الثقافة غالبا ما تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية

الأربعاء 2015/04/29
الأنثروبولوجيون أصبحوا اليوم يهتمّون بالحياة اليوميّة في أبسط تفاصيلها

ولد محمّد الجويلي ليكون أنثروبولوجيّا” هذا ما قاله عميد النقد الأدبي العربي الحديث في تونس توفيق بكار عن محاورنا في تقديمه لكتابه “أنثروبولوجيا الحكاية”. المتمعن في كتب الجويلي العشرة، يجد ما يثبت أنّ الرجل مفكّر حقيقي وفي ذات الوقت أديب وسارد من طراز رفيع.. “العرب” التقت الباحث محمد الجويلي في معرض الكتاب الأخير بباريس، وكان لنا معه هذا الحوار.

هناك التباس ناتج عن تماثل في الاسم بين محدثنا الباحث الانثروبولوجي التونسي محمد الجويلي وبين مدير مرصد الشباب في تونس، ويرى ضيفنا أن قصّة هذا الالتباس في تونس طويلة وتتطلّب كتابا كاملا. ويكتفي بالقول: إن مدير مرصد الشباب الحالي في تونس هو أستاذ علم اجتماع طبع كتابا واحدا على حدّ علمي منذ أكثر من عشرين عاما، باسم محمد الهادي الجويلي، والكتاب مازال إلى الآن يُباع في المكتبات بهذا الاسم.

ثم تراجع عن اسم الهادي واكتسح القنوات التلفزيونية خاصة التونسية منها، باسم محمد الجويلي، في حين أنّني قليل الظهور فيها لأسباب يطول شرحها، فبدأت كتبي تُنسب إليه وصار يُدعى إلى بعض المناسبات بهويّتي، بل أكثر من ذلك أعلمني أخيرا الأستاذ جلال الربعي الذي أصدر كتابا حول مؤلفاتي بعنوان “قراءات أنثروبولوجية في كتابات محمد الجويلي”، بأنّه وقع الاتصال به من جهة ثقافية في تونس تطلب منه عنوان مدير مرصد الشباب لدعوته إلى مناسبة فكرية، معتقدة أنّ الكتاب متعلّق به وليس بي.
القصص المشابهة لذلك كثيرة ولك أن تتصوّر حجم الضرر المعنوي الذي حصل لي من ذلك. الملكية الفكرية مقدّسة في كلّ المجتمعات، وأعتقد أنّ رفع هذا الضرر عنّي هو من مسؤولية الإعلام التونسي الأخلاقيّة وكلّ الشرفاء، مادام مدير مرصد الشباب التونسي مازال مصرّا على الاستفادة من هذا الالتباس، وإلّا لماذا لم يحافظ على هذا الاسم الذي خرج به لأوّل مرّة للعموم.

من الحطب إلى الذهب

كتاب “من الحطب إلى الذهب” كما يقول محمد الجويلي له طعم خاص بالنسبة إليه. إن كان ذلك عائدا إلى الإهداء الذي لفت انتباه كلّ من اطّلع عليه واعتبره كتابا في كتاب أو حكاية في حكاية، يقر محدثنا أن ذلك يعود إلى عوامل عديدة بما في ذلك الإهداء بالطبع. يقول: أنا تونسي ولكنني مسكون بهواجس الثقافة العربيّة. أن تتولّى المؤسسة الوطنيّة للبحث العلمي التابعة لوزارة التعليم العالي في تونس منذ عشرين سنة مضت طبع أحد مؤلّفاتي، فهذا أمر منتظر.

