الثقافة العربية لا تقبل الاعترافات ولا سقوط الأقنعة

"أدب الاعتراف مقاربات تحليلية من منظور سردي" للدكتور إيهاب النجدي يضمُّ ستّة فصول سعت جميعها إلى البحث عن مفهوم الاعتراف ونشأته وحدوده.
السبت 2019/07/27
أدب الاعتراف مرفوض عربيا (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

ما الذي يبتغيه صاحب الاعتراف مِن قول كلّ شيء عن ذاته، وتجريح مَن ارتبط بهم؟ هل يحتاج إلى أن يوصف بالشجاعة مثلا، وهو يرصد كل الآثام والخطايا التي وقعت له في مسيرته؟ أو بمعنى آخر هل يبحث عن المجد لنفسه؟ أم أن ثمة مقاصدَ تهدف إلى غايات اجتماعية ونفسية بالأساس، أي أنه يسعى إلى هدف أسمى، يسعى الكاتب من خلالها “إلى وعي ذاته ووضعها في مواجهة المؤسسات الاجتماعية، ويبحث عن المجد لنفسه”، أي التطهّر وفقًا للمفهوم الكنسي، وربما رغبة في الإقرار بالخطأ وطلب التوبة والغفران، كما في الثقافة الإسلامية.

يفتح أدب الذّات الباب على مصراعيه لمناقشة كافة التساؤلات، دون أن يقدم إجابة واحدة جازمة، ومن ثمّ تأتي أهمية كتاب الدكتور إيهاب النجدي “أدب الاعتراف مقاربات تحليلية من منظور سردي” الصادر عن دار المعارف بالقاهرة. فالكتاب يتوقف عند هذه الإشكالية الخطيرة؛ حيث يتناول بالتحليل والرصد كل ما يتصل بالاعترافات، وعلاقتها بالأجناس القريبة، وهو ما يفتح المجال للحوار معه حول كيفية التناول والتقييم، خاصة في اعتماده على مفاهيم، كانت بمثابة الأساس الذي بنى عليه كافة المقاربات التحليلية.

بداية – كما يقول النجدي – لو تأمّلنا معنى مفردة “الاعتراف” في القاموس، لوجدناه يتماثل مع الإقرار والإخبار، أما في القرآن فيأتي الاعتراف مقترنًا بالذنوب (الآثام) التي يقترفها الإنسان، وتقتضي التوبة والاعتراف، وهو ما يتوازى أيضا مع الاعترافات في الديانة المسيحيّة، التي هي طقس ديني وسرّ كنسي، ويتم به الإقرار بما يؤرّق النفس والضمير. ومعظم كتابات الاعترافات الغربية والعربية دارت حول هذه المفاهيم التي أكّدت عليها الدلالات الدينية، وأيضًا اللُّغوية. لكن التفاوت واضحٌ في مساحة الاعتراف، وهذا مرجعه أسباب أخرى تعود إلى طبيعة البيئة العربية وحدود المسموح والممنوع فيها. لا شك أن فكرة الاعتراف نادرة في الثقافة العربية، ومن ثمّ فمن الصعوبة بمكان تحقّقها.

ضد التقديس

يدخل الاعتراف في باب المسكوت عنه، ومن جانب آخر يتعارض مع التقاليد العربية، والأعراف الدينية التي تصطدم بكل ما يُعرّي الذات، وفق قاعدة تقول “لا فضح لما ستره الله”، ومن جانب ثالث لأنها ثقافة تنتصر لإرث عريق في المدائح والمفاخرات، تُجانب الإفصاح عن الأخطاء، وتتحاشى الكشف عن مرات السقوط في حركة الحياة. ومن جانب رابع تميل الثقافة العربية إلى التقديس والتأليه؛ فالسيرة العربية دومًا تقدّم القدوة والأبطال من الشخصيات، كالفارس عنترة والبطل أبي زيد الهلالي، والأميرة ذات الهمّة، وغيرهم. ومن ثمّ ندرت في البيئة العربية ثقافة الاعتراف التي كانت سائدة في المجتمعات الغربية. وبناء على ذلك؛ فالدارس لهذه الكتابات كمن يبحث في إبرة في كومة قش.

