الثقافة بين مطرقة الرقابة وسندان غياب الدعم وتراجع الحريات

الاثنين 2016/01/04
"أوبرا ديرة نبقى كويتيين" أول تجربة أوبرالية على مستوى الخليج

لم تعد الكويت التي نعرفها اليوم هي كويت الأمس التي عاشت في ضمير المثقفين العرب خلال عقود متتالية من القرن الماضي، حيث المسرح، والفن، والشعر، والأغاني، والصحافة الجادة، والدوريات الثقافية الرائدة، وحرية التعبير التي ألهمت المبدعين، ووفرت لهم مساحات للفعل الثقافي مدعومين ببرلمان وقانون يحرسهم من مصائد القضايا الكيدية التي عادة ما يتعهّدها حراس الفضيلة والأخلاق، أو يحاصرها المهووسون بمؤامرات الكتب.

ويمكن أن نرصد هذا العام أهم الملامح في الحركة الثقافية في الكويت من خلال عدة أنشطة وفعاليات وإصدارات، لعل من أبرزها معرض الكتاب الدولي، وأنشطة الملتقيات الثقافية الأهلية الكويتية، وبالإضافة إلى بعض الإصدارات التي شكّلت فارقا مختلفا يبرز علامات المشهد الثقافي في الكويت.

محنة المعرض

خلال سنوات متتالية وأزمة الرقابة في معرض الكويت الدولي للكتاب تزداد سوءا سنة بعد أخرى، من خلال التضييق على الكتاب ضمن اعتبارات يراها الرقيب مشروعة وحقيقية بينما يراها المثقفون الكويتيون والعرب الزائرون للمعرض سلطة غير مبررة على الكتاب واستغلالا غير قانوني وعشوائي وغير منطقي لحق القراءة في أن تكون للجميع، الأمر الذي دفع بعض أصحاب دور النشر لإبداء استيائهم وتصريحهم بأنهم ربما لو استمر الحال على ما هو عليه فإنهم لن يشاركوا في المعرض خلال العام المقبل للخسارات الكبيرة التي منيت بها دورهم دون سبب.

وقد قُدّرت الكتب الممنوعة بألف كتاب من أصل 10 آلاف عنوان شاركت بها 508 دور نشر أتت من 26 دولة عربية وأجنبية. ولقد وسم بعض المثقفين المعرض عام 2015 بالمجزرة، وبعضهم وصفه بالحالة المتوحشة، وآخرون رأوا فيه إعلانا شاهرا لموت الكتاب في الكويت.

الرقابة ومنع بعض الكتب في الكويت أججا الوضع بين الكتاب والقائمين على الشأن الثقافي وجعلهم في قطيعة

من جهته أكد مدير معرض الكويت الدولي للكتاب عبدالله المطيري أن منع الكتب حق لإدارة المعرض إذا خالف محتوى الكتاب قانون الطباعة والنشر في الدولة، وهو أمر -بحسب تصريحه- متبع في جميع الدول.

قدمت دار الآثار الإسلامية الكويتية في دورتها 21، وهي مؤسسة ثقافيـة يتركز نشاطها حـول مجمـوعـة فنيـة خاصـة، موسما ثقافيا مميزا سنة 2015 شمل تقديم محاضرات، وأمسيات موسيقية، وندوات، وورش فنية، فضلا عن برامج موجهة للأطفال، وتنظيم معارض جوالة، وإعارة تحف من المجموعة لمعارض أخرى. هذا بالإضافة إلى إصدار نشرة فصلية ودورية وتوزيعها في شتى أنحاء العالم، وتقديم برامج تدريبية لترميم التحف، وتنظيم رحلات ثقافية سنوية.

مهرجان القرين الوطني الذي انطلق في بداية العام تناول مختلف الأنشطة والمجالات الفنية والإبداعية والثقافية واشتمل على الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية وتكريم المبدعين والباحثين إلى جانب العروض المسرحية، حيث ضمّت الفعاليات أكثر من 50 نشاطا، استضاف المهرجان خلالها ما يقارب 153 مشاركا وضيفا من مختلف دول العالم.

كما ضمّ المهرجان ثلاثة عروض مسرحية، و15 عرضا موسيقيا، وثماني محاضرات فكرية وأدبية وتراثية، وثلاث أمسيات شعرية، فضلا عن أربع ندوات فكرية وأدبية، وثلاثة معارض تشكيلية، وسبع ورش عمل متنوعة، وعرضين سينمائيين، وستة معارض للكتب أقيمت بالمجمعات التجارية في المحافظات الكويتية الست.

