت تونس العاصمة، من 28 أكتوبر إلى غاية 5 نوفمبر، على وقع مهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورته السابعة والعشرين، والذي احتفل هذه السنة بمرور خمسين سنة على تأسيسه، وعادت السينما التونسية إلى منصة التتويج في هذه الدورة، إذ توج الفيلم التونسي “زينب تكره الثلج” للمخرجة كوثر بن هنية بالجائزة الكبرى “التانيت الذهبي”. لكن رغم الحراك الهام والمطلوب الذي خلقته هذه الأيام في الشارع التونسي، وانفتاحها على فضاءات جديدة مثل المدارس وحتى السجون، فإنها أثارت انتقادات كثيرة حول سوء التنظيم، حتى أن البعض عدّها دورة لا تليق بخمسينية الأيام، وهو ما دفع بوزير الثقافة محمد زين العابدين إلى إقالة المخرج التونسي إبراهيم اللطيف من رئاسة المهرجان.

تلت أيام السينما تظاهرة عريقة تثير حرارة ثقافية عميقة في شتاء تونس، ألا وهي أيام قرطاج المسرحية التي انتظمت دورتها الـ18 من 18 إلى 26 نوفمبر الماضي، بمشاركة عروض مسرحية مختلفة ومتنوعة من نحو 25 دولة، من بينها دول عربية وأفريقية ومن أوروبا وأميركا الجنوبية. لكن هذه الدورة أيضا لم تقدم، في رأي المسرحيين، ما هو جديد، ويمكن اعتباره نقلة تليق بطموحات الجمهور الراغب في توسعة أنشطة هذه الأيام.

الخوف من الفشل

أهم التظاهرات الثقافية التي مازالت فعالياتها مستمرة إلى اليوم هي تظاهرة “صفاقس عاصمة الثقافة العربية”، حيث وقع اختيار محافظة صفاقس التونسية لتكون عاصمة ثقافية عربية، فيها قدمت أسابيع ثقافية لعدة بلدان عربية، إضافة إلى فعاليات تنوعت بين السينما والعروض الفرجوية والفولكلورية والأمسيات الأدبية فضلا عن المعارض الفنية والتشكيلية، وغيرها من النشاطات التونسية والعربية. لكن المثقفين والمتابعين وجهوا انتقادات حادة للمنظمين، إذ اعتبروا أن بريق التظاهرات الملتئمة بقي حبرا على ورق، بينما هي في الواقع لمّات ثقافية مضيّقة، لم تحقق نجاحا. واعتبر الكثيرون أن ما تشهده صفاقس لا يرقى إلى التطلعات التي تأمل أن تكون هذه المحافظة عاصمة ثقافية عربية حقيقية.

ولئن استبشر التونسيون بمحاولات الوزير الجديد محمد زين العابدين، وخاصة من حيث افتتاح ساحات للفنون بدأت من محافظة القصرين بالوسط الغربي، ومحاولاته أن يضخ دما جديدا صلب الوزارة وتكثيف العمل، ففتح صندوقا لدعم المبدعين وكان حاضرا في أغلب التظاهرات الثقافية وداعما لها، فإن هذا لا يبدو كافيا في صلب وزارة مهددة دائما بالخفض من ميزانيتها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الثقافة التونسية محتاجة إلى إعادة هيكلة والتخلص من أساليب العمل القديمة التي لم تقدم سوى مثقفي وثقافة النظام لا الشعب، إضافة إلى ضرورة دعم الشباب لتحقيق أهداف مستقبلية مأمولة.

تجاهل ورتابة

من أبرز ما حاق بالساحة الثقافية هذا العام رحيل الشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد، الذي توفي في الـ5 من أبريل عن عمر 61 عاما، في أبريل ولد وفي أبريل غادر الحياة، شاعر كانت قصائده أيقونات ثورية رفعتها الحناجر واليافطات والجدران منذ أيام الثورة كتمائم في وجه الاستبداد. كما ودع التونسيون نهاية هذا العام واحدا من أبرز رموز المسرح التونسي، المنصف السويسي، الذي توفي في السادس من نوفمبر الماضي. والسويسي ممثل ومخرج مسرحي تونسي، له العديد من المسلسلات والمسرحيات وأبرزها إخراج مسرحية “باي باي لندن” سنة 1981.