يضمُّ الكتاب ستّة فصول، سعت جميعها إلى البحث عن مفهوم الاعتراف ونشأته وحدوده، وجوهر فكرة الاعتراف، والدوافع التي تتصل بهذا الجوهر، وإن سعت أيضًا في أحد أهدافها المهمّة، إلى الإجابة عن تساؤل: ماذا يريد الكاتب من القارئ، حين يعترف بأسرار نفسه؟ وفي أحد الفصول يبحث عن الهُويّة وتجلياتها في الاعتراف، على نحو ما ظهر في هوية الكاتب والكتابة وهوية المجتمع، متطرقًا لهوية المكان والذات كما كشفت سيرة إدوارد سعيد “خارج المكان“.

الكتاب يتتبع معالم الظاهرة الاعترافية خاصة لدى الكاتبة العربية المعاصرة؛ لما تمثّله كتابة المرأة من إشكاليّة

 من أهم فصول الكتاب، ما تطرّق فيه المؤلف إلى معالم الظاهرة الاعترافية لدى الكاتبة العربية المعاصرة؛ لما تمثّله كتابة المرأة من إشكاليّة على المستوى العام، فما بالنا وهي تتحدّث عن نفسها، خاصّة إذا وضعنا في الاعتبار أن العقلية الحاكمة في المجتمع العربي لم تتقبل اعترافات الرجل وهي كاشفة، ومتجردة ومعرية لكل ما حولها، على نحو تلك التي صدمت المجتمع كما في سيرة لويس عوض “أوراق العمر، سنوات التكوين”، فهل هذه العقلية بتلك المواضعات ستتقبل أن تتجرد المرأة وتعري ذاتها، وهي ترى أصلا أن “المرأة عورة” ويجب أن تُستر.

لم يتوقف المؤلف عند حدود النثر في بحثه عن الاعترافات، وإنما فحص صلة الشعر بالسرد الاعترافي، متجاوزا حدود العلاقة السطحية، في ورود أصداء من سيرة الشاعر؛ للبحث عن معنى أعمق، عبر تساؤلات من قبيل: هل يمكن قراءة سيرة الشاعر من خلال القصيدة؟ وهل يمكن استثناء قصيدة السيرة الذاتية؛ لقراءتها بميثاقين مختلفين: الواقع والمتخيل؟ وهل يحول هذا التباين دون فحص الاعتراف في الشعر؟ كما ضم الكتاب في آخره ملاحق نصوص اعترافية من الأدب المعاصر كانت مدارًا للبحث والتحليل.

الاعتراف والميثاق

ماذا يريد الكاتب من القارئ
ماذا يريد الكاتب من القارئ

عندما حصر الناقد الفرنسي “فيليب لوغون” كتابة الذات وعلى الأخص السيرة الذاتية الخالصة في ميثاق، يتمثّل أوّلاً في وجود اعتراف صريح من الكاتب بأن ما يقوله هو الحقيقة، وهذا الاعتراف الأتوبغرافي يعطي إمكانية المطابقة بين الهويات الثلاث؛ المؤلف، الراوي، الشخصية، كان الغرض هو إخراج الكتابات التي تعتمد على الأنا من دائرة الذات، والسيرة الذاتيّة الخالصة، التي – وفقًا لفكرة الميثاق – “تفترض نوعًا من الاتفاق أو التعهّد أو الميثاق بين الكاتب والقارئ بشأن حقيقة النص وصدقيته”، حيث ينص هذا الميثاق “على أن الأحداث التي يصفها الكاتب في النص هي حقائق تاريخية (وقائع) وأن الشخصيات التي تظهر فيه هي لأشخاص حقيقيين”، ومع هذا سمحت الأجناس باختراق الحدود، فتداخلت أجناس كثيرة تحت عباءة سرد الذات.

