الثقافة العربية على مفترق الأنوثة والذكورة

الأحد 2014/01/19
تخطيط ساي سرحان

“إنا إناثُ لما فينا يولّده فلنحمد

الله، ما في الكون من رجل

هذا البيت لابن عربي، المولود سنة 560 هجرية، 1165 ميلادية في مدينة مُرْسيه في الأندلس، والمتوفى في دمشق سنة 638 هجرية 1240 ميلادية والمدفون اليوم بتربة جامع يحمل اسمه في سفح جبل قاسيون.

يضيف ابن عربي:

إن الرجال الذين العُرف عيَّنهمْ

هم الإناثُ وهم نفسي، وهم أملي


الحقيقة النسائية


لا أجد صوتاً في الثقافة العربية بأسرها منذ القرن الثاني عشر الميلادي وحتى اليوم يمكن أن يكون أكثر عمقا وإشراقاً في فهمه وانشغاله بمفردتي المؤنث والمذكر، وفي علاقته بذاته المكونة من هذين العنصرين وبالعالم، من الشيخ محيي الدين بن عربي، المعتقد بمبدأ وحدة الوجود، لما تفصح عنه نظرة ابن عربي إلى المؤنث من فهم خاص للإسلام في رؤيته إلى الأنوثة والذكورة والمرأة والرجل. والمعتقد في الوقت نفسه بإمكان الوصول إلى ما يسميه المتصوفة المسلمون بـ “الحق”، عبر طرق كثيرة:

عقد الخلائق في الإله عقائد

وأنا عقدت جميع ما عقدوه

وقد قاد هذا الفهم للوجود ابن عربي إلى ابتكار توصيفات خلاقة للمؤنث في علاقته بالمذكر، وللموقف من الأنوثة، حتى ليمكننا القول إن حضور الأنوثة والمؤنث في فكر ابن عربي وفي ثنيّات من خطابه الديني والفلسفي والأدبي، يجعلنا على يقين من أنه متصل عميقا بتصوراته لـ “الكون والإنسان واللغة والعرفان والسلوك والخيال” كما عددتها نزهة براضة في كتابها الشيق “الأنوثة في فكر ابن عربي”. وتشير هذه الباحثة إلى أن فصلا في كتاب “فصوص الحكم” لابن عربي تحت عنوان “حكمة فردية في كلمة محمدية”، أودع فيه ابن عربي زهرة فكره فيما يتعلق بالمرأة والأنوثة أو ما يسميه “الحقيقة النسائية ممزوجة بالحقيقة المحمدية”، معتبراً، وهنا الجوهر الذي جعلني أستدعي ابن عربي لأقوِّله مرة أخرى ما قاله بصدد المرأة، أن “الأنوثة مرآة للغيب، وانعكاس لحقيقة الوجود معاً”.

هذه مجرد إشارات، وحسب، أترك الإبحار مع مصادرها لمن يريد أن يستطلع ويستزيد، وأذهب رأساً إلى التساؤل عن سبب تلك الفجوة، بل والجفوة بين ثقافتنا الحديثة وتصورات ابن عربي ومداره الثقافي الكامل حول المؤنث والأنوثة. بكلمة أوضح، من المؤسف أن ثقافتنا الحديثة لم تتطلع جهة ابن عربي بينما هي تبني تصوراتها المعاصرة حول الذكورة والأنوثة والرجل والمرأة، والاجتماع.

هذا سؤال، وهناك سؤال آخر أكثر تخصيصاً واتصالاً بالكتابة والإبداع؟

وهو هل يصح الوقوف، باستمرار، ضد تصنيف الإبداع نسبة إلى جنس مبدعه؟ كما فعل كثيرون في ثقافتنا العربية؟

لطالما رأى المثقفون العرب الذين يصفون أنفسهم ب”المتقدمين”، أو “التقدميين”، ومرات بالحداثيين، ورأيت معهم، بشيء من المجازفة وغياب الدقة، أن الكتابة الأدبية (رجلاً كان صاحبها أو امرأة) تصدر عن الإنسان الكلي، ابن المجتمع، الحاضر في لحظة التاريخ، المتمثل لمشكلات عصره، والناظر إلى المستقبل، بصرف النظر عن الجنس والهوية والعرق، وبعيداً عن أية اعتبارات للفروق الجنسية والاجتماعية والجغرافية. والآن أشعر أن مثل هذا الاعتقاد كان ينقصه التحديد، فضلاً عن أنه ظلَّ يفتقر إلى الدقة، خصوصاً عندما يعوزنا أن نذهب إلى تشخيص المشكلات والقضايا التي تتداخل، ومن ثم تسهم في تشكيل الكتابة، وتحديد معالمها وغاياتها، وتفصيلاً، عندما نتفكر في الأنوثة وموقعها من الفنان، وفيه.


