الثقافة تواجه الإرهاب

الاثنين 2016/03/28

لا ينفك السجال يتجدد بعد كل عملية إرهابية هنا أو هناك بضرورة البحث عن سبل ثقافية وفكرية لتفكيك الإرهاب والحد منه، تمهيدا للتخلص منه ومن تداعياته الخطيرة التي يخلفها على الشعوب والدول، ويبقى السجال في دائرته الضيقة المغلقة من دون أن يفضي إلى خطوات مؤثرة أو نتائج مرجوة في واقع الأمر.

هل بالإمكان تفكيك الإرهاب فكريا وثقافيا وهنالك منظومات سياسية ودينية تعمل على تذكيته وتسعيره بذريعة القداسة والبطولة والواجب؟ ألا يحتاج الأمر إلى نزع القداسة عن نصوص أوصلت حياة نزلائها المؤمنين بخلودها وقداستها إلى درجة من التحجر والانغلاق والخروج عن ركب الحياة المعاصرة؟ كيف لسكان الماضي وأوهامه الاندماج في عصر جديد بأردية فكرية مهلهلة مرقعة؟

ما يزال مصطلح الإرهاب موضع تجاذب بين أكثر من طرف، لا لصعوبة العثور على تعريف، بقدر ما يتعلق الأمر بحسب الأرضية الفكرية والمصالحية التي ينطلق منها، وما إن كان الفعل المندرج تحت خانة الإرهاب لدى أحدهم هو نفسه المصنف في لائحة البطولة لدى آخر، ولا يعدم كل طرف إضفاء قدسية على أفكاره وإرهابه بحيث يعتبره واجبا مقدسا في حين أن الآخر موضع اتهام وإجرام في الوقت نفسه.

تحرص الأنظمة الاستبدادية، ولاسيما "حلف الممانعة ومحور الشر" على إبقاء الإرهاب مفهوما ضبابيا، بحيث تجاهر بضرورة وضع تعريف واضح محدد للإرهاب، وهي إذ تدعو لذلك، تروم استثناء نفسها وممارساتها من التعريف المراد له أن يشمل ممارسات من تصنفهم أعداء لها، وتصنف ممارساتها وأعمالها، سواء كانت موجهة ضد شعوبها أو أولئك المفترضين بأنها أعداؤها، في إطار المقاومة المشروعة.

الإرهاب الديني بنسخته "المتأسلمة" يتماهى مع إرهاب الاستبداد السياسي، ويتفوق عليه خطورة في كونه ينهض على حقيقة مقدسة لا تقبل نقاشا عن مدى مناسبتها للزمن الراهن، وتنطوي على جهل عابر للأزمنة وإجرام يتخطى الحدود، وبالضرورة يكتسب مشروعيته من نصوص مصنفة على أنها مقدسة، في حين أنها تفتك بالإنسان الذي يفترض به أن يكون غاية كل النصوص، وبالإنسانية التي يفترض أن تكون مبتغاها.

ولأن الإرهاب المنتشر يتغذى من أحقاد ماض دموي عنيف، ويتفشى في أرضية يسودها الجهل والتخلف وينهض على أنقاض ديكتاتوريات دمرت بنية التفكير لدى مواطنيها، فإن النزعة العدوانية تظل في تصاعد، ويكون البحث عن حلول متوهمة عبر العنف المقدس الذي يخيل لصاحبه أنه على مشارف الفردوس وعلى عتبات الخلود والبطولة.

كاتب من سوريا

15