الغريب أن النجدي غامر وقدّم تعريفًا للاعترافات على غرار مفهوم لوجون عن السيرة الذاتية، قال فيه إنها “شكل استعادي، له علامة دالة على نوعه، يتركز اهتمام الكاتب فيه على إظهار الجوانب الخفية من حياته، وكشف المستور من صفاته الشخصية، وتجلياته الغامضة من علاقته بالآخرين، مستندًا في ذلك على الحقيقة وحدها، وساعيًّا إلى التحليل والتخطي، والتنبيه إلى مواطن الخلل في الفرد والمجتمع”. في الحقيقة لا أجد اختلافا في تعريف النجدي للاعترافات، عما صكّه من قبل لوغون للسيرة الذاتية تمييزًا لها عن سائر الأجناس اللصيقة والقريبة.

وبالمقارنة بين المفهومين يتكشّف لنا التطابق بينهما مع تغيير بعض الألفاظ، باستثناء أن لوغون يُصرُّ على أنها من حيث شكل اللغة هي “حكي نثري” في حين أن النجدي تجاوز عن الشكل، وجعلها مفتوحة تتقبّل الشعر أيضًا، على نحو ما خصصّ فصلاً لفحص صلة السّرد الشعري بالاعترافات.

أين تكمن الاعترافات؟ وكيف يمرّرها الكُتّاب على اختلافهم؟ سؤالان لو طرحهما المؤلف على نفسه وهو يقرأ النصوص المختارة، لما كان وقع في مثل هذه المغالطات التي تتعارض مع المفهوم العلمي.

حالة الإصرار على التفرقة القسرية كان لها مزالقها في اختيار المؤلف لنماذجه في المقاربات التطبيقية. فمعظم هذه النصوص تندرج وفقًا للميثاق تحت إطار السيرة الذاتية من قبل نقاد آخرين، كنصوص: فدوى طوقان، وعائشة عبدالرحمن، وفوزية العشماوي، ورضوى عاشور، ولطفية الزيات، وليلى العثمان. جميعها تقع تحت دائرة السيرة الذاتية بتفاوت بين الصريحة والمضمرة، ولا أعرف لماذا تجنب مثلاً سيرة نوال السعداوي “أوراق حياتي” ففيها من الصراحة ما يدخل في باب الاعترافات.

لا تُقلل هذه الملاحظات من قيمة الكتاب الذي يُعدُّ أوّل دراسة حقيقية وجادّة معتمدة على منهج علمي في إخضاع الكتابات الاعترافية للتحليل وفق آليات المنهج الذي رسمه لنفسه في المقدمة، من حيث الوقوف على مكونات مفهومه، وجوهره ونشأته وتطوره، وكذلك معطيات النظرية السردية ومقولاتها من المنظور المنهجي المختار، عند المعالجة، بشقيها اللساني والسيميائي، مع فتح الباب للاستفادة من معطيات مناهج أخرى. فندرة اهتمام الدارسين العرب بهذا الأدب، أو ندرتها كان حافزًا قويًّا لدراسته، ورفع الحُجب والأستار عن خبيئاته وفرائده. وهو ما تحقّق بنسبة كبيرة داخل المتن.

ومع كل ما تقدّم يتبقى السؤال بلا إجابة والقوس مفتوحًا: هل ثقافتنا العربية بما يُغلِّفها من حصانة تمنع البوح والاعتراف، مهيأة لأن تستقبل نصوصًا اعترافية حادة، راوغت بانتهاك المفهوم كمثل اعترافات محمد شكري “الخبز الحافي”، التي جاءت في صيغة هجينة “سيرة ذاتية روائية” هروبًا من كافة السلطات المتربصة، ومع هذا اصطدمت بها، كما تعرّض الكتاب للمصادرة أكثر من مرة، وَمُنع من التدريس في أروقة الدرس الجامعي. أو تلك التي باحت بها ليلى العثمان في فضاءات مفتوحة (في كثير من لقاءاتها)، وإن ضاقت بها الكتب خاصة علاقتها الشائكة بوالدها؟

15