الثقافة العراقية بحاجة إلى قبر

السبت 2013/10/05

كل إنسان هو في الحقيقة أسير حياته الشخصية. مشاكل عائلية، تعقبها مأساة صحية. لكي تكتب عليك أن تكون قاسيا حقا.

تخيلوا هنري ميللر مع خمسة أطفال، وزوجة بدينة مصابة بالسكر، يعمل في مطعم يوناني عشر ساعات يوميا... هل كان سيكتب شيئا؟

فكر بما سيحدث لو متَّ الليلة؟ سيدفنونك ويتم نسيانك. تخلص من التفاصيل الشخصية، واعتبر نفسك فعلا قد متَّ ودفنوك. عندها تنهض من قبرك حرا من الجميع لا شيء يشغلك. لا المال، ولا العمل، ولا المشاكل العائلية، ولا الصحية.

أنت تعيش لتقرأ وتكتب ولا تسمح لهم بخداعك أبدا. أيها الكاتب المجيد والميّت الحيّ. المرأة تريد ممارسة السلطة والإستلاب على الكاتب. فالحب عندها ليس تبادلا بسيطا للمتعة والمرح. صاحب العمل لا يقبل بتبادل بسيط لوقتك مقابل الأجر هو أيضا يمارس على روحك وعقلك سلطة استلاب. أيها الكاتب البربري، الذابح للحياة، يا ذئب البوادي المخيف احذر الحب والعمل ولا تمنح أحدا روحك. أنت الميّت العظيم في مأساة الحياة البشرية. لا تقتسم مجدك إلا مع الآلهة وارحل نادما بلا ندم.

أول شيء سنفكر به ساعة الموت هو الكتب التي لم نقرأها، الخواطر التي لم نكتبها، والوجوه الجميلة التي لم نرها.

الهواء المنعش الذي لم نتنفسه، الظهيرة الساطعة التي لم نغرق بنورها... والحب هل كان كما ظننا أم هناك حب آخر...

سنندم، على أية حال، لأننا لم نسمع تلك الموسيقى المصاحبة للمأساة الإغريقية لأنها ضاعت كما ذكر نيتشه. ولسوف نحزن لأننا ربما لم نتعرف على المرأة الحقيقية... لم نلمس يدها أبدا، ولم نأكل الحياة من بيتها. نحن مجرد تفتح بيولوجي في الوجود... الشيء الوحيد المذهل هو العقل... ذلك التناقض الذي جعل من الإغتراب فينا قدرا...

وكلما حدثت اضطرابات سياسية وحروب ظهر الاغتراب والقلق بشكل أكثر وضوحا في الحضارات وطفحت التساؤلات الفلسفية ونشطت الثقافة. لا يوجد اندفاع ثقافي في كندا مثلا لأن النظام السياسي مستقر، والاقتصاد قوي، والبلد منظم... إن قوى الشعب الكندي تم استهلاكها في إنتاج الرفاه... والرفاه أدى إلى غياب القلق، والهموم الشعرية، والفنية، والفلسفية.

لكن الإنسان العربي يعيش اقتلاعا، واضطرابا من المفترض به أن يكون قادرا على هز الشجرة المحرمة، وابتداع المأساة، والجمال في الثقافة. لم يتحقق ذلك بسبب الدين... الذي يتحول إلى تفسخ عقلي في فترات الانحطاط، بحيث يغيب الإنسان ويظهر المقدس فقط كانتقام بشري جبان ضد الضعفاء.

الثقافة المتفشية اليوم هي ثقافة دينية طبيعتها كما تعلمون الأفيون والتخدير وعزاء العبيد والفقراء في هجاء الحياة واحتقارها وتمجيد القيود العبودية، "أولئك الذين يحملون أسوأ المشاعر عن انفسهم" (بتعبير هيغل) يقودون الثقافة العراقية اليوم. حتى الأدب والفن تحول إلى تسلية... علامة من علامات التفسخ والانحطاط.

وهذا طبيعي، فكروا معي لماذا القرون الوسطى الطويلة المظلمة بكل أوبئتها وحروبها الطاحنة، بأممها الأوروبية العظيمة لم تنتج سوى فيلسوف واحد هو توما الإكويني (ت 1274م) الذي هو قس أيضا في نفس الوقت. شيء مشابه (مع الكثير من التحفظ) لـ محمد باقر الصدر (ت 1980) وأحمد القبنجي.

رجل معمم يقود الثقافة بشكل غريب والمثقف يتبع بلا تمرد ولا تساؤل. بل التمرد نفسه يقوده معمم ضد بقية المعممين والمثقف العراقي مجرد دجاجة تأكل الثقافة المنافقة وتبيض الشعر الفاسد. هذه الثقافة في القرن الواحد والعشرين بحاجة إلى قبر كبير.


شاعر من العراق مقيم في كندا

16