الثقافة العربية والفرد

الجمعة 2015/02/20

يجمع أغلب مفكرينا النقديين على أن الأزمات المتفاقمة بما في ذلك آفة الدكتاتورية التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية على مدى زمني طويل تعود في الحقيقة إلى الفشل في بناء “الذاتية في الثقافة العربية السائدة” في نسيجنا العام، وأن الحل الصحيح يكمن في تفكيك بنية التخلف والدكتاتورية في عمق الوعي واللاوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي.

إن بناء الفرد المستقل والحر مشروط بإعادة بناء ثقافتنا بجميع أسسها الاقتصادية، وتجلياتها السياسية، وخطاباتها السلطوية، والعلاقات الاجتماعية التي تعدّ جميعا بمثابة الناظم الجوهري لمجتمعاتنا، في هذا السياق لا بدّ من إدراك العلاقة بين البناء النفسي والاجتماعي والثقافي للفرد الأناني والمستبدّ منذ نعومة أظفاره وبين الديكتاتورية السياسية.

في هذا الخصوص يرى عالم التحليل النفسي المصري البارز الدكتور صفوان أن مشكلة المشكلات في واقعنا العربي تتمثل في عدم تأسيس المجتمع الثقافي والأخلاقي والسياسي الذي “يسمح للأفراد بالتجمع ليس لخدمة السلطان لبناء القصور والمعابد والتماثيل، ولكن يسمح للناس بالتجمع لخدمة مصالحهم الخاصة، مادام تجمعهم مبنيا ليس بقوة السلاح، وإنما على أساس نشاط سلمي مدني”.

ويضيف قائلا “أنا أتمنى للمجتمع العربي أن تتعدّد فيه مراكز القوى، دون أن لا يحصل استفراد بالحكم نظرا لأن الاستفراد بالحكم مبني على فكرة الواحد، أي على الطوطمية..” إن الاستفراد بالحكم الذي يتحدّث عنه الدكتور صفوان لا ينبغي حصره فقط في مسألة الحكم على مستوى هرم السلطة بل إنه ظاهرة ذات طابع عنقودي، مرئية ومستترة في آن واحد منها سيطرة الذكور المادية والرمزية والنفسية على النساء، وشرائح الأغنياء على فئات الفقراء، والطائفة أو القبيلة الكبرى على الطائفة أو القبيلة الصغرى، والجماعات الثقافية واللغوية المركزية على الإثنيات الطرفية المهمشة.

وفي الواقع فإن إنجاح عمليات بناء الذاتية الحرة والديمقراطية في المجتمع مشروط أساسا بتوزيع السلطة توزيعا عادلا، بدءا من خلية الأسرة باعتبارها الفضاء الأولي الذي تتشكل فيها الفردية كرديف للمواطنة، وأنَ عدم الشروع في هذا التوزيع العادل للسلطة ضمن فضاء الأسرة هو ما جعل المحلل النفسي اللبناني الراحل عدنان حب الله يكشف لنا أنه من خلال دراساته للبنية الثقافية والاجتماعية والنفسية والسياسية العربية قد توصل إلى نتيجة مفادها أن «كل فرد في المجتمعات العربية والإسلامية يعتبر نفسه “فرعونا صغيرا”، وهكذا فإن هذه “الفرعونات!” هي التي تفرز من بينها الديكتاتور، ثم تتماهى معه، وتعتبره بطلها والمعبر عن كينونتها باعتباره أبا مثاليا لها».


كاتب من الجزائر مقيم في لندن

15