غياب وجائزة

مضى على تأسيس ملتقى الثلاثاء الثقافي الذي يرأسه الشاعر دخيل الخليفة مع نخبة من المثقفين الكويتيين والعرب حوالي 20 سنة، حيث تأسس في سبتمبر 1996، وكان أول ملتقى ثقافي أسبوعي خاص في الكـويت، استضاف بجهود أعضــائه الخـاصة مثقفـين عربا كثرا، لكن كل أحلامهم لتطوير العمل اصطـدمـت بغيـاب الدعم المادي، وهذا الأمر كان عائقا حقيقيا في اضطراب جدول الفعـاليات المنظمـة سنـويا ممـا تسبب في غيابه لأكثر من مـرة، كان آخـرها عام 2015.

يقول دخيل الخليفة في اتصال مع العرب: على مدى 20 عاما لم يتوقف ملتقى الثلاثاء الثقافي سوى 4 مواسم لأسباب خارجة عن إرادته تتعلق بالمكان، باستثناء هذا الموسم الذي يحتاج تفكيرا مختلفا حول آلية العمل من جهة والبحث عن داعم للدعوات الخارجية من جهة أخرى.

هناك برنامج تمّ إعداده خلال يوليو الماضي، كان بالفعل برنامجا طموحا، إلا أن مشاغل أعضاء مجلس الإدارة الآخرين، ومتابعتي شخصيا للمولود الجديد “دار مسارات للنشر والتوزيع”، حال كل ذلك دون تنفيذ الدعوات المحلية كما يجب، فضلا عن تعذر الحصول على أيّ دعم للمؤتمر الشعري الذي وضعنا خطته ومحاوره وأسماء المدعوين له. في كل الأحوال فإن غالبية مقترحات جدول الموسم صالحة لموسم 2016، وحتما سوف ننفذها.

الخفوت في المشهد الثقافي سببه غياب الدعم وتقلص الحريات رغم محاولات حثيثة للتجديد

أطلقت الجامعة الأميركية في الكويت مؤخرا بالشراكة مع الملتقى الثقافي في الكويت (الذي يرأسه طالب الرفاعي منذ 2011) ما وصفاها بأنها أكبر جائزة مخصصة للقصة القصيرة في العالم العربي من حيث القيمة المادية، وتبلغ قيمتها السنوية 20 ألف دولار أميركي إضافة إلى درع وشهادة تقدير. كما تخصص الجامعة الأميركية في الكويت مبلغا ماليا لترجمة المجموعة القصصية الفائزة إلى اللغة الإنكليزية.

وجاء في تفاصيل الإعلان بأن المنظمين سيفتحون باب التقديم للجائزة في يناير حتى مارس من كل عام، وتعلن في منتصف نوفمبر القائمة الطويلة، ثم القصيرة قبل إعلان اسم الفائز مطلع ديسمبر.

ويحق للكاتب التقدم بنفسه بمجموعة قصصية واحدة كما يحق لكل ناشر ترشيح مجموعتين لكاتبين مختلفـين. ويأمل الكثير من المتابعين والأدبـاء في الكويـت والـوطن العـربي أن تعيد هذه الجائزة الاعتبار الفني للقصة القصيرة.

أوبرا ديرة

انطلقت في الكويت في بداية 2015 أول تجربة أوبرالية على مستوى الخليج، تحت عنوان “أوبرا ديرة.. نبقى كويتيين”. وتأتي هذه التجربة الأولى على مستوى الخليج العربي، وتستعرض الأوبرا حكاية نضال شعب من خلال تجسيد قصة الشاعر الغنائي الراحل فايق عبدالجليل، وذلك عبر محاكاة ثماني قصائد غنائية مستلهمة مما كتبه عبدالجليل في العام 1990.

وقد شارك في الأوبريت أكثر من ستـين عازفا محلـيا وعربيا، بالإضافة إلى خمسة وعشرين موسيقيا أوبراليا لآلات لم تستخدم من قبل في الكويت تمازج بها اللحن الكويتي بفنونه الشابوري والعرضة والدزة، مع غناء أوبرالي يعتمد في بنائه على الأساطير القديمة. وبحسب ما صرّح به المؤلف الموسيقي الدكتور رشيد البغيلي فقد استغرق التحضير له نحو سنتين في ظل صعوبات وعقبات أبرزها عدم وجود مسرح مؤهّل أو دار أوبرا.

15