الثقافة العربية لم تستفق بعد من الصدمة

الثلاثاء 2014/12/30
نازلة من النوازل العظيمة لحقت بالوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه

يتوجب الاعتراف بأن من الصعوبة بمكان إطلاق أحكام تعميمية شاملة حول المنجز الأدبي الذي تشكّل بموازاة الثورات العربية خلال السنوات الأربع المنصرمة أو بموازاة نبع هدير إيقاعها. فذلك يتطلب رصدا علميا منهجيا صبورا وحليما، يستقرئ أبعاد هذا المنجز في محيطه العربي الأوسع.

ولكن من النظرة العامة التي تنتجها المتابعة القريبة للفعل الكتابي العربي يمكن المغامرة بالإجابة النافية. فلم يتحقق على صعيد الإنجاز ذلك التراكم الملفت والماثل للعيان، رغم ما يطرح هنا وهناك من السجالات الفكرية ذات الطابع السياسي والأيديولوجي في هذا الشأن.

إن الثقافة العربية في اعتقادي لم تستفق بعد من هول الصدمة التدميرية التي صعقتها على حين غرة، بعد سبات طويل وعميق، وهي لا تزال تلملم خيوط خيبتها وإحباطاتها وانكساراتها وهزائمها المتوالية.

لقد حدث نكوص وتراجع وانحسار حادّ لقيم الجمال والثقافة والإبداع لصالح البشاعة والتطرف والعبثية والوحشية.

فما أنجزته الثقافة العربية هذا العام ضئيل جدا مقابل ما نشاهده من تفتيت ودمار لكل القيم والمفاهيم والثوابت الإنسانية والمعرفية والأخلاقية السامية. خلال هذا العام والذي سبقه شهد الوطن العربي ردّة حضارية هائلة، أعادته إلى مربع المذهبيات والطائفية والقبلية والعرقية المقيتة، التي ما زالت إلى هذه اللحظة تراق بسببها الدماء، حيث يسود قانون الغاب ويقتل الأخ أخاه لأسباب تافهة واعتبارات بالية منقرضة.

إن المتأمل في الواقع سيجده قاتما جدا ويتطلب عقودا من المراجعة والتفكيك والمساءلة والنقد، لفضح ثقافة العنف والتخلف والظلامية التي تهمين على سمائنا العربية. ورغم ذلك يمكن القول أنه بالفعل بدأت تبرز ملامح وإرهاصات لمناخ ثقافي جديد يستهدف المراجعة ولكن على نحو حذر وخجول، نظرا لثقل الواقع وجبروته وسطوته.

إنه حتما ليس ربيعا ذاك الذي تهدر فيه كرامة الإنسان إذ يذبح بالسكين من الوريد إلى الوريد على مرأى من العالم أجمع، وتدمّر الأوطان وتتشرد ملايين الأرامل واليتامى والأطفال في الصقيع

لكنني أحمل أملا كبيرا في أن بغداد ودمشق وطرابلس ستخرج جميعها من براثن الهمجية والوحشية، وستقاوم السكين والجلاد، تماما مثلما خرجت باريس وبرلين ولندن من حرائق الحرب العالمية الثانية. أنا أنحاز إلى الفريق الذي يرفض تسمية ما جرى وما يجري في المنطقة العربية “ربيعا”. إنه حتما ليس ربيعا ذاك الذي تهدر فيه كرامة الإنسان إذ يذبح بالسكين من الوريد إلى الوريد على مرأى من العالم أجمع، وتدمّر الأوطان وتتشرد ملايين الأرامل واليتامى والأطفال في الصقيع، حيث يواجهون المجاعات والأوبئة الفتاكة والموت المجاني.

ما يحدث في رأيي ليس ربيعا أبدا. ولعلني أستعير هنا نعت المفكر عبدالإله بلقزيز الذي سماه “نازلة”. إنه نازلة من النوازل العظيمة التي لحقت بالوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، وأعادته قرونا إلى الوراء السحيق.إنه حتما ليس ربيعا ذاك الذي تهدر فيه كرامة الإنسان إذ يذبح بالسكين من الوريد إلى الوريد على مرأى من العالم أجمع، وتدمّر الأوطان وتتشرد ملايين الأرامل واليتامى والأطفال في الصقيع ، وأعادته قرونا إلى الوراء السحيق.

وفي تقديري إن هذه الثورات لم تكن الثقافة فيها المؤثر الأول.

فلم يكن لهذه الثورات قيادات ثقافية أو مؤصلون أو فلاسفة أو كتاب قد تنبؤا بها ورافقوها ووجّهوها من التأسيس إلى الحدوث. بل هي انفجارات مأزومة نتيجة عقود من القهر والظلم والطغيان والفساد وغياب العدالة في المجتمعات العربية. كانت الانطلاقة في تونس ثم حدثت ارتداداتها على امتداد الوطن العربي.
الثقافة العربية لا تزال تلملم خيوط خيبتها وإحباطاتها وانكساراتها وهزائمها المتوالية

لقد كانت غالبا ما تنطلق بمطالب معيشية بسيطة وما لبثت أن تصاعدت واستعرت أمام هشاشة الأنظمة وغياب القيادة الواعية التي تسدّد زحف هذه الجموع المنفلتة، حتى وصلت المطالب إلى إسقاط النظام، وهو الأمر الذي لم تكن هذه الثورات مستعدّة له.

لذلك كانت هذه الثورات سهلة الاختطاف من قبل الجماعات الظلامية الانتهازية التي كانت هاجعة متربصة في انتظار اللحظة المواتية لتروي ظمأها للسلطة وكراسي الحكم، وفق ما تنبأ به هنتنغتون في كتابه الشهير “صدام الحضارات”.

في مجال آخر أعتقد أهمّ كتاب قرأته هذا العام هو كتاب “الدين والتدين” للمفكر عبدالجواد ياسين، الذي أرى أنه من أهم الكتب التي تقدّم الأجوبة والحلول الحاسمة لسؤال الدين، وتبين ما لله وما لقيصر.


شاعر وناقد ومترجم من سلطنة عمان


15