ولكن أن تتبنّى وزارة التعليم العالي في المملكة العربيّة السعوديّة عن طريق الملحقيّة الثقافيّة في باريس هذا الكتاب، فهذا أمر لا أخفي سعادتي به، لأنّه اعتراف من الوسط الأكاديمي السعودي بأهمّية ما كتبت وقيمته العلمية، ومن شأنه أن يمنح ما أكتب سمة عربيّة شاملة تتجاوز الإطار التونسي. وهنا لا بدّ أن أتوجّه بشكري الجزيل إلى وزارة التعليم العالي في المملكة، وكذلك إلى صديقي الدكتور إبراهيم البلوي الملحق الثقافي للسعوديّة في باريس، الذي عملنا معا لسنوات قبل أن يلتحق بهذه المهمّة من أجل خدمة التعاون الأكاديمي السعودي التونسي، ونظّمنا العديد من الندوات واللّقاءات بما في ذلك في تونس وإيطاليا حول الترجمة وحوار الثقافات والتقريب بين الشعوب.

النخب اهتمّت في العقود الأخيرة بالمشترك في الأديان انطلاقا من المكتوب ولكن لم تلتفت إلى الإرث المشترك الشعبي
هذا الكتاب الذي هو في صلب الحوار بين الثقافات هو تتويج لهذا التعاون، والإهداء ذاته الذي افتتحت به هذا الكتاب يندرج ضمن هذا التمشّي، هو تعريف الشعوب ببعضها البعض، بما في ذلك العربيّة في المغرب والمشرق والخليج التي يجهل بعضها عن بعضها الكثير.

يضيف محمد الجويلي: لا نعرف عن السيّدة المهدى إليها الكتاب شيئا عدا أنّها سعوديّة. وأتمنّى بالطبع أن تعلم بذلك. على أيّ حال إذا كانت تتابع الشأن الثقافي، وتقرأ الصحف سيصلها آجلا أم عاجلا خبر الإهداء. التاريخ مضبوط بدقّة والمكان كذلك ولكن الأهمّ من ذلك أنّها عندما تصرّفت بهذا الكرم والعفويّة، لم تكن تنتظر لا جزاء ولا شكرا، وعندما تحدّثت، وهذا مدوّن في نصّ الإهداء، تحدّثت باعتبارها سعوديّة. لم تكن تعلم بأنّ ما قامت به سيدوّن في التاريخ. باعتباري أنثروبولوجيّا: الثقافة تبدأ من تفاصيل الحياة اليوميّة، من الشارع و السوق ومن وسائل النقل العمومي. الأنثروبولوجيون يهتمّون اليوم بالحياة اليوميّة.

في فرنسا عل سبيل المثال نجد “مارك أوجيه” الذي ترجمت له كتاب “إثنولوجي في المترو” وصدر في بيروت. أنا أعمل على التقاط الجزئيات التي تبدو بسيطة في السلوك اليومي، ولكنّها على غاية من الأهمّية. بطاقة إقامتي أنا وعائلتي في الرياض منذ أربع سنوات تحصلت عليها بالطبع من وزارة الداخليّة، ولكن بطاقة إقامتنا “النفسيّة” الشعبية إنْ صحّ التعبير، أعطتها لنا هذه السيّدة.

يواصل قوله: الرسالة واضحة إذن ما جزاء الإحسان إلّا الإحسان. الإهداء اعتراف بالجميل لهذه السيّدة، ومن خلالها للشعب السعودي الذي مازال يحافظ على تقليد الضيافة العريق في جزيرة العرب والاحتفاء بالضيف والغريب، حتّى وإن لم نكن غرباء على لسان هذه السيّدة، التي تمنّت لنا إقامة طيّبة بين أهلنا على حدّ قولها. الإهداء كما ترى في انسجام مع مضمون الكتاب.

ويضيف: الهديّة محفظة مدرسية أهدتها هذه السيدة لابني في السوق دون معرفة مسبقة بنا، ما عدا لهجتنا التي عرفت من خلالها أنّنا من المغرب العربي وذاكرة الأنثى أمّا أو جدّة هي كذلك محفظة تربويّة وحِكميّة. الحكاية هديّة حبّ وفي كلا الحالتين المعني بالأمر هو الطفل.

