الثقافة المنتهكة في القرن 21

الأحد 2015/05/17

مع بروز الحاجة إلى تعزيز التعددية الثقافية التي صارت شعارا للنسق الديمقراطي العالمي، تفككت المجتمعات شذرات، وبدل أن نتجه إلى حوار الثقافات الوطنية وتماسكها، سقطنا عمليا في صدام مروّع بين الثقافات. فهناك لغة مخادعة ومفرغة من معانيها، يستخدمها الساسة والمنظمات الدولية كالمناداة بالتعددية وقبول المختلف الذي بشرت به الديمقراطية، ثم تبقى هذه اللغة الزلقة محض شعارات يناقضها التطبيق على أرض الواقع، لنقطف الثمار القاتلة: قمعا للحريات وتحجيما للثقافة وتراجعا لمستويات التعليم وارتباكا في مفهوم الهوية.

هناك مخاوف كبيرة يبديها المثقفون إزاء التردّي المريع للأوضاع المجتمعية والثقافية والقيمية، فثمة قليل من الأمل في وقوف القوى الفاعلة ثقافيا في وجه الانحطاط والتقهقر، فهذه القوى لا تملك بفعل تهميشها، الأدوات التي تملكها القوى السياسية المهيمنة، بل إنها مستهدفة من قبل تلك القوى ومثقفي السلطة.

فمنذ عقود وبتعاون مقصود أو عرضي بين الحكّام المستبدين والقوى المتشددة جرى تجهيل المجتمعات النامية فحصل نوع من المهادنة تزلفا للجماعات المتشددة والسلفية وكسبا لولائها، وتحجرت مناهج التعليم وتراجعت مستويات الجامعات، فضلا عن انخراط مجموعات كبيرة من قادة الثقافة العربية في المشروع السياسي الرسمي، ومحاولتهم تجميل خطايا الأنظمة الشمولية، فقد كفلت معظم الأنظمة المستبدة لحشود المثقفين المرتزقة، الحماية والأموال الدفاقة والجوائز التي تلقمهم حجر الصمت إزاء تردّي أوضاع المجتمعات وتهاوي البنى الاقتصادية.

وبات حشد من مثقفي المهرجانات المزمنين وأدباء المؤتمرات المؤبدين، يموّهون كي يخفوا الجذام الثقافي بأقنعة تبريرية هشة لتسويغ الخراب. يكمن أحد أسباب تردّي الحياة الثقافية والاجتماعية في تحلل الهويات الوطنية وتشرذمها وعجز المجتمعات عن تبني هوية مركبة من عناصر عدة، وهي طريق الخلاص الوحيد من التشدد والشوفينية والتناحر الدموي ويتوقف هذا الوعي بالهوية المركبة على جهد المثقفين المتنورين المستقلين من الأطياف المختلفة وجهود أنظمة التعليم والمؤسسات الثقافية المستقلة.

بعد انقضاء عقد ونصف العقد على الألفية الثالثة تراجعت الثقافة تراجعا مروعا، وتردّت أوضاع المثقفين، وغابت أية رؤية منهجية لدى الأنظمة الحاكمة لتخطي حالة الجمود الثقافي. وبات واقعنا الثقافي العربي واقعا خرِبا نتج عن تفكك بُنى المجتمعات وصعود القوى المتطرفة، وتضافرت عوامل خارجية على خلق هذا الاختلال البنيوي: منها تسيّد القطب الواحد وهيمنة ثقافة مسطحة على عالمنا عملت على إزاحة معظم المعارف والثقافات الإنسانية وتراث الإنسانية الشاسع، واستبدلتها بثقافة الـ”تيك أواي” التي تروّجها الميديا والفضائيات، والتي غدت بديل الكتاب والمدرسة والمنتدى الثقافي.

وشاعت ثقافة الاستهلاك وفاقمت من تردّي أوضاع النساء بفرض ثقافة العيب والعورة، فترنحت المجتمعات العربية بين حتميات التغيير والانفتاح وهيمنة التكفيريين إهدار دم الكتاب والمفكرين. وترسخ الخلل بانعدام الثقة بين المثقفين والسلطة وهيمنة اقتصاد السوق على المنتج الثقافي وافتتان كثير من الأدباء بموضوع “البيست سيلرز″ التي تستغلها دور النشر التجارية دونما اعتبار للقيمة الفنية والإبداعية.

ويمكن أن نعزو عزلة الثقافة الآن إلى عجزها عن الوصول إلى المتلقي وانعدام تأثيرها في مجريات الحياة اليومية على النقيض من الثقافة الزائفة المسطحة التي تبثها الفضائيات ووسائط الاتصال المتاحة فوسائل الإعلام وكثير من دور النشر المتنفذة تخضع لسياسات الأنظمة القامعة أو المتعاونين معها، فليس ثمة فضائيات ثقافية رصينة مقابل عشرات الفضائيات التي يملكها المتشددون ومؤسسات ممولة من الحكومات والجماعات المتطرفة، وفي وسع هؤلاء إيصال أصواتهم وأفكارهم إلى ملايين المتلقين القابعين في منطقة هشاشة الوعي بسبب تردّي التعليم وغياب دور المثقف.

كاتبة من العراق

11