قيم الرجولة

لربما كانت ضآلة الوعي النقدي، وضعف الاستعداد لفحص المقولات التي تسيطر على الوعي الجمعي ومراجعتها، وتأسر المخيلة الجماعية للمثقفين، سببين لافتين في تخلف تلك الذهنية التي دأبت على إنتاج، وإعادة إنتاج الأوهام حول الآخر/ المرأة، في سياق نظرة إلى الأشياء تسلِّم بالمعطى، من دون فحص، وتأخذ بالأشياء على عواهنها وعلاتها. يستوي في ذلك (وإن بدرجات متفاوتة) المثقف الإسلامي، والمثقف العلماني (قومياً) كان أم ماركسياً، أو هو ليبرالي، سلفيا كان أم حداثياً.

والسؤال، الآن، ما الذي يجعل النظرة إلى المرأة، والسلوك بإزائها، لدى هؤلاء جميعاً، محكومين، في الجوهر منهما، بمقاييس ومعايير متقاربة، حتى لا نقول متشابهة؟

(قيم الرجولة ومقاييسها السائدة) بما يجعلنا نتخيل أن الفجوات القائمة بين فكرٍ وفكرٍ يتخالف معه، تبقى نظرية، حتى لا نقول قِشريّة، وبالتالي لا تجد ما يردمها إلا بما في ذلك السلوك المشترك من تسييد لقيم ذكورة معتدّة بتفوقها.

بداهة، يبدو لي أن الموقف من المرأة، لابد أن يعتبر معيارياً، مادام وعينا يسلم بحقيقة أن الوجود ينهض على عنصري الذكورة والأنوثة، وأن الحياة لها صانعان متساويان في الجوهر رغم اختلافهما في العرض، وبعض الوظائف.

والسؤال الجوهري الآن: ما الذي يجعل المثقف العربي خائفاً ومرتاباً من المؤنث والأنوثة؟‍

وإذا كانت خبرة الوعي بالشيء هي المدخل لتغيير جوهري في الموقف من الأشياء، فإن المثقف النقدي، بوعيه المتجدد، هو، من حيث المبدأ، الأقدر على التخلي عما اغتصبه (الرجل) عبر التاريخ من حقوق المرأة واعتبره حقاً مكتسباً، ممزِّقاً بذلك النسيج الروحي والنفسي المضيء الذي ظلّ يلوّن الكائن بألوان الأنوثة والذكورة، ويصنع المتعدد فيه.


فضاء ثالث

ولكن الأمر في ثقافتنا يبدو أعقد من هذا التشخيص المبسّط، ومن تجربتي الشخصية يوم كنت أصدر مجلة “الكاتبة” في لندن مطلع التسعينات، تحت عنوانين عريضين: “مغامرة المرأة في الكتابة، مغامرة الكتابة في المرأة” و”الكاتبة فضاء ثالث”، وفي استقصاء أعددته حول “المؤنث” والرجل العربي توجهت به إلى الشعراء والكتاب العرب، بقصد التعرف على طبيعة نظرتهم إلى مسألة الأنوثة والذكورة، ومدى انشغالهم بها، وموقع المؤنث من إبداعاتهم، وقبلاً من تكوينهم الفكري والروحي، بدا لي أن غالبية المثقفين العرب لم يكونوا منشغلين بالفكرة، أو هم دوهموا بالأسئلة المطروحة، ووجدوها، ربما، أكثر جرأة من أن تُحتمل،