تقول الكاتبة والقاصة التونسية فائقة القنفالي عن هذا العام الثقافي إن “الثقافة التونسية مازالت بيد المؤسسة المهتمة بالكتاب والفنانين، ألا وهي وزارة الثقافة، التي أعتبرها مؤسسة وهمية، نظرا إلى أن ميزانيتها ضعيفة جدا مقارنة بميزانية بقية المؤسسات أولا، وثانيا لأن دورها منعدم في حياة المبدعين، لذلك تبدو الإجابة عن سؤال ماذا أنجزت وزارة الثقافة؟ أنها لم تنجز شيئا، وإن أنجزت فدائما يكون بشكل لا يليق بانتظارات المبدع”.

فالمبدع، في نظر القنفالي، ينتظر دوما دعما معنويا وماديا واعترافا بما يقدمه للوطن والإنسانية، لكن مؤسسات الثقافة تتجاهل دورها في هذا، كما تقول، فحتى وإن تذكرت هذه المؤسسة مبدعيها -إن حدث وفعلت- فهي تكرمهم أمواتا. وترى ضيفتنا أن الأمثلة على ذلك كثيرة محليا وأكثر عربيا. وتلفت القاصة إلى ظاهرة خطيرة هي محاكمات الكتاب والمبدعين، وإيداعهم السجون، إضافة إلى الاستهتار بتراث المبدعين مثلما حدث مع قضية هدم بيت الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي.

مهرجان قرطاجعرفخفوتا في بريقه، حيث تناقص عدد العروض المقدمة، لكنه حافظ على منهجه في تقديم عروض متنوعة تلبي تنوع ذائقة الجمهور وشرائحه

أما عن قراءاتها لهذا العام فتقول ضيفتنا “منذ مدة لم أقرأ إلا الروايات المترجمة، غير أني أخيرا قرأت رواية وحيد الطويلة ‘حذاء فيلليني‘، وهي رواية حول التعذيب وحكم الضباط بطلها معالج نفسي تعرض لتعذيب على يد ضابط في الجيش. هي رواية محلية تتحدث عن قسوة حكم الضباط وجبروتهم وقد نجح المؤلف بلغته الانسيابية وقدرته على شبك خيوطه في تحويل المحلي إلى كوني”.

من جانبه يقول الشاعر التونسي سفيان رجب “تعتبر سنة 2016 سنة المراجعات السياسية في تونس وتصدّعات الكتل البرلمانية المسيطرة على المشهد السياسي في البلاد، وهذا ما أثّر على الثقافة بصفة مباشرة، وأجّل كلّ الإصلاحات في هياكلها التي غرقت في البيروقراطية، وكل الإنجازات التي انتظرها المثقف والمبدع التونسي مثل مشروع مدينة الثقافة”.

يتابع الشاعر قائلا “سنة مرّت رتيبة ثقافيا عدا بعض المهرجانات والملتقيات التي غاب عنها الإبداع، لعل بعض الإضاءات التي تذكر هي إعادة الملحق الثقافي لجريدة الشعب ‘منارات‘ ليكون مساحة للمبدعين والمثقفين للتعبير عن آرائهم وعرض إبداعاتهم. على مستوى النشر ثمة بعض الإصدارات المحترمة مثل بعض المجموعات القصصية للكتّاب الشباب كمجموعة “كأن أمضي خلف جثتي” لعيسى الجابلي ومجموعة “أمشي وأضحك كأني شجرة” لوئام غداس ومجموعة “حكايات نيّئة” لوليد الفرشيشي. ولكن تبقى للنشر في تونس مشكلاته التي تحتاج إلى المراجعة الجذرية خاصة على مستوى توزيع الكتاب عربيا وعالميا”.

