الثقافة العربية... في مواجهة تحديات زمن العولمة

في ظل ما يشهده العالم من تقدم علمي وتقني وثقافي كبير، تقف المجتمعات العربية في نقطة المنتصف، فهي من جهة طرف يشمله الانتماء إلى هذا العالم ولكنها من جهة أخرى لا تشكل ثقلا كبيرا على المستوى العلمي والفكري. وبالتالي تجد نفسها اليوم مدفوعة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة سياساتها التعليمية والفكرية على أمل أن تخرج من دائرة الاستهلاك.
الأربعاء 2015/11/18
واسيني الأعرج (منتصف الصورة) ضمن المفكرين العرب الذين أعربوا عن استيائهم من واقع الثقافة العربية

الإسكندرية (مصر) - يواجه العالم العربي مآزق كثيرة وعلى عدة مستويات، وما يحدث منذ سنة 2011 هو دليل على عمق المشاكل التي عليه معاينتها. لكن يظل منسوب العنف المرتفع التحدي الأكبر، وهو ما جعل من اتهام الثقافة العربية والدين الإسلامي كمصدر للعنف والتطرف ممكنا.

الأمر الذي يبعث على التساؤل عما إذا كان ممكنا وصف ثقافة ما بمثل هذا الاتهام؟ وهل نعيش على هامش المجتمع العالمي الذي وصف منذ الستينات بالقرية الصغيرة؟ باختصار هل نحن جزء من ثقافة العالم؟

هناك تعريفات عدة للثقافة، لكن سبق لادوارد هال أن أشار إلى جانب مهم غير شائع، فهو يعتبر أنه لكل كائن حي، إنساني أو حيواني، حيّز مكاني أو حيوي، ضروري لتوازنه. لكن هذا الحيز يتحول عند الإنسان ويتسع ليتخذ لنفسه بعدا ثقافيا، يسميه ادوارد هال، “البعد المخفي”.

وهكذا بينما يرى الغربي الأشياء الموجودة في المساحة (أثاث وخلافه)، يرى الياباني الفراغات التي بينها. لذلك نجد حيطانه متحركة وهو لا يطلق الأسماء على الشوارع بل على تقاطعاتها (تغير الوضع مع وصول الأميركيين في الحرب العالمية الثانية).

ثقافتنا إذن تحدد نمط وجودنا في المساحة المكانية وفي التعامل مع الآخر، طريقة في الرؤية للعالم وطريقة التأويل وفي النظر، طريقة في ترتيب أشياء العالم وحدوده.

الأفكار هي المحرك الأساسي للحياة وهي الشيء الوحيد الذي ينتقل رغم الحواجز ورغم أوامر إمبراطور أو مستبد
وحسب الإنتروبولوجي مالينوفسكي فإنه من المستحسن تأمل ومعاينة الثقافة من الأعلى منذ البدء، كي نحيط بمظاهرها الأكثر تنوعاً. ويتعلق الأمر بالنسبة إليه في ما يخص الثقافة بتلك الكلانية التي تضم الأدوات وأمتعة الاستهلاك، والمواثيق العضوية التي تنظم مختلف التجمعات الاجتماعية، الأفكار والفنون، المعتقدات والأعراف. فنحن نتعامل مع جهاز واسع، مادي في جزء منه وإنساني في جزء آخر وروحي في جزء ثالث؛ يسمح للإنسان بمواجهة المشاكل العينية المحددة والمطروحة عليه.

إذا وعينا هذين التعريفين وتأملنا فيهما وحاولنا تحديد ثقافتنا الوطنية والخاصة في عالمنا العربي هذا، ونظرنا إلى ممارساتنا اليومية وأدواتنا وأمتعتنا وما نستهلك، وإلى أي جزء من تلك الكلانية التي هي الثقافة، فسنجد أن كل ما لدينا من أدوات ثقافية ــ بالرغم من أننا غافلون عن أننا جزء من هذا العالم ــ مستورد، بدءا من نمط البناء إلى السيارة إلى الثلاجة والتلفزيون وأشرطة الموسيقى والفيديو والملابس وأدوات المطبخ ومفروشات البيوت وأسرة النوم والتسريحة والحجاب من عند “ايف سان لوران” إلى المدرسة وتنظيمها والجامعة وبرامجها وأقلامنا ودفاترنا، إلى الكثير من أطعمتنا، كل ذلك مستورد ونتشارك به مع العالم.