في ظلّ واقع عربي يشهد تخبطاً اجتماعياً وروحياً، ونكوصاً فكرياً مطّرداً، يجد تجلياته في حوادث ومظاهر شتى أصابت في الصميم مختلف نواحي الحياة والنشاط الإنسانيين في العالم العربي. رصدتُ يومها تهيباً من الفكرة، حتى من قبل أولئك الذين تحمسوا لها، ولم يجدوا فيها، كما رأى بعض المحافظين، مجرد فكرة فبركتها مخيلة شخص “مناصر للمرأة” كما يوصف النسويون العرب عادة، أو وسيلة لنشدان إثارة ما تُحقق رغبة متطرفة في مخالفة الأشياء ومعارضة السائد، على العكس من ذلك، إنما رأوا في بعض ما رأيناه مدخلاً ضرورياً لطرح تساؤلات فكرية وجمالية متقدمة حول الأنا والآخر، من باب استكشاف الأبعاد النفسية والوجدانية العميقة التي تقوم عليها العلاقات بين الرجال والنساء العرب، والمحتوى الفكري والجمالي للقاء الأنوثة والذكورة في كائن، وبين كائنين، وكائنات، ومن ثمة التجليات الجمة والثرية لهذا اللقاء كما تنعكس في الظواهر الأدبية والفنية، للوقوف أخيراً على الإشكاليات التي تحكم هذه العلاقة. وما ينتج عنها.


المثقف الخائف

والسؤال الجوهري الآن: ما الذي يجعل المثقف العربي خائفاً ومرتاباً من المؤنث والأنوثة؟ لنكن أكثر صراحة، ونعترف أن الشخص الموصوف تقدميا يسلّم بالأفكار الجديدة والجريئة، وعندما يصل الأمر إلى السلوك تتبدى مظاهر عجزه عن المغامرة وخوفه من الأخذ بها أخذ السالك، حتى لتبدو الهوة بين الفكر وفعله في الواقع والوقائع، سمةَ ثقافةٍ، ودليلاً إلى شرخ عميق في الشخصية الثقافية العربية.

إن السؤال، هنا، حول المؤنث والرجل يتيح فرصة لامتحان مدى استعداد المثقفين العرب وجديتهم في مراجعة منظومة كاملة من الأفكار والتصورات والأعراف التي أسست لقيمهم ومبادئهم ونظراتهم الخاصة إلى الوجود، بدءاً من وجودهم الخاص، والتي تجد ترجمتها في مجمل المواقف من الحياة والمجتمع والثقافة والتاريخ، وفي الأساس منها النظرة إلى الآخر/الأنثى، وموقعها الاجتماعي.


الأدنى والأعلى

وهذا، كان وما يزال، يقودني إلى جملة من التصورات المتناقضة والمتضاربة مرات.لكأن الأنثى بإزاء (رجولة الرجل) في العالم العربي ما تزال الأدنى بإزاء

الأعلى، والأضعف بإزاء الأقوى، والقاصر بإزاء الحامي، بل والناقص عقلاً بإزاء الحكيم.

ولها في ختام هذه السلسلة من الصفات والأوضاع مقعد المربية المنضبطة امتداداً لوظيفتها النهائية كحاضنة أطفال، أما عالمها الذاتي فهو لن يحضر إلا كتفصيل في عالم الرجل.


أرض ثالثة


لئن غيبت منظومة القيم السائدة في المجتمع العربي الأنثى والمؤنث (كحيز اجتماعي مهمش تاريخياً) في مكان قصيّ من ذات الفنان، ورمت ظلالاً قاتمة على هذا المكان من نفس المبدع العربي، فإن الخوف من (الأنوثة) على مصائر (رجولة ناقصة وركيكة!) لا يمكن تفسيره إلا على أنه خوف من الذات ومجهول النفس لدى الرجل، وخوف من مغامرة الحرية وتجريب الانفكاك عن الموروثات السلبية في اللاوعي الجمعي (لدى الرجال والنساء معاً) وأفدحها، قطعاً، تلك التي تقوم على الخوف من المرأة والخوف من الآخر. وهو خوف غير مسوّغ له، حقيقة، لدى الفنان، ما دام إبداعه يقوم على مناهضة الظلم ومقاتلة القيم البالية، ومنها تلك القيم المفرطة في (ذكوريتها)، والتي تقف عقبة أمام اعتراف الفنان بما يتحرك فيه من نزوع مضاد لكل ما هو قمعي، بينما هو يستعد للعطاء المبدع بالمعنيين الفكري والجمالي، ولخوض مغامرة خلاقة تتطلع إلى الكينونة الإنسانية. هنا تبدو المهمة الكبيرة والحرب الصامتة التي ينتظر من المبدع خوضها ليتخلص من رواسب التفكير القديم، وما تكون مساحة تعبيره، ساعتئذ، غير تلك الأرض الثالثة المشرقة حيث يتحرر الكائن من عقد الصراع بين النساء والرجال، بعيداً عن التحرك النسوي المغالي في انقساميته، لصالح لقاء إنساني منفتح وخلاق بين الرجال والنساء في إطار علاقات من الاحترام الاجتماعي، والإقرار بحقوق المرأة بوصفها فردا مساويا.


