الثقافة حصن أخير للاتقاء من خطر الإرهاب

مسألة الاهتمام بالثقافة وجعلها إحدى الأدوات التي تساهم في وقف المد الإرهابي والفكر المتطرف لم تلق العناية الكاملة من حكومات الثورة في تونس، لذلك وجد التطرف مجالا لمحاصرة الفكر والثقافة وإقصائهما من الفعل المجتمعي متكئا في ذلك على أيديولوجية إخوانية سلفية تعادي كل أنواع الإبداع وكذلك مؤسسة سياسية كانت مشجعة له من خلال أطروحات التكفير التي اتخذت من الخوف وسيلة لتمددها بين فئات المجتمع.
الجمعة 2015/08/14
غياب المشاريع الثقافية جعل الشباب فريسة للأطروحات المتطرفة

علينا أن نقرّ بأنّنا نطرح هنا السؤال الأكثر إهمالا في تونس ألا وهو السؤال الثقافي بشكل عام وسؤال الثقافة ودورها المحتمل في اتّـقاء الإرهاب وليس فقط في مقاومته بصورة خاصّة. وهو سؤال مهمل لأنّ المسألة الثقافيّة متروكة في تونس بعد الثورة لأسباب جدليّة وسياسيّة نعرّج عليها ولا نتوقّف عندها.

أمّا الأسباب الجدليّة فتتمثّل أساسا في كون الثورة التونسيّة ذات عمق اجتماعي حرّكه الوعي الطبقي (البطالة والفقر والتهميش والتفاوت الجهوي والحيف في توزيع الثروة) ولم تكن نتيجة تأسيس ثقافي وفكري وفنّي كما حدث في التاريخ، بل إنّ الفعل الثقافي المقاوم للاستبداد كان ضعيفا جدّا ومحاصرا بشكل خانق قبل الثورة. وأمّا الأسباب السياسيّة فمردّها إلى استمرار نمط الحكم نفسه الذي كان قبل الثورة إلى اليوم وبنفس الخيارات والتوجّهات بل بأسوأ منها. وهذا انحراف خطير ينبئ بتعرّجات وانحناءات وتصدّعات وتصحيحات قادمة لا ريب فيها.

فالثورة كان يجب أن تنتج خطابها الثقافي الموازي. وقد بدأت أجنّة هذا الخطاب الجديد تظهر وتنمو (فنّ الغرافيتي/ مسرح الشارع/ حركة شعريّة متمرّدة/ كتابات متحرّرة من سطوة الممنوع والمحرّم والمحظور) ولكنّها جوبهت بسلطتين: سلطة سياسيّة ذات مشروع معاد للثقافة تتمثّل أساسا في حكومتي الترويكا، أوّلا، وسطوة دينيّة أرثوذوكسيّة مستقوية بدعم السلطة السياسيّة التي كانت قائمة حينها (الترويكا وحركة النهضة) ومستمدّة شرعيّتها من أيديولوجيا إخوانيّة ووهّابيّة سلفيّة واردة من جزيرة العرب ومدعومة بالفيض المالي المتأتّي من الريع النفطي. فانكفأت الحركة الثقافيّة الثوريّة بسرعة إلى الظلّ وتركت الساحة شاغرة لهاتين السلطتين.

كانت هذه المقدّمة، التي لم تخل من توثيق، ضروريّة لنؤسّس عليها فحصنا للواقع التونسي فيما يتّصل بالمسألة الثقافيّة والإرهاب اليوم في تونس، بمعنى آخر، أين نحن اليوم؟ في أيّ مرحلة: مرحلة الاتّقاء أم مرحلة المقاومة؟ وما هو الدّور الأوّلي للثقافة: الاتّقاء أم المقاومة؟

ليبيا واقع إقليمي محيط يستورد من تونس الإرهاب خاما ويعيده مصنعا معلبا قابلا للانفجار

ولكن ما الفرق، أوّلا، بين الاتّقاء والمقاومة؟ الاتّقاء يكون بتحاشي اندلاع هذه الظاهرة وتجنيب المجتمع نارها وفواجعها. أمّا المقاومة فتكون في الغالب ردّ فعل يمكن أن يكون انفعاليّا كما يمكن أن يكون منظّما وفعّالا. ولنتّفق بدءا على أنّنا لم نتحاش انزراع الإرهاب بين ظهرانينا لأنّ الحكومات التي تداولت على الحكم في تونس بعد الثورة شجّعت الإرهاب بشكل ما وألغت في المقابل سلاح الثقافة تماما في التعاطي مع الظاهرة الإرهابيّة في الوقت الذي يستهدف فيه الإرهاب الثقافة مباشرة باعتبارها ثروة وطنيّة ماديّة ووجدانيّة وتاريخيّة لا تثمّن يرغب في تبديدها لإنهاك الدولة وزرع الفزع في المجتمع. فالإرهاب كان أذكى من الدولة وأشطر.

