الثقافة الصينية في عصورها السحيقة

الأحد 2014/10/12
الإرهاصات الأولى للثقافة الصينية تعود إلى ما قبل 800 عام قبل الميلاد

بينما استطاعت الصناعات الصينية أن تغزو أسواق العالم، فإن الثقافة الصينية ما تزال عاجزة عن تحقيق هذا الانتشار العالمي لأسباب عديدة أهمها صعوبة تعلم اللغة الصينية، التي حالت دون انتشارها، وهو ما جعل الترجمة عنها نادرة، وحالت دون اتساع مجال انتشارها خارج محيطها، كما كان الحال بالنسبة إلى الثقافة الغربية التي انتشرت بقوة مع صعود المد الاستعماري الذي واكبه نشر لغاتها وثقافاتها في البلدان المستعمرة.

قد يكون من أسباب عدم معرفتنا بالثقافة الصينية وبتاريخ تطورها وأهم رموزها وتحولاتها أيضا هو عدم الاهتمام الصيني بنشر تلك الثقافة بالقدر الذي تسعى فيه لاختراق أسواق العالم اقتصاديا وماليا. من هنا فإن ترجمة مشروع كلمة بأبو ظبي لكتاب الباحث الصيني تشنغ يوي تشن (لمحة عن الثقافة في الصين) بمساهمة من الدكتور عبدالعزيز حمدي عبدالعزيز يعد محاولة هامة للتعريف بتاريخ هذه الثقافة وأعلامها وموضوعاتها وفلسفتها حيث يتمكن القارئ العربي من الاطلاع على هذه الثقافة منذ عصورها القديمة وحتى اليوم.


مفهوم صيني


يعيد الكتاب نشوء الإرهاصات الأولى للثقافة الصينية إلى ما قبل 800 عام قبل الميلاد حيث تشكلت تلك البدايات من تضارب آراء المدارس الفكرية المئة في أواسط الألفية الأولى قبل الميلاد، التي قادها مجموعة من الشرائعيين والطاويين والكونفوشيوسيين. مقدم الكتاب ومترجمه في إطلالة على تاريخ هذا البلد العريق يذكر أن الصين كانت تسمى جنة المؤرخين لأسباب عديدة منها أنها ظلت لآلاف السنين ذات مؤرخين يسجلون كل ما يحدث ولا يحدث فيها، وأن تاريخ الحضارة الصينية أكثر امتدادا وتعقيدا عن تاريخ أية أمة أخرى، وأقل تشعبا منها، فهو تاريخ متصل ومتواصل، والتاريخ يشكل لهم عصب المعرفة والحبل السري الذي يربط بين أجيالها المختلفة وبين عصورها، مما ساهم في محافظة الصين على بكارتها التاريخية والثقافية والفلسفية، دون المساس بتقاليدها وأخلاقها لعدة قرون.

إن الجانب الأساسي في فهم الثقافة ودراستها يتجلى في دراسة الأفكار ووسائل الإبداع ولذلك تتوزع الثقافة على أربعة مستويات هي المستوى الثقافي المادي الذي يظهر في الأنشطة الإنتاجية المادية للفرد والمستوى الثقافي النظامي الدال على سلوكيات الناس المعيارية، والمستوى الثقافي السلوكي الذي يدل على العادات والتقاليد والأعراف، وأخيرا المستوى الثقافي النفسي الذي يشير إلى سيكولوجية البشر الاجتماعية وأيديولوجياتهم.

يتوقف الكتاب عند مذهب كونفوشيوس الذي يعد أول نظرية في تاريخ الثقافة الصينية قامت على مبدأ الخير


خصائص ثقافية


يجمل تشن خصائص الثقافة الصينية في مجموعات من العناوين تتوزع على نوعين من الخصائص الخارجية والداخلية. تتحدد الخصائص الخارجية أولا في وحدة الثقافة الصينية عبر مراحل تطورها المختلفة حيث تشكل وحدة ثقافية لجميع القوميات، وثانيا في التواصل الثقافي الذي جعل هذه الثقافة في حالة تطور مطّردة عبر حلقات متصلة، ما جعلها تختلف عن مثيلاتها في مناطق أخرى من العالم. وهناك ثالثا القدرة على الاستيعاب التي جعلتها تضم أخلاطا من الأفكار والمعلومات حيث تمكنت ثقافة هان القومية الأكبر من استيعاب ثقافات الأقلية المحيطة بها، إلى جانب احتضانها للثقافات الأجنبية. وأخيرا هناك التنوع الثقافي بالتناسب مع مساحة الصين الواسعة وتعدد القوميات. ومن الخصائص الأخرى أنها تجسد الفكر الإنساني بجلاء وهي تهتم بالتناغم الاجتماعي ومبدأ الوسط، إضافة إلى ما تزخر به من مشاعر الارتباط بالأرض والفرح والطرب.

أما حول مستقبل الثقافة في الصين فيرى تشن أن هذه الثقافة في وقتنا الراهن تشهد مرحلة تحولات عميقة وضخمة لا سيما بعد مرحلة الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي ما سمح بدخول ثقافات العالم إليها وفي مقدمتها الثقافة الغربية. إزاء هذا الوضع يبرز في الصين موقفان موقف يتميز بالخوف من فقدان التقاليد ما يدفعهم لتغيير المذهب الكونفوشيوسي وتطويره وموقف آخر يطالب بالتخلي عن هذه التقاليد بحثا عن التجديد الكامل.


