الثقافة ليست ترفا ولا هي قابلة للاختزال

الناقدة كاثرين بيلسي ترى أن الثقافة لا تقدم لنا صورة مألوفة وحقيقية عن العالم، بل تهتم بما لا يقال أو بالمجال الغريب الذي يقبع وراء الثقافة.
الاثنين 2018/03/26
كاثرين بيلسي تدعو إلى استكشاف الجانب الإنساني في البشر

يرى البعض أن طبيعة الإنسان تشكل أساس الثقافة، ويرى آخرون في الثقافة ركيزة رئيسية في تكوين الهوية البشرية. أما كاثرين بيلسي، التي تعتبر كتبها في النقد التطبيقي من أهم نصوص ما بعد البنيوي، فتدعو إلى تفسير علائقي أكثر تميزا لمعنى أن نكون بشرا، وبذلك تدفع بنظرية ثقافية جديدة في كتابها “الثقافة والواقع″ الذي ترجمه الدكتور باسل المسالمة.

وتقول كاثرين بيلسي “إذا أردنا أن نستكشف معنى أن نكون بشراً، فعلينا أن نقر بالعلاقة بين الثقافة والأشياء التي نجهلها”، فهي ترى أن الثقافة لا تقدم لنا صورة مألوفة وحقيقية عن العالم، بل تهتم بما لا يقال أو بالمجال الغريب الذي يقبع وراء الثقافة، الذي سمّاه جاك لاكان الواقع. ومن هنا يكتسب هذا الكتاب أهميته خصوصا لأولئك الذين يعملون في مجال النقد الثقافي وتاريخ الفن.

كما توضح بيلسي أن استكشاف الجانب الإنساني في البشر يقتضي الاعتراف أو التسليم بالعلاقة القائمة بين الثقافة وما نجهله، ولا نقصد بذلك صورة العالم المألوفة التي تقدمها لنا الثقافة بوصفها صورة واقعية، وإنما ما لا يمكن قوله، أو المجال الغريب الذي تكمن وراءه الثقافة، ذاك الذي سمّاه لاكان “الواقع/ الواقعي”، فالثقافة تسجل شعورا بقيودها الخاصة بطرق أكثر دقة.

ويلاحظ أن الكتاب الصادر عن الهيئة السورية للكتاب، بفصوله التسعة يتمحور حول أربع أفكار رئيسية، تناولت أولاها ماهية الواقع عند بعض المنظّرين مثل بتلر وفيتش وليوتار، والتحليل النفسي بعيدا عن المثالية عند كل من هيغل ولاكان وفرويد، في حين اشتملت الفكرة الثانية على قضايا الواقع عند لاكان والتعارض الموجود بين جيجك ولاكان وسحر الثقافة وتأثيرها النافذ، أما الفكرة الثالثة فتنطوي على شواغل تخص الفضاء والواقع وموقع الناظر في الفن والرسم، لتأتي في الختام الفكرة الرابعة عن علاقة الواقع السامي عند كانط وليوتار والأسس الممكنة لصوغ نظرية جديدة للثقافة.

نظرية ثقافية جديدة
نظرية ثقافية جديدة

وتذكر المؤلفة أنها أدركت لأول مرة خصوصية ما بعد الحداثة في عام 1985، حينما شاهدت الزوجة المسحوقة سيسيليا  في فيلم “وردة القاهرة البنفسجية” من تأليف وإخراج وودي آلان، وهو يعتمد على تقنية الفيلم داخل الفيلم، من خلال قصة كاتب وصديقيه يقضون إجازتهم في مصر، حيث يلتقيان بتوم، وهو عالم آثار جاء إلى القاهرة بحثا عن وردة بنفسجية أهداها أحد الملوك في أسطورة قديمة إلى حبيبته.

وتلك الوردة قادرة على إعادة الحبيبة إلى الحياة إذا تفتحت، وكأنها السينما التي يُظن فيها القدرة على إعادة الحياة لمجتمع يتحلل، يكاد تفتك به التناقضات الرهيبة، بين الثراء الفاحش من ناحية، وفقر مدقع من ناحية أخرى، يموت فيه البشر من البطالة والجوع، بعد أن تكون أرواحهم قد ماتت بالفعل. المهم أن تقنية الفيلم داخل الفيلم وشاشة السينما التي تفصل بشكل قاطع عالم الخيال المضاء بشدة عن الجمهور الجالس في الجانب المظلم، فهي علامة على تمييز الحس المشترك بين الحقيقة والخيال، هذه الحالة ما بعد الحداثية جعلت من الحقيقة الواقعية قضية، فتثير التساؤل حول الواقع، والوهم المحدث ثقافيا، وهل الحقيقة بناء ذاتي أم أثر للثقافة؟

هنا تلتقي الكاتبة مع فكرة جاك لاكان القائلة إن “الواقع هو كل ما لا يعتمد على فكرتي عنه”، وهو يميز بين المعنى الذي نتعلمه من اللغة نفسها والعالم الذي تنوي هذه اللغة وصفه، فالمعاني التي تعطينا إحساسنا بالحقيقة الواقعية تكون مكتسبة دائما من الخارج.

دراسة الثقافات الشعبية قد تعطي انطباعا بأن لا شيء يتغير، فالأجناس الفنية الهوليودية التي تتكرر بطريقة لا نهائية، من أجل ضمان نجاحها التجاري، وكذلك المسلسلات ذات الموضوعات الجريئة لكنها في نفس الوقت ذات شكل محافظ وتقليدي تماما، بحيث يبدو وكأنها تدعم نسخة من الحتمية الثقافية، وهذا انطباع خاطئ، فهوليوود نفسها تندفع نحو قابلية التنبؤ وما بعدها، غير أن فكرة ليوتار هي أننا نحتاج أيضا إلى الطليعة، حيث يغدو تحدي القاعدة هو القاعدة، حيث تتوغل الثقافة في عمق الفضاءات التي لم تتحدد معالمها بعد.

هنا تطبق بيلسي فكرتها على رواية “مالون يموت” لصمويل بيكيت، الذي كان معاصرا للاكان، تبدأ الرواية هكذا “سيدركني الموت قريبًا بصرف النظر عن أي شيء”، لترى نفسك أمام شخصية غريبة عليك وعلى نفسها، تحاول أن تقص القصص منتظرة الموت، لقد سلم مالون بحتمية الموت، عندما تستمع لمالون الذي يضعك داخل متاهة حيث يتحدث قليلا عن نفسه، لينتقل إلى قصة سامبو الذي لا يعرف من أين أتى هذا الشخص، ومن ثم ينتقل إلى القصة الثانية التي قرر أن يقصها لنا أو ربما يريد أن يقص لنا القصة الثالثة التي تتحدث عن الحجر، جميع القصص التي يرويها يختلقها ويشعرك بأن تلك القصص لا معنى لها حتى هو نفسه لا معنى له.

هكذا يبدو مالون بطلا يناسب زماننا الساخر حيث لا توجد بطولة، وهو يقيم وحده في تلك المنطقة بين الحياة والموت في مكان معزول لا يمكن تحديده بدقة. هنا لا تبدو الثقافة ترفا، ولا قابلة للاختزال في تعاليم أخلاقية أو سيطرة أيديولوجية أو حتمية نصية، فهي وإن كانت تخضع الناس فإنها لا تستبعد إمكانية المقاومة، وكما يقول الكتاب فإنها “يمكن أن تخبرنا بأكثر مما تعتقد أنها تعرفه عن هوياتنا وما يمكن أن نكون”.

15