لذلك نحن اليوم في مرحلة المقاومة بعد أن منعنا، باعتبارنا مثقّفين وفنّانين ومبدعين، من حقّنا في تجنيب بلدنا الإرهاب. فلو كان الرهان على الثقافة موجودا لكانت الصورة مختلفة عمّا هي عليه الآن على الأقلّ في مستوى توازن الفعل والتأثير. فالإرهاب أخذ شوطا متقدّما على الثقافة ما كان له أن يأخذه. والسبب هو الخوف، نعم الخوف. فالمخطّط الإخواني الوهّابي السلفي، ولا فرق عندي بينها، اشتغل على هذا العامل النفسي ليدفع التونسيّين حتى يؤثروا السلامة على الحريّة والإبداع.

وهو ما تحقّق فعلا عبر أسلوب العنف بكلّ أشكاله الذي كان يسود في تونس، لا سيما خلال النصف الثاني من سنة 2011 وسنتي 2012 و2013 خطابا سياسيّا ومسجديّا وأيضا ممارسة وإعلاما. ولا تنسوا أنّ التكفير من أدوات الفعل العنفي الحاسمة في زمن الترويكا. ولم يجد ما يوازيه ثقافيّا. لذلك نجح في زرع الخوف في الساحة الثقافيّة. فترك النّاس المسارح ودور السينما ومعارض الكتب واكتظّوا في مشاهد سورياليّة في كلّ شبر تونسي داخل المساجد وحولها.

نحن اليوم في مرحلة المقاومة بعد أن منعنا، باعتبارنا مثقّفين وفنّانين ومبدعين، من حقّنا في تجنيب بلدنا الإرهاب

طبعا لم يكن المسجد مطلقا بديلا للثقافة والفنّ طيلة التاريخ العربي الإسلامي اللّهمّ إلاّ في لحظات الردّة الحضاريّة والانكفاء التاريخي. عدا ذلك فالمسجد كان منبرا ثقافيّا للتفكير والتأويل والإبداع أيضا. ولنتذكّر أنّ الكثير من مدوّنات الأدب العربي التي صنعت مجد هذه الثقافة اتّخذت من المسجد ومن الفقه مادّة إبداعيّة (بخلاء الجاحظ ومقامات الهمذاني نموذجين عن ذلك).

ولكنّ السؤال المنهجي الضروري هنا هو: هل نكتفي بالمقاومة الثقافيّة؟ ألم يعد للوقاية الثقافيّة من دور؟ الجواب: لا، لأنّي أقدّر أنّ الممارستين أعني الوقاية والمقاومة لا بدّ أن تسيرا معا جنبا إلى جنب. فقدر الثقافة في تونس اليوم أن تؤدّي الدورين معا فيما يتّصل بالإرهاب: الاتّقاء والمقاومة.

لا بدّ من الإقرار بواقع بيّن لا فكاك من الاعتراف به قبل أن نتقدّم، ألا وهو أنّ الأسباب والخيارات التي أنتجت الإرهاب في أرضنا مازالت مستمرّة. وهي أسباب موضوعيّة أغلبها متعلّق بعضها بنا وبعضها الآخر بغيرنا، ما يتعلّق بنا هو الفقر والتهميش والإهمال لشبابنا وشدّة القمع والمنع وتآكل مؤسّساتنا وسطوة التقاليد.

لا بدّ من الإقرار بواقع بيّن لا فكاك من الاعتراف به قبل أن نتقدّم، ألا وهو أنّ الأسباب والخيارات التي أنتجت الإرهاب في أرضنا مازالت مستمرّة

كلّ هذا يلقي بنسبة كبيرة من المراهقين والشباب في الهامش الذي يعدّهم للتمرّد على المجتمع. وللتمرّد أشكال ووجوه منها وأخطرها الإرهاب والانحراف والجريمة.

وما لا يتعلّق بنا بشكل مباشر، لأنّنا، أقصد الحكومة التونسيّة، طرف فيه بشكل غير مباشر، هو الواقع الإقليمي المحيط ببلدنا ونعني أساسا الواقع الليبي الذي يستورد منّا الإرهاب خامّا ويعيده إلينا مصنّعا معلّبا قابلا للانفجار.

الخطّة الثقافيّة التونسيّة لمقاومة الإرهاب لا بدّ أن تكون في شراكة ثقافيّة مع ليبيا، وهذه مسألة استراتيجيّة. فإذا كان الإرهاب مشتركا فمن الضروري أن تكون مقاومته الثقافيّة مشتركة.

ولهذا لا بدّ من خطّة استراتيجيّة ثقافيّة لمقاومة الإرهاب بيننا وبين ليبيا. فمصيرنا واحد وقدرنا واحد ومقاومتنا لا بدّ أن تكون موحّدة. ولم لا التفكير في خطّة ثقافيّة إقليميّة بين تونس وليبيا والجزائر تشتغل على المشتركات الحضاريّة والثقافيّة وتستثمر الخصوصيّات النوعيّة لكلّ بلد. فلقد حان الوقت لاستثمار جانب من الثروات الطبيعيّة والبشريّة في إقليم المغرب العربي في خطّة ثقافيّة مقاومة للإرهاب الذي يتهدّد الجميع.

13