مصدر الثقافة


تؤكد الدراسات الحديثة أن تيار الثقافة الصينية لم يبدأ من غرب البلاد باتجاه شرقها بل إن هذه الثقافة تقدمت من كل مكان وتجمعت في نقطة التقاء واحدة، حيث حدث التفاعل والتمازج بين تياراتها المختلفة. الباحثون قاموا بتحديد مصدر تلك الثقافة القديمة ضمن أربع مناطق كبرى هي منطقة حوض النهر الأصفر ومنطقة حوض نهر اليانجتسي ومنطقة حوض نهر اللؤلؤ ومنطقة الشمال والشمال الشرقي.

الثقافة الصينية تجسد حالة من الاندماج مع التعددية الثقافية

ومع أن أساطير خلق العالم تكاد تتشابه في العالم إلا أن الثقافة الصينية القديمة جعلت من تلك الآلهة أجدادا للصينين القدماء. وبغية الوقوف على جوهر الثقافة الصينية يقوم تشن بدراسة الأفكار الفلسفية والنظريات لدى الفلاسفة عبر العصور باعتبار أن الفلاسفة هم من جسدوا حكمة الأمة الصينية وجسدوا ملامحها بصورة جعلت الماركسية في الصين لا تستطيع فك عرى التواصل بين ثقافة الصين الحديثة وأفكار الفلاسفة الأولين.

من هنا يتوقف الكتاب عند مذهب كونفوشيوس الذي يعد أول نظرية في تاريخ الثقافة الصينية قامت على مبدأ الخير الذي يشتمل على جميع الأخلاق الجميلة وهو ما أكمله أتباع كونفوشيوس الذين أقاموا تلك النظرية على قاعدة نظرية الطبيعة الإنسانية الخيرة.

وتعد أفكار لاوتسي وتشوانغ تسي النظرية الثانية التي أثرت في الثقافة الصينية. لكنه إذا كانت الكونفوشيوسية تقوم على الاندماج في العالم وتتناول التربية السياسية ويتركز دورها على المجتمع، فإن الطاوية اللاوتسية هي عكس ذلك لأنها تقوم على اعتزال العالم وتتناول بالشرح الكون والحياة في حين تركز على الفرد وتهتم أولا بالجانب الروحي للإنسان، ما جعل الطاو( أصل العالم) أهم مقولاته التي تعبر عن الحالة الأولية للكون.


الفلسفة والحكام


تعد هذه المدرسة من التيارات الفكرية الهامة التي أثرت تأثيرا كبيرا في المجتمع الصيني القديم وكانت تستند إلى أفكار هان فيي الذي كان يرى في فن الحكم والقوانين الصارمة وسيلة لمراقبة تصرفات الوزراء والمسؤولين الذي ينتهكون القوانين.

لكن الملاحظ في تاريخ الثقافة الصينية القديمة هو ارتباطها بتاريخ الأسر الحاكمة حيث ساد في كل مرحلة تيار فلسفي محدد فعلم الميتافيزيقا ظهر في وقت مبكر من الممالك الثلاث، بينما تمت دراسة مؤلفات كونفوشيوس في عهد أسرة هان. وشاعت دراسة الأفكار الأكاديمية والنصوص القديمة في عهد أسرة تشينغ. ويفرد تشن لدراسة المعتقدات والأديان حيزا خاصا يركز فيه على تميز الصين التي عرفت الأديان منذ العصر البدائي فكانت الطاوية والبوذية ثم الإسلام، لكنّ أيا من هذه الديانات الثلاث لم يستطع أن يسيطر على وعي الشعب الصيني بأسره، بل لم يظهر فيها ما يطلق عليه عادة تسمية دين الدولة. ولما كانت الحضارة الصينية هي حضارة زراعية فقد كان الدين لديهم يقوم على أساس السعي لمن يؤازرهم في معيشتهم ووجودهم وهو ما جعل تعدد الآلهة لديهم هو الظاهرة الأبرز.

تعد أفكار لاوتسي وتشوانغ تسي النظرية الثانية التي أثرت في الثقافة الصينية


التبادل الثقافي


إن ما يميز الثقافة الصينية هو أنها تجسد حالة من الاندماج والتآلف والتناغم مع التعددية الثقافية وهو ما ساهم في تطورها حتى وقتنا الحاضر الذي استطاعت فيه استيعاب أروع الإنجازات في الثقافات الأجنبية ويرى تشن أن من شروط تجذر الثقافات الأجنبية في الثقافة الصينية هو توافقها معها حيث تعدل ذاتها وتصلحها في هذا الاتجاه.

ومن الإسهامات الصينية التي لعبت دورا مهما في انتشار الثقافة هو طريق الحرير الذي كان يربط بين شرق الصين والمناطق الغربية لكن الحدث الأهم كان وصول البوذية إلى الصين، إذ شكل ذلك الحدث الثقافي الأهم في التبادل الثقافي بينها وبين البلدان الأجنبية، وفي تحقيق الاندماج الثقافي.

وبعد أن يتناول خرافة الإيمان بالألوان في النظام الإقطاعي والعادات الشعبية يتناول رمزية الماء في الثقافة الصينية وحضور الينابيع في الوعي الثقافي.

كذلك يدرس ما كانت تجسده الأبراج والأبنية الشاهقة من طابع قومي خاص في الصين القديمة، التي كان استخدامها هناك يتم على نطاق واسع جدا ما جعل تأثيرها الثقافي والاجتماعي يتسم بالثراء، وجعل الباحث تشن يركز على دراسة دلالات هذا الاهتمام بالأبراج من ناحية الشكل الخارجي واستخداماته ووظائفه.

12