لكن ذلك لا يمنع أن التعامل مع هذه الأدوات جميعها يتم بشكل خاص، حيث نخضع هذه الأدوات إلى كيفيتنا الثقافية في جزء منها بالطبع. فنجد أن الناس هنا تطوع هذه الأدوات من خلال ثقافتها الخاصة فتتحول الثلاجة مثلاً إلى أداة للزينة بالإضافة إلى وظيفتها الأصلية ونجده “معروضاً” أحياناً في الصالون أو في مكان مميز ظاهر.

وتتحول السيارة كذلك من وظيفتها الأدائية إلى أداة للمباهاة، وقد تتحول الكنبات إلى أمتعة للفرجة وهكذا… فثقافتنا تحدد ولو جزءاً من استخداماتنا للأدوات المستوردة، ما دمنا نعجز عن ابتكار ما هو ملائم لنا أو ما نتوهم أنه كذلك.

أما فيما يتعلق بالجزء الآخر من الثقافة والمتعلق بالأفكار والمواثيق والفنون، فسوف نجد أن الأفكار، والتي تعد اليوم أحد أهم وأقوى المعطيات المطروحة على هذه الأرض، وإن تأخرت لجيلين أو ثلاثة أجيال أو أكثر كي تنتشر وتشيع، إلا أنها تبقى المحرك الأساسي للحياة. وهي الشيء الوحيد الذي ينتقل رغم الحواجز ورغم أوامر إمبراطور أو مستبد، بل نجدها تزداد قوة كلما نصبت في وجهها الحواجز. وفي حال انتقال هذه الأفكار ــ وهي دائما تفعل ذلك ــ لا يعود باستطاعة القوميات أو الإثنيات أو القرارات الإدارية مواجهتها. وبالتالي يمكن للأفكار والمواثيق والفنون أن تنتقل وتنتشر رغم المنع، بل أن أفضل وسيلة لترويج فكرة ما أو سلعة ما تكمن في منعها.

العالم العربي يعاني على الصعيد الثقافي من عجز في الإنتاج الثقافي والمعرفي

الخلط بين العلم والتكنولوجيا

وبالنسبة للبعض “العلم” هو الحل السحري، وهناك ميل نحو تقويم العلوم في بلادنا يبلغ حد الكاريكاتير. والمشكلة لا تكمن في اعتبار العلم الطريق الأقصر للسعادة، بل في الخلط بين العلم وابنته الشاذة التكنولوجيا بحسب جاكارد.

فالعلم معرفة قبل كل شيء لكن اهتمام عامة الناس يقتصر اليوم على هذه المنتجات، بحيث أن الطريق المؤدية إلى إنتاجها وحيازتها تصبح هي الطريق الأمثل. ويتم بذلك تجاهل أن الأمر غير متعلق بالأشياء والتقنيات بل بالإنسان. لذلك من المهم تعليم التقنيات العلمية، ولكن يبقى الأهم بناء الإنسان الذي عليه استخدام هذه التقنيات.

فالعلم والتقنية يعطيان معرفة العمل Savoir faire إضافة إلى المعارف العملية، لكن ذلك لا يشكل سوى واسطة لا غاية. فمعرفة العمل ليست الثقافة كما أن البيانو ليس الموسيقى. التربية فقط هي التي يمكن أن تساعدنا على إكمال الجملة وتحويل الصوري واقعياً. إن ما هو مهم بالدرجة الأولى هو نقل أفكار قيمة، أما معرفة العمل فلا تأتي سوى في الدرجة الثانية، فجوهر التربية يكمن في نقل القيم. فبينما نود تقليد العالم الغربي في إنتاجيته وعلمه نتناسى أن لهذه مقدمات تبدأ باكراً جداً، وبينما يركز الغرب على البحث والابتكار والاستقلالية نجد أن كتبنا المدرسية تعتمد فقط التلقين الذي لا يساهم في تهيئة الطالب لبذل الجهد والعمل الضروريين للمواظبة والنجاح والابتكار للمساهمة في الثقافة العالمية.

ففي كتاب للمدنيات يدرس طلاب السنة الأولى الابتدائية، ويعلمون أن الفلاح والمزارع يعملان وأن العمل متعب. والتاجر والكاتب يعملان وذلك متعب. التلميذ يدرس والدرس عمل وهو متعب؛ ويلزم بعد ذلك من هذا الطفل القيام بما هو متعب وهذا أمر غير ممكن، لهذا يحتم علينا مراجعة القيم التي نعطيها للأجيال.

