الثقافة السجينة

الجمعة 2015/11/20

يبدو قدر العرب على مرّ الأزمنة أن يعيشوا صراعات مستمرة قديما وحديثا، من حرب إلى حرب، ومن أزمة إلى أزمة ومن كارثة قومية إلى مصيبة اقتصادية إلى نزاعات داخلية وخارجية، ولا يجب أن ننسى ما ينتج عن ذلك من مشكلات ثقافية واجتماعية وتبديد للثروات.

وفي خضم ذلك لا يمكننا أن ننسى مشكلة المشكلات؛ وهي ما صار يعرف منذ أكثر من ستين عاما بالقضية الفلسطينية، تلك الكارثة القومية التي دفع جميع العرب لأجلها أثمانا باهظة شعوبا وأنظمة على جميع المستويات، ومازالت الفاتورة مفتوحة ومازال الدفع مستمرا من جيوبنا السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية، وتوازيا مع ذلك لم يكن الاستقرار الذي شهدته بعض البلدان العربية إلا نوعا من الاستقرار المصطنع أو المفتعل أو المموه، الذي لطالما كان يخفي تحته جمرا مشتعلا يعكس أزمة المجتمع وتقهقره الناجم عن طغيان الأنظمة الحاكمة وانعدام الحريات وضيق سبل العيش، كما لم يكن ذلك الاستقرار قائما إلا بالقوة، قوة النظام السياسي الأمني، أي هو استقرار أقرب إلى الثبات والجمود والانغلاق، مما هو استقرار حركة وإبداع وعمل، وما ذلك الماضي العربي الذي لا يمضي إلا امتداد لهذا الحاضر الدموي الذي نعيشه في أكثر من بلد عربي، غير أن الصراع اليوم غدا أكثر تشابكا وتعقيدا.

في عالمنا العربي لا يمكن الولوج إلى أي قضية ثقافية دون المرور في نفق السياسة المظلم، حيث ترتبط الثقافة ارتباطا وثيقا بالسياسة لكن هل حقا عرف العرب السياسة يوما؟ بشكل من الأشكال تبقى مشكلة الثقافة في عالمنا العربي هي مشكلة سياسية بامتياز، مشكلة حرية على وجه التحديد، حرية قول وفعل وكتابة وتفكير وتعبير عن الرأي، ومشاركة في بناء المجتمع وصنع المستقبل.

أقول نفق السياسة لأن السياسة لم تكن يوما لدينا إلا سفرا في الظلام والخوف، ذلك النفق الذي تحاشاه الكثير من المثقفين محاولين اجتراح طرق أخرى تجنبا للويلات التي يمكن أن تنتج عن دخول ذلك النفق وتجنبا لكلفته العالية، كما لا يمكن أن ننسى الكثير أيضا من المثقفين الذين دفعوا ثمنا لمواقفهم وآرائهم نفيا وسجنا وتشريدا واغتيالا، وأحيانا موتا باردا رطبا وموحشا، لكن بالرغم من كل ذلك ما تكون الثقافة إن لم تكن مجابهة وتمردا ومشروعا للتغيير ولصياغة مجتمع أفضل وأكثر تقدما؟ بمعنى آخر ما تكون الثقافة إن كانت منفصلة عن قضية الإنسان وعن حقه في غد أكثر سلاما وعدالة وإنسانية؟

شاعر وكاتب من سوريا

14