الثقافة العربية تغلغلت في المجتمعات اللاتينية منذ القرن الخامس عشر

المسافة الفاصلة بين الفضاء العربي الإسلامي ومناطق أميركا اللاتينية، لم تحل دون وجود تواصل بشري بين الفضاءين، تفاوت منسوبه حسب الفترات وتأثر بمقتضيات التاريخ والسياسة والاقتصاد. هذا التواصل نراه جليا، إلى اليوم، عبر الإسهامات العربية الإسلامية في العادات والتقاليد والفنون واللغة وغيرها من المظاهر التي أقامت الدليل على أن العرب مروا من تلك المناطق وأثروا فيها وتأثروا بها.
الاثنين 2015/11/16
الحضور العربي في دول أميركا اللاتينية مثل البرازيل أثرى المشهد الثقافي

الرياض- سجلت الثقافة العربية حضورها مبكرا في العديد من دول العالم ومن بينها دول أميركا اللاتينية. ورغم أن الدراسات التاريخية اختلفت على تحديد بدايات تواجد العرب في هذه الأرض، إلا أن علامات تأثر المجتمع الأميركي اللاتيني بالحضور العربي تبدو جلية في الحياة اليومية التي حافظت على إرثها الثقافي في الفنون مثل الرقص والفلكلور وفي عادات اللباس والغذاء واللغة وغيرها.

وتمكنت الثقافة العربية من التغلغل في تفاصيل حياة مجتمعات دول قارة أميركا الجنوبية منذ وصول أول مسلم إليها في القرن الخامس عشر، وبرزت في مختلف نواحي حياتهم، بدءا من اللغة اليومية التي تضم 500 مفردة عربية، مرورا باستخدام فنون العمارة والتصميم في تشييد البناءات الكبرى والزراعة بطرقها الأندلسية، وصولا إلى التقاليد والعروض الفلكلورية المنبثقة عن التراث العربي الإسلامي في بلاد الأندلس.

وأوضحت جل الدراسات التاريخية أن ما يزيد عن ثلاثة ملايين من العرب كانوا قد هاجروا إلى أميركا الجنوبية في نهاية القرن التاسع عشر، وبلغ عددهم الآن نحو 40 مليون نسمة.

وقيل إن بعض المسلمين الموريسكيين الذين كانوا يعيشون في الأندلس، كانوا ضمن فريق المستكشف الأسباني كريستوف كولومبس في رحلته إلى قارة أميركا الجنوبية في القرن الخامس عشر، حيث كان يستعين بهم ضمن فريقه من الرحالة، وذلك بالنظر إلى ما يعرفون به من كفاءة وتمكن من علوم الفلك والملاحة وصناعة السفن، كما يؤكد مؤرخون أن كولومبس استخدم قاموسا احتوى على كلمات ومفردات عربية في مذكراته.

الحضور العربي في أميركا اللاتينية لم يقتصر على الفولكلور بل امتد إلى النشريات والصحف العربية

وعند العودة إلى القراءات التاريخية للوجود العربي في القارة اللاتينية، يمكن أن نستدل بمقولة العالم الأرجنتيني كارلوس مولينا ماسيي الذي عاش خلال الفترة من 1884 إلى 1964 “في بداية تأسيس العالم اللاتيني نتذكر أن ثمانية قرون من الوجود العربي المسلم في شبه الجزيرة الإيبيرية (التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من قارة أوروبا) قد طبعت سكان شبه الجزيرة بالجنس العربي الذي ميزهم، ووصل منهم إلى بلادنا ما يقرب من 80 بالمئة”.

وما يعزز قول كارلوس، حديث عالم الأجناس في جامعة أوتو الألمانية الدكتور مايو ري، الذي بيّن أن وصول العرب إلى قارة أميركا الجنوبية سبق زمن كولومبس بنصف قرن على الأقل، مستشهدا بآثار عثر عليها في كهوف الباهاما في خليج المكسيك اشتملت على جماجم تعود لسكان عرب استوطنوا القارة قبل مجيء المستكشف كولومبس.

وتميّز سكان أميركا الجنوبية بانفتاحهم الحضاري والثقافي على مختلف شعوب العالم، ممّا أسهم في سرعة انسجامهم مع مختلف الشعوب التي هاجرت إلى القارة، وخاصة منها الشعوب العربية الإسلامية، حيث تجانس اللاتينيون معهم في الكثير من الثقافات بل وانصهروا فيها إلى ما يمكن وصفه بالذوبان في بعض الأحيان، لتتمخض عن هذه الخطوة عادات مشتركة منها خلق توجهات في بناء الأسرة والعلاقات الاجتماعية والمفردات المتداولة والتراث الشعبي والزيّ التقليدي، حسب قول مدير مركز الملك فهد الثقافي في الأرجنتين محمد الحربي في تصريح لوكالة الأنباء السعودية.

