الثقافة تتقهقر في مواجهة كورونا.. وتقرع ناقوس الخطر

مدرسة القيادة الحق هي الثقافة العامة بفضلها يتمكن الفكر من أداء دوره بنظام، ويميز الجوهري من الزائد.
الخميس 2020/03/19
القراءة المعاصرة مختلفة تماما (لوحة للفنانة هيا حلاو)

الآن وقد عمّ الخطر على الجميع، وباتت أغلب الشعوب المصابة بالكورونا خاضعة لرقابة القوة العامة، التي فرضت حظر التجول وأرغمت الناس على لزوم بيوتهم لا يغادرونها إلا للضرورة القصوى، صارت أوقات الفراغ لديهم بحجم الكون، وهنا تكمن المشكلة. كيف سيزجي كل فرد وقت فراغه، وبماذا سيشغله؟

لا حديث اليوم في شتى أصقاع المعمورة إلا عن الكورونا، ولكنه حديث يختلف فحواه، وسبل التصدي له من مكان إلى آخر بحسب طبيعة الشعوب ومستوى تقدمها. فقد قابلناه في بداية ظهوره، نحن العرب، كسوط عذاب صبّه الله على الصينيين لاضطهادهم مسلمي الإيغور.

ولما انتقل إلى أوروبا واصلنا تفسير ذلك الوباء الصيني المتنقل بكونه نقمة من الله على الكفار والعلمانيين. وحتى عندما تحول الوباء إلى جائحة عالمية، بقينا محافظين على تلك المرجعية الميتافيزيقية، ورفضنا توخي الاحتياط اللازم، بل إن بعضنا لا يزال يتحدى قوانين الحجر ويصر على صلاة الجماعة.

أما في السّرّ فهم يدعون الله أن يهدي “الكفرة” إلى إيجاد ترياق لهذا الفايروس الفتّاك، وفي الأقل لقاح لتوقّي شروره، لأن هذا الغرب “الكافر” يؤمن بالعلم ويجلّ العلماء، ويسعى على قدم وساق لإيجاد دواء ينجي العالم بأسره، دون استثناء.

وظيفة التعليم

في هذه الأثناء، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي خبرين، أحدهما حقيقي، والثاني طرفة، وإن كانت لا تنأى كثيرا عن الواقع. يقول الأول إن الشعوب البريطانية أقبلت على الأكشاك والمكتبات، تشتري محتوياتها من الكتب والمجلات والدوريات بنهم، حتى أفرغتها.

وأما الثاني فيقول إن شعب تونس هبّ إلى الأسواق والمحلات التجارية يفرغها من الثوم والدقيق والمعكرونة وسائر المواد الغذائية… وشتان بين شعب سوف يشغل أوقاته بالقراءة، وشعب لا همّ له سوى التفكير في ما يملأ بطنه. صحيح أن ثمة من العرب من وجد في الحجر الصحي فرصة لقراءة ما تراكم في مكتبته من مؤلفات، ولكن نسبتهم ضعيفة قياسا بالسواد الأعظم الذي لا يقرأ، لأنه لم يعوّد نفسه على المطالعة، ولأن المنظومة التعليمية فشلت في ترغيبه في القراءة.

والقراءة التي نعنيها لا تقتصر على القصص والروايات والأشعار، على أهميتها، وإنما تلك التي تواكب عصرها، وتأخذ من كل شيء بطرف، وحتى أكثر من طرف بحسب ميول كل شخص وقدراته، لكي يحوز الفرد ثقافة عامة تؤهله لفهم واقعه ومجتمعه والعالم ومستجداته، دون أن يحصر نفسه في مجال معين، كالفن أو الرياضة، أو السياسة… أي أن يكون مواطنا بأتم ما في الكلمة من معنى.

الأنظمة التربوية في العالم العربي أهملت مهمتها الأولى أي تكوين مواطنين ومواطنات يحملون ثقافة عامة متينة (لوحة: محمد ظاظا)
الأنظمة التربوية في العالم العربي أهملت مهمتها الأولى أي تكوين مواطنين ومواطنات يحملون ثقافة عامة متينة (لوحة: محمد ظاظا)

لقد أهملت شتى الأنظمة التربوية في العالم العربي مهمتها الأولى، أي تكوين مواطنين ومواطنات يحملون ثقافة عامة متينة، وآثرت إعداد التلاميذ إعدادا أقرب إلى التكوين المهني، بغرض تهيئتهم لوظيفة أو عمل إثر نهاية دراستهم، بموافقة ضمنية من أولياء يدفعون كل مرتخَص وغال لأجل حصول أبنائهم على شهادة تضمن لهم المركز الاجتماعي اللائق.