شروط الخروج من المأزق الثقافي

لا شيء غير الديمقراطية وتأمين الحريات ومكافحة الرقابة بأنواعها يمكن أن تساعد اليوم على عملية الإنقاذ من المأزق الثقافي الذي يقبع فيه مجتمعنا. وتعتبر حرية التعبير أمرا جوهريا لتحقيق الذات الإنسانية، وهي شرط أساسي لاكتمال الوجود الإنساني.

ويعد قانون حقوق الإنسان العالمي بعد 1945 أفضل تعبير عن ذلك، حيث حرية التعبير هي حق جوهري في الممارسة الديمقراطية، ومن دونه لا يمكن الحفاظ على الحقوق الأخرى للحرية. وقد أصبحت حجر الأساس للتقدم الاجتماعي والبيئي وللنمو في العالم الحديث المتطور (بحسب تعبير صفحة الحكومة الدانماركية الإلكترونية تعد حرية التعبير جزءا أساسيا في إبعاد بنية الفقر).
على الصعيد السياسي يعد العالم العربي منتجا للكوارث والأزمات، أما ثقافيا ومعرفيا فيعاني عجزا فعليا

وبالتالي فإن معوقات حرية الفكر تطال بشكل أساسي الميدان الفكري والمعرفي نظرا لارتباطه بالميدانين الديني السياسي. ومن هنا تكمن أهمية الإصلاح الديني واعتبار المشاركة السياسية للمواطن العربي شرطا أساسيا للتقدم المعرفي والثقافي والحضاري. ولهذا يجب أن تكفل حرية الاعتقاد أو “حرية الضمير” وحرية التعبير وضرورة تجريم التكفير السياسي إلى جانب مواجهة النقص في إنتاج المعرفة.

ولا يعيش العالم العربي وثقافته بمعزل عن سياق العولمة والتأقلم معها، وإن كان العالم العربي يعد على الصعيد السياسي منتجا للكوارث والأزمات. أما على الصعيد الثقافي فيعاني من عجز في القدرة على المشاركة على المستوى العالمي في الإنتاج الثقافي والمعرفي، وهو الأمر الذي أكدته تقارير التنمية الإنسانية والتي صدرت في الأعوام الثلاثة الأخيرة وأثارت جدلا واسعا.

ومن المهم مواجهة القصور على الصعيد التربوي وعلى صعيد البحث العلمي فلازلنا نعاني من الأمية، فبعد تأمين مقعد دراسي لكل طفل عربي علينا تأمين جودة التعليم، ويعود حينها إلينا وإلى أنظمتنا التربوية إعطاء القيم المتناسبة مع أهدافنا في الحياة للأجيال الجديدة، أي إعطاء أنظمة متناسقة قادرة على تحديد اتجاه معين للجهود المختلفة في المجتمع، يتعلق هذا بالمركز، الذي يسمح لنا بالتوجه الصحيح. والمهم ألا يكون هذا المركز شاغراً أبدأ.

الاهتمام بالتربية المدنية عامل أساسي، لكن شرط أن تقدر على ملء معناها؛ فهي لا تعني “إعطاء درس في التربية المدنية” فقط، بل تعني المساهمة في التربية على الديمقراطية عبر إيجاد علاقات مؤسسية ديمقراطية بين المواطنين وبين التلاميذ والمعلمين، وداخل الأسرة نفسها، باتباع قواعد معينة. إذ أن أول ما يتعلمه الشخص هو الطاعة، لكن الأمر هو أن المواطن ليس فقط من يطيع القانون، بل هو أيضاً من يشارك مع الآخرين في وضعه.

ومن هنا لا يعود الأمر متعلقاً بجعل البيئة مكاناً “ديمقراطيا” بل في خلق “بيئة لتعلم الديمقراطية”. والعمل على تأمين الحقوق والمواطنة والتركيز على نشر ثقافة حقوق الإنسان. كما الاهتمام بالبيئة والاستهلاك عبر الإعلام. ربما حينها يمكن التوصل إلى تشكل رأي عام فاعل يراقب ويساءل ويحاسب.

إقرأ أيضاً:

إجماع مثقفي العرب على تراجع وضع الثقافة العربية

6