وكان مدير إدارة الثقافة وحوار الحضارات في جامعة الدول العربية محمد بن سالم الصوفي قد أفاد في وقت سابق بأن المرأة البرازيلية مثلا استلهمت طريقة لباسها من عادات اللباس النسوي لدى الأندلسيات وكيّفت أسلوب حياتها في تناغم مع أسلوب عيش المرأة في صقلية إبان العصر الأندلسي، كما تأثرت بأناقة نساء ذلك العصر حتى أصبحت مظاهر اللباس المتعارف عليها في البرازيل مستوحاة من التأثر بالأندلسيات.

ومن ناحية أخرى فقد ظلت الفنون العربية مكونا بارزا في العروض الفلكلورية التي تُؤدى بشكل جماعي أو فردي في بعض دول قارة أميركا الجنوبية حتى وقتنا الحاظر، وهي تتمتع بقيمة رمزية تاريخية يلوح فيها بشكل جلي تأثرها بالحضارات الوافدة على القارة إلى جانب طابعها الأصلي الوطني ومن بينها عروض لاكويكا في تشيلي ولاكوكيا سامبا في البيرو، والتانغو في الأرجنتين، علاوة على الموشحات المستوحاة من الموشحات الأندلسية.

وصول العرب إلى أميركا الجنوبية سبق زمن كولومبس، وتدل على ذلك آثار في كهوف الباهاما في خليج المكسيك

وفي هذا السياق أكد الصوفي أن العلاقات الثقافية التاريخية بين العالم العربي ومجتمعات أميركا الجنوبية تستمد قيمتها من المشتركات القديمة، وأن الإسهام العربي واضح في تشكيل الهوية والتقاليد في هذه المجتمعات حتى أن العديد من الشخصيات ذات الأصول العربية استطاعت اليوم بفضل هذا التلاقح الحضاري أن تتقلّد مناصب سياسية وأكاديمية رفيعة في تلك القارة، والكثير منهم حقق نجاحات متعددة في عالم الاقتصاد والأعمال والثقافة والفن.

لكن الحضور العربي في أميركا اللاتينية لم يقتصر على الجوانب المشار إليها مثل الفولكلور واللباس وغيرها بل امتد أيضا إلى الجانب الفكري المتصل بوجود نشريات وصحف عربية منذ وقت مبكر، والدليل على ذلك أن ما كشفته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في المملكة العربية السعودية عن صدور 200 صحيفة ومجلة عربية في دول قارة أميركا الجنوبية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، سعت خلال مسيرتها إلى خدمة اللغة والأدب العربيين والانفتاح على الثقافات الأخرى، علاوة على خدمة أبناء العرب في القارة الأميركية.

وشكلت هذه المطبوعات منعرجا في مرحلة من مراحل تطور الصحافة والأدب العربيين بشكل عام، ومن جملة الأعداد المودعة بخزائن المكتبة مجموعة صدرت بمدينة سان باولو البرازيلية وهي صحيفة الاتحاد العربي: سياسية أسبوعية صدرت عام 1919، ومجلة الفرائد أدبية أسبوعية صدرت عام 1910، ومجلة الكرمة شهرية عامة صدرت عام 1914، ومجلة الأنيس سياسية أدبية نصف شهرية صدرت عام 1916، ومجلة الأندلس الجديدة شهرية صدرت عام 1932، ومجلة الجالية أدبية ثلث شهرية صدرت عام 1922، ومجلة الأمازون أدبية تاريخية شهرية صدرت عام 1917 في مناوس بالبرازيل.

وإضافة إلى الدور الإعلامي لهذه الصحف فقد لعبت دورا هاما في التعريف بالأدب واللغة العربيين وفي نشر مختلف وجوه الثقافة العربية في دول أميركا اللاتينية، حيث مثلت جسرا لربط العرب بأصولهم وهو ما جعل تأثيرها وتأثير العرب قويا في هذه المناطق، حيث صمد إلى اليوم وظل يقيم البرهان على أن الفنون بمختلف أشكالها والأدب والثقافة لا يمكن أن تحصر بضوابط الجغرافيا والتاريخ.

12