وكان ذلك منطقيا في بداية الاستقلال، حيث احتاجت أغلب الأقطار إلى من ينهض بدولة ناشئة، وإدارة شؤونها، وتسيير منشآتها، لوضعها على المسار التنموي الصحيح. ولكن مع تفاقم سوق الشغل، واستشراء البطالة، ظهر تنافس غير شريف في أغلب الأحيان للحصول على وظيفة بأي ثمن.

وبغض النظر عن السبل التي يتوصل بعضهم بواسطتها إلى الشهائد العلمية، فإن المدرسة في عمومها لم تعد منطلقا لتكوين ثقافي يساعد التلميذ على معرفة جذوره وأصوله وتراثه، والانفتاح على العالم لاكتشاف إسهاماته الحضارية، وإبداعاته الفكرية والأدبية، بل باتت منصّة للحصول على وظيفة أو مهنة. أي أن كثيرا ممن يتخرجون أو ينقطعون عن التعليم في هذه المرحلة أو تلك لا يعرفون الفارابي وابن رشد، ولا امرئ القيس وطرفة، ولا أفلاطون وأبي قور ومونتاني، ولكنهم بارعون في استعمال السمارتفون، وتحميل تطبيقاته، وابتكار وسائل متطورة لفك شيفرات القنوات التلفزيونية، والتنصل من دفع معاليم الاشتراك.

هذا الهوس بخلق مهنية مبكرة أدى إلى ترك عناصر التعليم الأساسية، كاللغة والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا والفنون الجميلة. ووقع التركيز في موازاة ذلك على عناصر ظرفية، كتدريس الإنجليزية منذ الأقسام الابتدائية، ليس حبّا في الأدب الإنجليزي أو المسرح الإليزابيثي، بل أملا في أن يضمن التلاميذ مستقبلهم.

ولا تزال المناهج تتغير على ضوء متطلبات السوق، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بالمؤهلات المهنية التي ستفرضها سوق الشغل في الأعوام القادمة.

الثقافة العامة

الحق أن الوضع الذي ذكرناه لا تختص به الدول العربية وحدها، بل يشمل حتى بعض البلدان المتقدمة، كفرنسا مثلا. ففي بداية العصر المعلوماتي مطلعَ السبعينات، رأى القائمون على الشأن التربوي في فرنسا ضرورة تعليم طلبة الهندسة برمجة فورتران، وكانت لغةَ المعلوماتية آنذاك، ولكن سرعان ما نابت عنها لغاتٌ برمجية أخرى.

أي أن الخبراء الذين يرغبون في تعليم أطفال اليوم استعمالَ الراقنة المعلوماتية، قد يُفاجَؤون بتغييرها بوسائط أخرى في الأعوام المقبلة، كتوسّل المستخدم بالصوت في توجيه الآلة والإبحار في الشبكة.

المدرسة لم تعد منطلقا لتكوين ثقافي يساعد التلميذ بل باتت منصة للحصول على وظيفة أو مهنة

وقد يُفاجَأ الدّاعون إلى تعلم اللغات، الإنجليزية بخاصة، ببرمجيات صوتية مدمجة في الهواتف الجوالة، تجعل ممارسة اللغة لاغية، باستثناء استعمالها لغايات ثقافية.

وقد لاحظ أحد الخبراء الفرنسيين أن الشبان المتخرجين في الهندسة يلاحظون فور التحاقهم بمؤسسة من المؤسسات أن المعارف التي تلقوها في الجامعة أو المعاهد العليا لا تفيدهم في شيء، وأنهم يتمرسون بمهنتهم عندما يواجهون الواقع، يستثنى من ذلك الطلبة الذين تلقوا تكوينا مهنيا.

والإجابة في رأيه بسيطة، وهي أن المؤسسات لا تنتخب منتدبيها حسب معارفهم ولا مهاراتهم، وإنما بحسب الميزات الأصلية التي تشهد بها مسيرتهم المدرسية، وهي ميزات تستند إلى قدرات التلاميذ لا محالة، ولكنها تستند أيضا إلى ثقافتهم العامة. هذه الثقافة العامة، التي تتأتى أساسا من قراءة أمهات الكتب، هي التي أشاد بها الجنرال ديغول في فصل “القيادة” من كتابه “نحو جيش محترف”، إذ كتب يقول “إن مدرسةَ القيادةِ الحقَّ هي الثقافة العامّة. بفضلها يتمكن الفكر من أداء دوره بنظام، ويميز الجوهري من الزائد، ويسمو إلى الدرجة التي تبدو فيها المجموعات خالية من مخاطر الفروق. ما من قائد بارز إلا وكان له ميل إلى التراث وإحساس بالفكر الإنسانيين. في عمق انتصارات الإسكندر المقدوني نجد دائما أرسطو…”.

14