الثقافة بين التخريب والتحريم

السبت 2016/10/01

عرف التاريخ الإنساني انحرافات خطيرة، على صعيد التخريب الثقافي، منها ما شهدناه في بداية الاحتلال الأميركي للعراق عندما حرقت المكتبات ونهبت المتاحف ودمّرت المؤسسات العلمية، وسرقت محتوياتها.

إن عمليات التخريب الثقافي، ليست سوى صفحة من صفحات التحريم الثقافي، فقد كانت بي حاجة، منذ شهور، إلى كتاب في النقد الأدبي، كان قد صدر عن دار الشؤون الثقافية، واتصلت بصديق مازال يقيم ببغداد، أطلب منه نسخة من الكتاب المذكور، فيخبرني أن مخازن الدار التي تضم ثروة من الإصدارات الثقافية، قد حرقت محتوياتها من كتب ودوريات، بقرار ثقافي.

في نهاية الأمر، حصلت على نسخة من الكتاب، يحتفظ بها صديق أردني في مكتبته الخاصة، وهذا يعني أن التحريم الثقافي، بما فيه الحرق، لا يحقق الهدف المطلوب منه، ولا تبقى منه سوى نزعته الانتقامية، وما تعني من وعي ناقص ومخرّب. إن ممارسات التحريم الثقافي بجميع أنواعها، بما فيها تلك التي توفرت على غطاء ما، ومهما كان نوع الغطاء، حتى وإن اختلفت من حيث الدوافع، غير أنها لا تختلف من حيث النتائج، وقبل هذا فهي من قبيل واحد في ضيق أفق من يتبناها ومن حيث ضمور وعيه.

وإذا كان التحريم الثقافي، لم يُجدِ جميع الذين حرقوا ومنعوا وضيّقوا، في زمن الكتب المخطوطة أيام كانت نسخ أيّ كتاب محدودة، وكان يكفي بقاء نسخة واحدة من أيّ كتاب مشمول بالتحريم، ليعود إلى المحيط الثقافي، فيتمّ تداوله ونسخه ومن ثم يتواصل تـأثيره، فكيف يمكن للتحريم، بجميع وسائله وإجراءاته، تحقيق أهدافه في عصر الطباعة والتصوير والتواصل الإلكتروني؟

وعلى سبيل المثال، إن ما قيل بشأن إقدام أبوحيان التوحيدي على حرق كتبه احتجاجا على ما لاقى من إهمال، فهذه الرواية إن صحّت، تؤكد أن تغييب مؤلفات كاتب ما، لا يعني تغييب إنجازه المعرفي، بدليل تواصل حضور التوحيدي في الحياة الثقافية حتى الآن، وكذلك ما كان من أمر الحلاج، فتحريمه، لم يغيّب الكثير مما قال، ومازالت دور النشر، تعيد طباعة مقولاته، شعرا ونثرا، وممّا ينبغي التوقف عنده، في ظاهرة التحريم الثقافي، ما كان بشأن المقولات الإلحادية في الثقافة العربية الإسلامية، التي لم تواجه بالتحريم الفقهي أو الرسمي فحسب، بل كانت في مواجهة رفض شعبي جارف، ومع هذا فقد وصلتنا واطلعنا عليها في نصوص الجدل والحوار.

ولعل التجربة الأندلسية، رغم ما اتسمت به من انفتاح ثقافي وتعدّد معرفي على صعيد المصادر والمؤثرات من جهة، وشيوع نزعة الحوار الفكري من جهة ثانية، إلّا أنها شهدت في منعطفات تاريخية معروفة، ظاهرة التحريم الثقافي، وممارسة حرق الكتب، ومعروف ما تعرّض له الفيلسوف ابن رشد، حيث حرقت كتبه في تصرف مسيء، لكن الفكر الرشدي، استمر في حضوره وتأثيره وبخاصة في أوروبا عصر النهضة.

المفكر الأندلسي الآخر الذي تعرّض للتحريم وحرقت كتبه، هو الفقيه الأديب ابن حزم، الذي مازال كتابه الفريد “طوق الحمامة في الألفة والأُلاف” يعاد نشره ويترجم، يُقرأ ويُدرس، ويتواصل تأثيره ولا يتوقف الحوار في شأنه. وتوالت بحوث الغربيين، في أثر طوق الحمامة ضمن الشعر الغنائي الأوروبي والرواية الرومانسية، كما فعل المستعرب الأسباني الكبير “غارثيا غوميث” و”أميركا كاسترو” وغيرهما.

ما أردت قوله، إن التحريم الثقافي، بجميع قواه ومؤسساته، وبكل أدواته الإجرائية وفي جميع الثقافات والمراحل التاريخية، لم يحقق هدفه في إلغاء الآخر، وإذا كان التحريم الثقافي في معظم حالاته قد ارتبط بزمن ما، من خلال سلطة سياسية أو دينية أو اجتماعية، فإن الزمن يتغير باستمرار، ومعه تتغير السلطات التي أشرنا إليها، سواء كان هذا التغيير عاما أو جزئيا، ومعه تتغير معايير التحريم الثقافي وتتراجع أدواته الإجرائية. إن كل ما ذكرته من قبل، ليس تنظيرا، بل هو محاولة وصف ما حدث من مواقف ومتغيرات في الفكر الإنساني، وفي الحياة الثقافية في الماضي والحاضر.

شاعر عراقي مقيم في عمان

16