بحاجة إلى الحب

مثّلت سنة 2016 بالنسبة إلى الشاعر والمترجم التونسي أيمن حسن نقلة نوعيّة في حقل الثقافة والإبداع، يقول “تأكّدت حقّا أنّ المبادرات الشخصيّة والأعمال الفرديّة والتناغم مع بعض الأصدقاء المبدعين هي الحلّ الذي لم يعد بيد وزارة الثقافة أو الهياكل الرسميّة وصاحبي القرار، وهم في الحقيقة ذووا الحسابات الضيّقة والأيادي المرتعشة، إلاّ في الدفاع عن مصالحهم الماديّة أساسا، ولا يحملون همومنا ولا يجسّدون طموحنا ويدفعون بنا إلى الأمام. بل العكس هم قيود وعراقيل ولعنة لنا نحن المبدعين”.

فائقة القنفالي وأيمن حسن وسفيان رجب وعماد المي مثقفون تونسيون ضد تجاهل الدولة للثقافة وفاعليها

ويضيف حسن “خلال هذه السّنة تمكّنت من ترجمة ونشر كتابين هامّين في فرنسا، ‘القدس‘ لأدونيس و‘قارب إلى ليسبوس‘ لنوري الجرّاح. كما أسّست سلسلة أدبيّة ستعنى بالأدب العربي المترجم وبالأدب العربي النّاطق بالفرنسيّة، وهي سلسلة ‘نيكس‘ الصّادرة عن منشورات ‘موار‘ في مدينة بوردو الفرنسّية. وشاركت في مغامرة تلفزيونيّة مع الأديب حسن بن عثمان، وكان لهذه التجربة رغم حلقاتها الستّ اليتيمة وقع كبير في نفس المشاهدين الّذين فهم البعض منهم أخيرا أنّ الأدب والثقافة الحقيقيّة ليسا موجودين فحسب في تونس، بل هما حلّ ممكن لمشكلاتنا المتعدّدة. مع ذلك، أنشّط أسبوعيا برنامجا إذاعيّا في راديو فرنسي، وكلّ ذلك في الحقيقة بفضل مشاركتي في مهرجان سيت المتوسّطي للشعر، حيث قمت بلقاءات وتعرّفت على أصدقاء وصديقات آمنوا بي كمبدع ومترجم وجامعي تونسي. للأسف، تلك العبارة تبدو صحيحة، فحقّا ‘ليس هناك من هو نبي في وطنه”.

غياب المشروع

يرى المسرحي التونسي عماد المي أن سنة 2016 تعتبر مثل السنوات الخمس التي سبقتها في العالم العربي، بعد ثورات الربيع العربي، وخاصة على المستويات الثقافية، وكأن الشعوب العربية لم تستوعب ما حدث من ثورات ومدى تجليها وانعكاسها على واقع الثقافة والمثقفين والمثقفات العرب.

يتابع المي قائلا “ما حدث في الواقع من أحداث وعنف لم يساهم بشكل كبير في إفرازات ثقافية وفنية ذات جدوى، فأغلب المثقفين أبهرهم ما حدث وافتك منهم الشارع ما يمكن أن يكون تعبيرا جماليا، ثم إن الثورات التي وقعت لم تكن في حسبان المثقفين، ولكن رغم كل ما حصل وللأسف تواصل أغلب الدول العربية السياسات الثقافية العشوائية وغير المدروسة بشكل مناسباتي، فالثقافة ليست ضرورة عندها بل هي مكمل ثانوي وبهرج زائد بشكل يجد فيه المثقفون أنفسهم مجرد واجهة تجمل بها السياسات العربية نفسها ويتحول المثقف إلى مجرد باحث عن لقمة العيش، بينما الثقافة ضرورة حياتية مثلها مثل الأكل”. الدول العربية في رأي المي تعاني فرادى ضبابية السياسة الثقافية كما تعاني من غياب مشروع عربي واضح ودقيق يخرج المجتمعات العربية من مستنقع العنف والجهل والمحاباة والمصلحة الخاصة والتقوقع، وأكبر دليل على ذلك هجرة نسبة كبيرة من المبدعين العرب إلى دول أوروبا وباقي الدول المتقدمة.

15