الثقافة السورية ظل مستقيم لعود أعوج

الجمعة 2014/12/26
مناف زيتون: الثقافة في سوريا سيئة من حيث النوع

وسط الكم الهائل من الدمار والخراب الذي يحيط بسوريا من كل جانب، ووسط الصوامع والبيع المحطمة، كان سؤال الثقافة ولا يزال حيّا، هل هي سائرة إلى اندثار شأنها شأن كل ما تمّ تدميره في سوريا من آثار وتراث حضاري وإنساني وحتى شخوص؟ أم أنها تحاول المواجهة والصمود أمام من يحاولون تدميرها؟ وكيف يمكن توصيف المشهد الثقافي بسوريا في الوقت الراهن؟

على مدى ثلاثة أعوام هي عمر الثورة السورية، شاهد فيها الشعب السوري من الدمار والخراب ما يكفيه، كان الوضع السياسي في سوريا بمثابة “العود الأعوج”، وعلى الجانب الآخر حاولت الثقافة في سوريا أن تستقيم وتستمرّ، أن تتمسك بأمل البقاء والازدهار وسط الحطام.

ولم يكن المثقفون قاطنين لأبراج عاجية، فبعض منهم طال القتل والتدمير بيوتهم وأهاليهم فهاجر مضطرّا وهو ينعى غيابه عن وطنه، ويتحمل عبء الاغتراب الذي لم يكن أمامه حل سواه، وآخرون آثروا البقاء وسط الخراب ليكونوا جزءا منه، وليسطروا بأقلامهم كل لحظة يعايشونها أو يكونون فيها على وشك الموت.

وفي غمار الأحاديث اليومية، والخلافات والصراعات السياسية والطائفية وشتى أشكال الانقسامات في سوريا، يكون سؤال الثقافة صعبا في ظل انصراف الكثيرين عن مناقشته ومتابعته لحساب متابعة صراعات سياسية أودت بحياة الشعب السوري وشتتت أفراده، وخسرت فيها أطراف عدّة، وكان الموت هو الرابح الأكبر.

الكاتب السوري باسم سليمان، الذي صدرت له مؤخرا رواية بعنوان “نوكيا”، يرى أن النشاط الثقافي في سوريا مازال قائما، حيث لم تتوقف المسرحيات والأفلام وإصدارات الكتب والأمسيات الثقافية والملتقيات الثقافية، وأنه على الرغم من كل هذا الدمار الذي حل بسوريا مازالت هناك مسرحيات تعرض وكتب تصدر ودور نشر تعمل.

باسم سليمان: النشاط الثقافي في سوريا مازال حيا ينبض

الكاتب السوري عبدالله مكسور، صاحب روايتي “أيام في بابا عمرو”، و”عائد إلى حلب” يتبنى الرأي ذاته، إذ يؤكد أن الإصدارات الإبداعية للكتاب السوريين طوال الفترة الماضية كثيرة جدا، فضلا عن كثرة المجلات والصحف والمواقع الألكترونية.

ويشير مكسور إلى أن الأزمة في سوريا تكمن في تسويق المنتج الثقافي وإيجاد سوق حقيقية للمطبوعات، تساهم بشكل أو بآخر في إيجاد حالة ثقافية حقيقية تساعد المجتمعات على النهوض.

في السنوات الثلاث الأخيرة كثرت الإصدارات الروائية لأدباء سوريين، وكانت على رأسها رواية “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” للروائي خالد خليفة، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة للروايات المرشحة لنيل جائزة البوكر لعام 2014، ورواية “تقاطع نيران” للروائية سمر يزبك، و”من لا يعرف سيمون” للروائي عمر قدور، و”طبول الحرب” للكاتبة مها حسن.