حكايتان من ثقافتين يبدو في الظاهر أن لا شيء يجمعهما

الإرث المشترك

أشار الجويلي في حوار سابق إلى إهمال النخبة العالميّة للتراث الشعبي في الحوار بين الثقافات والحضارات، يعلق الباحث قائلا: كتاب من الحطب إلى الذهب أحسن دليل على ذلك. حكايتان واحدة سعوديّة وأخرى فرنسيّة، من ثقافتين يبدو في الظاهر أن لا شيء يجمعهما، وتتحدّثان عن أطفال يرتزق والداهم من الاحتطاب، وبسبب الفقر المدقع يتخلّيان عنهم ويتركانهم في الفلاة لوحدهم يكابدون الصعاب ويتعرّضون لشتّى أنواع الشرور، قبل أن ينتصروا بقيادة أصغرهم سنّا ويفوزوا بالذهب بعد أن أعرض عنهم الحطب. ثمّة طبعا اختلافات في الروايتين اللتين تتوارثان منذ قرون ولكن المشترك المؤتلف أوسع من المختلف، فهي درس فرنسي سعودي شعبي في التربية وفي بناء شخصية الطفل وفي إعداد الطفل للفراق بمعنييه الوجودي والنفسي.

النخب الغربية والعربيّة اهتمّت في العقود الأخيرة بالمشترك في الأديان مثل موضوع التسامح وعقدت ندوات كثيرة حول هذا الموضوع وغيره، انطلاقا من المكتوب، ولكنها لم تلتفت إلى الإرث المشترك الشعبي. هذه مهمّة اليونسكو والألكسو العربيّة. كما أرى أنّ الجامعة يمكن أن تلعب دورا مهمّا في ذلك في أقسام الأنثروبولوجيا والأداب والدراسات الثقافيّة المقارنة.

فكرة هذا الكتاب ولدت في الرياض، كما قال الجويلي في مقدّمة الكتاب، عندما درّس الثقافة المقارنة بجامعة الملك سعود.

ويؤكد ضيفنا ذلك قائلا: نعم كان ذلك في السنة الجامعيّة 2010- 2011، بكلّية اللّغات والترجمة فعلا عندما درّست الثقافة المقارنة، ولكن دروسي كذلك في كلّية السياحة والآثار كانت تتّخذ نفس المنحى. درّست مسألة الضيافة من وجهة نظر أنثروبولوجيّة، ومن الطبيعي أن أولي الضيافة عند العرب أهمّية خاصة، ولكن كان الهدف هو البحث في المشترك الإنساني. وهذا الموضوع وحده يمكن أن تعقد حوله ندوات من قِبل اليونسكو في إطار الحوار بين الثقافات. في الحقيقة وجدت في جامعة الملك سعود العريقة كلّ المحفّزات للذهاب بعيدا في هذا المشروع، وكانت لي اتصالات مع زملائي السعوديين المهتمّين بالتراث الشفوي، الذين يشرفون على مجلة تصدرها الجامعة حول هذا التراث في قسم العربيّة بكلّية الآداب، وجامعة الملك سعود على حدّ علمي هي الوحيدة مع جامعة القاهرة، وقديما بغداد التي كانت تصدر مجلّة علميّة مختصّة في هذا الميدان، واتفقنا على التعاون والعمل معا، ولا سيما أنّني لمست عندهم كفاءة عالية وإيمانا راسخا بأهمّية النهوض بالدراسات الفلكلورية في الوسط الأكاديمي العربي، ولكن عودتي إلى تونس على عجل حالت دون ذلك. لا بدّ كذلك من الإشارة إلى العمل الجبّار والاستثنائي الذي يقوم به في البحرين الفولكلوري الكبير والشاعر البحريني علي عبداللّه خليفة، من خلال مجلّة الثقافة الشعبية التي تصدر في المنامة.

15