طاقة استثنائية

بداهة، ليس في وسع المبدع التعبير عن الكينونة الإنسانية، بوصفها كلا، من دون تمثل الآخر المختلف، وتمثله ليس مسألة نظرية، أي أنه لا يمكن أن يتم من دون الدخول في منطقة الأنثى، والأنثوي، والمؤنث. فماذا تقول، مثلاً بالنسبة إلى كاتب روائي يصوغ شخصياته النسائية، ويمنحها حياة من طراز معين، مطلقاً لها حرية الحركة والفعل في نصه الروائي، أو في مساحة أساسية منه، من دون معرفة عميقة بواقع المرأة؟

والسؤال هو: أية وسائل معرفية، أية تجارب عملية وفكرية وشعورية، أية تصورات وقفت وراء هذه الصياغة، وأين يكمن الرصيد الفعلي للفنان من الخبرات المتعلقة بهؤلاء النسوة، أفي كيانه أم خارج هذا الكيان؟!

لا أجد صوتاً في الثقافة العربية بأسرها منذ القرن الثاني عشر الميلادي وحتى اليوم يمكن أن يكون أكثر عمقا وإشراقاً في فهمه وانشغاله بمفردتي المؤنث والمذكر، وفي علاقته بذاته المكونة من هذين العنصرين وبالعالم، من الشيخ محيي الدين بن عربي

كذلك الحال بالنسبة إلى الكاتب المسرحي وشخصياته النسائية، والشاعر وصوت المرأة في شعره، والمفكر، والمحلل النفسي، والموسيقي، بما تحمله موسيقاه من طاقة استثنائية، وما تشع به من تيه ودلال وشفافية المؤنث وقدراته الجمالية المؤثرة.


أصوات الكائن


في أية أرض وفي أي منجم تنبعث تلك الجمالات القادرة على ملء النقصان في حدود الجنس الواحد وصولاً إلى الكمال والانسجام في الكائن وفنه، لو لم يكن ذلك في الاستسلام للجاذبية القوية التي يملكها المؤنث. لن نخشى أن يبدو كلامنا، هنا، إسهاماً في تكريس صراع مفتعل بين الرجل والمرأة (وهو ليس مفتعلاً دائماً) كبديل من صراعهما المشترك ضد القوى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المتسلطة التي تهمشهما معاً على مدار العصور، وصولا إلى عصرنا الحديث، وذلك عبر صيغ للعلاقة تسلِّع وتشيّئ لقاءهما، وقد حكمت هذا اللقاء منذ القدم ضرورات ودوافع ومشاعر وحالات لها غموضها وعمقها وشفافيتها وأسرارها، بما يجعلنا أمام حالة لقاء عبر الاختلاف بين كائنين لا حدود لعناصر اللقاء بينهما، ولا مناص من تحرير هذا اللقاء من شتى العقد المتراكمة عبر التاريخ.

مروراً على هذه الخشية وذلك الخوف من الشفافية والصراحة في التعبير بصدد الأنوثة، فإن ما يجدر أن نسعى إليه، نحن المبدعين، هو الوقوف على تخوم مغامرة جمالية تأخذ إلى ذلك “الفضاء الثالث” حيث يتخفف الكائن (بذكورته وأنوثته) من عسف الاحتكام إلى ما يحدُّ وجوده نسبة إلى جنسه في حدود صارمة غبية، تاركاً ما يسيِّد بعضه على بعضه وفقاً للمعايير الأخلاقية القامعة، ليكون لنا في المتعدد من الأفكار والإبداعات فرصة للإنصات إلى أصوات الكائن الفنان المبدع والمفكر في مواجهته المفتوحة مع الصوت الواحد وثقافته الخائفة المستبدة.

11