الثقافة الطبية من منظور إعلامي

الخميس 2017/08/03

ما يميز وسائل الإعلام اليوم أنها تهتم بموضوع الثقافة الصحية وتتفن في أساليبها وتقديمها، وخاصة الفضائيات بل إن الكثير من الصحف المطبوعة تخصص ملاحق خاصة للموضوعات الطبية المختلفة، بالمقابل هناك تقبل كبير من الجمهور لمتابعة هذه البرامج والمطبوعات، وهو أمر إيجابي يؤشر على ارتفاع منسوب الوعي الصحي والثقافة الطبية.

ولكن المشكلة مازالت في ملعب الإعلامي وكذلك في المعلومة الطبية المتناقضة. فالمهارات التخصصية للإعلامي مازالت قاصرة في فهمها العام على تحويل لغة الطب التخصصية إلى لغة صحافية مفهومة دون افتقادها لروح المعاني الطبية وحيويتها.

والمعلومة الصحية التي تقدمها وسائل الإعلام على نوعين: معلومات صحية متخصصٌة تقدم ضمن البرامج الصحية للتوعية التي يقصد بها إمداد الأفراد بالمعلومات والتجارب والخبرات للمساهمة في حل مشكلاتهم الصحية، والثانية معلومات صحية تقدم في ثنايا البرامج غير المتخصصة مثل برامج الأسرة والبرامج الصباحية، حيث تقدم فيها معلومات صحية حول أحدث المكتشفات الطبية وحول بعض الأمراض وكيفية الوقاية منها، وتكون مصادرها عادة وكالات الأنباء والصحف.

إن مشكلة وسائل الإعلام هي عدم كفايتها سواء من حيث الكم أو الكيف، وتركيزها ينصب على توصيل المعلومة وليس على تغيير السلوك الذي يعتبر الغاية النهائية لعملية التثقيف الصحي، وعدم أهلية بعض من يقدمون هذه البرامج، أو الذين يكتبون في الصحف والمجلات، وعدم إشراك الأطباء والجمعيات العلمية في إعدادها لتحقيق النجاح لها، لأن الثقافة الطبية خير وسيلة لتطبيق نظرية الوقاية خير من العلاج، وكلما ارتفعت مستوياتها في المجتمع أعطت أدلة على الوعي، وتجنب الدخول في مخاطر الأمراض ومضاعفاتها.

وبالتالي فإن التثقيف الطبي أو التثقيف الصحي هو عملية إيصال المعلومات والمهارات الضرورية لممارسة الشخص حياته وتغيير بعض سلوكياته لتحسين نوعية هذه الحياة، الأمر الذي ينعكس على صحة الفرد والجماعة والمجتمع.

وهذا يعني أن التثقيف الصحي يختص بتغيير وجهات نظر الفرد والمجموعة وسلوكهم لتحسين المستوى الصحي. وله ثلاثة أهداف رئيسية هي: توجيه الأشخاص لاكتساب المعلومات الصحيَة، وحث الأشخاص على تغيير مفاهيمهم الصحية، وتوجيه الأشخاص لاتباع السلوك السليم المرغوب فيه.

إن من أهم أدوار وسائل الإعلام، هو تبسيط المصطلحات الطبية بشكل صحيح للجمهور، وهذا يتم من خلال التركيز على المصطلحات المتداولة شعبيا وتقريبها لمدارك الجمهور المعرفيّة، وتبسيط المصطلحات الطبية المعقدة، واستخدامها بما يتناسب وثقافة الجمهور، والتقليل من المصطلحات قدر الإمكان، وليس إلغاؤها، لكي لا يتشتت ذهن الجمهور، مع أهمية تقديم الرسالة الطبية من خلال التنوع والتشويق والتركبز على الصور الإعلاميّة الذكيّة، وحداثة المعلومة وعدم تناقضها، وتقديم الأمثلة والشواهد لتقريبها إلى عقل المشاهد، والاهتمام بأسلوب الكتابة وطريقة العرض والترتيب المنطقي للأفكار، ودقة المفردات والعبارات في التعبير عن الأفكار، وقلة الرموز والتجريدات، وأن تراعي وسائل الإعلام متغيرات المجتمع عند عرض برامجها ورسائلها الإعلامية المرتبطة بالتثقيف الصحي، بحيث تكون ملبية لحاجات كافة الأعمار والمستويات التعليمية والاقتصادية والثقافية وأن تكون رسالة التثقيف الصحي الموجهه تتناسب مع نوع الوسيلة الإعلامية المستخدمة والفئة المقصودة بالرسالة لمعالجة احتمالية عدم استخدامها وعدم تناسبها معها سواء لأسباب فنية أو اقتصادية أو تعليمية.

إن الثقافة الصحية يجب ألا تفهم بصورة ضيقة تتعلق بوجود المرض أو غيابه، بل يجب أن تكون أوسع من هذا المفهوم الضيق باعتبارها تتعلق بحياة الإنسان اليومية وتدرس كنمط من أنماط الحياة وتحاول التأثير عليها بما يحقق للإنسان الصحة والعافية بمفهومهما الواسع، ويتضمن هذا الأمر عناصر عديدة أهمها: العنصر المعلوماتي، وتحديدها بالصورة الميسرة والمفهومة والمحددة، ومعتمدة على حقائق لا يمكن أن تتأثر بمفاهيم خاطئة أخرى حيث أن الحقيقة العلمية يجب أن تكون عنصرا أساسيا في خلق وتقديم المعلومة. فالمعلومات تقدم نوعا من الدعم الاجتماعي للإنسان، فعندما يواجه الإنسان تهديدا صحيا على سبيل المثال فإن الحصول على المعلومات المناسبة يساهم في تخفيف حدة القلق والمعاناة لدى ذلك الإنسان.

وبشكل عام فإن هذه البرامج تحتاج إلى الكوادر المتخصصة بالقطاع الصحي، بحيث نستطيع أن نقول بمنطق الطب: الوقاية الإعلامية خير من العلاج الطبي!

أستاذ بكلية الإعلام –جامعة عجمان

18