بالإضافة إلى كتابات أدب السجون وعلى رأسها كتاب “خيانات اللغة والصمت: تغريبتي في سجون المخابرات السوريّة” للشاعر فرج بيرقدار. ومن جهة أخرى، لم تتوقف العروض المسرحية، وعروض الأفلام والمسلسلات في سوريا، كما تأسست العديد من الرابطات المعنية بالثقافة والفكر، وعلى رأسها رابطة الكتاب السوريين والرابطة السورية للثقافة الجديدة، وغيرهما.


إحصاء الخيبات


أما الروائية السورية ابتسام تريسي، والتي صدرت لها مؤخرا رواية بعنوان “مدن اليمام”، فتشير إلى أن الروائيين السوريين قدموا أعمالا كثيرة خلال الأعوام الماضية حول الثورة، منها رواية خالد خليفة “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، وأيضا روايات سمر يزبك، ومها حسن، وفخرالدين فياض وأعمال آخرين، ما يدل على مواكبة المثقفين للحدث السوري رغم صعوبته.

وتشدد تريسي على أن الكتاب السوريين المنشقين عن الاتحاد، والمجاهرين بمعارضتهم لنظام الحكم، قادرون بإمكانياتهم البسيطة على مواجهة الوضع المأساوي للثقافة السورية. كما أن رابطة الكتاب، أنشأت مجلة “أوراق” بإمكانيات مادية بسيطة جدا، وتبحث عن داعمين. وقامت أيضا بتخصيص جائزة للرواية، دعمها رجل الأعمال السوري يحيى القضماني.

في السنوات الثلاث الأخيرة كثرت الإصدارات الروائية لأدباء سوريين

وتلفت إلى أن المثقف السوري لا يملك وسط هذا الدمار حلا لإيقاف العنف، وإنما يقتصر دوره على التوثيق والتحليل، وإحصاء الخيبات والخسارات. وربّما فيما بعد يكون له دور رأب الصدع الاجتماعي، الذي خلّفته الحرب.


مؤسسات ثقافية مترهلة


الكاتب السوري مناف زيتون، صاحب رواية “قليل من الموت”، يؤكد أن وضع الثقافة في سوريا سيّئ جدا من حيث النوع، على الرغم من كثرة الإنتاج والعروض الثقافية، كما أن الحركة الثقافية السورية في الخارج لا تبدو أفضل بكثير مما عليه في الداخل، لافتا إلى أن الجانب المطمئن الوحيد في هذا الصدد هو اتساع دوائر القراءة لدى السوريين وإقبالهم عليها.

أما القاصّ السوري مصطفى تاج الدين الموسى فيشدّد على أنه لا يمكن الحكم على ثقافة أيّ بلد في العالم من خلال النظر إلى نتاجاته الأدبية خلال ثلاث سنوات، فالأمر يحتاج إلى فترات زمنية طويلة.

ويؤكد الموسى على أنه على الرغم من بروز أسماء عدّة استطاعت أن تقارب الواقع السوري في أعمالها إلا أنه في المجمل فإن الوضع الثقافي الراهن في سوريا لا يدعو إلى التفاؤل، نظرا لخضوعه لمؤسسات ثقافية مترهلة.

ويشير إلى أن ما كتب حول الحرب في سوريا مازال قليلا، وخصوصا أن الكثير من الكتاب يعيشون إلى الآن في مناطق يسيطر عليها النظام، ومن استطاع الخروج، لم يتأقلم بعد مع الواقع الجديد، فالأعمال الأدبية العالمية المهمة التي تناولت الحروب، أغلبها كتب بعد انتهاء الأحداث.

أما الكاتبة دينا نسريني، صاحبة رواية “أمل”، فترى أن الوضع الثقافي السوري جيّد في ظل الاهتمام باللغة العربية الفصحى، ووجود العديد من المعارف في المناهج التعليمية، ولكن في ما يتعلق بالفن والمنظومة الفكرية فهي تدار كما كل شيء في سوريا تحت رقابة سياسية شديدة، وفق شروط سنّها أناس غير مهتمين أساسا بالثقافة.

15